مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ لِمَالِكٍ عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ مُسْنَدَةٌ ، وَوَاحِدٌ مُرْسَلٌ . وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيُّ ( الْأَسَدِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا الْأَسْوَدِ يُعْرَفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ سَكَنَ الْمَدِينَةَ ( ثُمَّ سَكَنَ مِصْرَ فِي آخِرِ أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ ) وَهُوَ مِنْ جِلَّةِ الْمُحَدِّثِينَ بِهَا ثِقَةٌ حُجَّةٌ فِيمَا نَقَلَ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : ( هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . قَالَ مَالِكٍ : كَانَ أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبَ عُزْلَةٍ وَحَجٍّ وَغَزْوٍ ، قَالَ : وَكَانَ النَّاسُ أَصْحَابَ عُزْلَةٍ . 1292 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِأَبِي الْأَسْوَدِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : ) ( هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، إِلَّا أَبَا عَامِرٍ الْعَقَدِيَّ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ جُذَامَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ فِي سَمَاعِهِ مِنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا رَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُذَامَةَ ) . وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنِ الصَّاحِبِ ، وَرِوَايَةُ الْمَرْءِ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ ، وَجُذَامَةُ هَذِهِ هِيَ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ أَخِي عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . ( حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ الْإِمَامُ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ) بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ البَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُفَيْلٍ النُّفَيْلِيُّ الْحَرَّانِيُّ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُذَامَةَ الْأَسَدِيَّةِ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ ) هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ تَفْعَلُهُ ، قَالَ النُّفَيْلِيُّ : فَلَا يَضُرُّهُمْ ، وَقَالَ خَلَفٌ : فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ) ذَلِكَ . وَأَمَّا الْغِيلَةُ فَقَدْ فَسَّرَهَا مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ إِثْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، ذَكَرَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرِّجْلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ ، حَمَلَتْ أَوْ تَحْمِلُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى الْغِيلَةِ ; فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : كَمَا قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهَا أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْغِيلَةُ وَالْغَيْلُ سَوَاءٌ ، وَهُوَ أَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ فَيَغْشَاهَا زَوْجُهَا وَهِيَ تُرْضِعُ فَتَحْمِلُ ، فَإِذَا حَمَلَتْ فَسَدَ اللَّبَنُ عَلَى الصَّبِيِّ ، وَيَفْسُدُ بِهِ جَسَدُهُ ، وَتَضْعُفُ قُوَّتُهُ ، حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ ، قَالَ : وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِيهِ ) أَنَّهُ لَيُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ سَرْجِهِ أَيْ يَضْعُفُ فَيَسْقُطُ عَنِ السَّرْجِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رِضَاعٍ فَتَنْبُوَ فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ ، يُقَالُ : قَدْ أَغَالَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ ، وَأُغِيلَ الصَّبِيُّ ، وَصَبِيٌّ مُغَالٌ وَمُغْيَلٌ ، إِذَا وَطِئَ أَبُوهُ أُمَّهُ فِي رِضَاعِهِ ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمِ مُغْيَلِ . وَقَالَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ : وَمُبَرَّأً مِنْ كُلِّ غَيْرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغِيلِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَخْفَشُ فَهُوَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ ( وَالْغَيْلُ لَبَنُ الْفَحْلِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ ) : ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا ، فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ ظَهْرِ فَرَسِهِ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُهَاجِرٍ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ أَسْمَاءَ تَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ الْغَيْلَ رُبَّمَا أَدْرَكَ الْفَارِسَ ، أَوْ أَنَّهُ لَيُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ : الْغَيْلُ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْضًا : الْغَيْلُ نَفْسُهُ الرِّضَاعُ ، وَجَمْعُهُ مَغَايِلُ . ( وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْغَيْلُ لَبَنُ الْحَامِلِ ، وَيُقَالُ : الْغَيْلُ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَيُقَالُ : الْغَيْلُ نِيلُ مِصْرَ الَّذِي تَنْبُتُ عَلَيْهِ زُرُوعُهُمْ ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْحَدِيثِ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ بِمَا يَفْعَلُونَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا يَكُونُ أَدَبًا وَرِفْقًا وَإِحْسَانًا إِلَى أُمَّتِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الدِّيَانَةِ ، وَلَوْ نَهَى عَنِ الْغِيلَةِ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ نَهْيِهِ عَنْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ ، فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وهي ترضع ، فَيُصِيبُهَا وَهِيَ تُرْضِعُ : أَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ لَهُ ، وَلِلزَّوْجِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ الْمَاءَ يُغَيِّرُ اللَّبَنَ ، وَيَكُونُ مِنْهُ الْغِذَاءُ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ : إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فَاللَّبَنُ مِنْهُ بَعْدَ الْفِصَالِ وَقَبْلَهُ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ وَحَمَلَتْ مِنَ الثَّانِي فَاللَّبَنُ مِنْهُمَا جَمِيعًا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ انْقِطَاعُهُ مِنَ الْأَوَّلِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ : اللَّبَنُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَضَعَ فَيَكُونَ مِنَ الْآخَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْهُمَا حَتَّى تَضَعَ فَيَكُونَ مِنَ الثَّانِي . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ · ص 89 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ · ص 281 1292 1253 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ; أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَةِ ; أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا : أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . 27833 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَجَعَلُوهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ : أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ . 27834 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا هُوَ عِنْدَ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ جُدَامَةَ . 27835 - وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ لَهُ عَنْ جُدَامَةَ دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهَا عَلَى الْعِلْمِ ، وَبَحْثِهَا عَنْهُ ، وَأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يُرْسِلُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْأَغْلَبِ إِلَّا مَا يَسْتَوْفِيهِ الْمُحَدِّثُ لَهُمْ بِهَا ، أَوْ لِوُجُوهٍ غَيْرِ ذَلِكَ . 27836 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . 27837 - وَأَمَّا الْغِيلَةُ ، فَكَمَا فَسَّرَهَا مَالِكٌ ، وَعَلَى تَفْسِيرِ ذَلِكَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ . 27838 - وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْغِيلَةُ وَالْغِيلُ سَوَاءٌ ، وَهِيَ أَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ ، فَيَغْشَاهَا زَوْجُهَا وَهِيَ تُرْضِعُ ، فَتَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ ; لِأَنَّهَا إِذَا حَمَلَتْ فَسَدَّ اللَّبَنُ عَلَى الطِّفْلِ الْمُرْضَعِ ، وَيَفْسُدُ بِهِ جِسْمُهُ ، وَتَضْعُفُ بِهِ قُوَّتُهُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ . 27839 - قَالَ : وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ لِيُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ قَالَ : عَنْ سَرْجِهِ ، أَيْ يَضْعُفُ ، فَيَسْقُطُ عَنِ السَّرْجِ . 27840 - قَالَ الشَّاعِرُ : فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي الرَّضَاعِ فَتَنْبُو فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ . 27841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا ، يَرُدُّ كُلَّ مَا قَالَهُ الْأَخْفَشُ ، وَحَكَاهُ عَنِ الْعَرَبِ . 27842 - وَذَلِكَ مِنْ تَكَاذِيبِ الْعَرَبِ ، وَظُنُونِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا ; لَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِهَةِ الْإِرْشَادِ وَالْأَدَبِ ، فَإِنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَرِيصًا عَلَى نَفْعِ الْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا بِهِمْ ، وَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ إِلَّا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 27843 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : الْغِيلَةُ : أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ . 27844 - وَقَالَ غَيْرُهُ : الْغِيلُ نَفْسُهُ الرَّضَاعُ . 27845 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا بِشَوَاهِدِ الشِّعْرِ فِي التَّمْهِيدِ . 27846 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَيُصِيبُهَا وَهِيَ تُرْضِعُ أَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ لَهُ ، وَلِلزَّوْجِ قَبْلَهُ ؟ لِأَنَّ الْمَاءَ يُغَيِّرُ اللَّبَنَ ، وَيَكُونُ مِنْهُ الْغِذَاءُ . 27847 - وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ . 27848 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ : إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ ، فَاللَّبَنُ مِنْهُ بَعْدَ الْفِصَالِ وَقَبْلَهُ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ، فَتَزَوَّجَتْ ، وَحَمَلَتْ مِنَ الثَّانِي ، فَاللَّبَنُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ انْقِطَاعُهُ مِنَ الْأَوَّلِ . 27849 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ اللَّبَنَ يُغَيِّرُهُ وَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي . 27850 - وَلِوَطْئِهِ فِيهِ تَأْثِيرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا نَظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ مِنَ السَّبْيِ ، فَسَأَلَ : هَلْ يَطَأُ هَذِهِ صَاحِبُهَا ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، أَيُوَرِّثُهُ ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَمْ يَسْتَعْبِدُهُ ؟ وَهُوَ قَدْ عَدَاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ . 27851 - وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ . 27852 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : اللَّبَنُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَضَعَ الْمَرْأَةُ ، فَيَكُونُ مِنَ الْآخَرِ . 27853 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ . 27854 - وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْهُمَا حَتَّى تَلِدَ ، فَيَكُونُ مِنَ الثَّانِي . 27855 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الرَّضَاعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ · ص 375 1280 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . 1292 1280 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ ) بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ الْأَسَدِيِّ أَبِي الْأَسْوَدِ يَتِيمِ عُرْوَةَ الثِّقَةِ الْعَلَّامَةِ ( قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( عَنْ جُدَامَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْ مَالِكٍ ، كَمَا قَالَ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَنْ قَالَهَا بِالْمُعْجَمَةِ فَقَدْ صَحَّفَ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ رِوَايَةُ يَحْيَى ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ عَنْهُ : سَمَاعِي مِنْهُ مُوَطَّأَ أَبِي مُصْعَبٍ بِالْمُعْجَمَةِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَهِيَ لُغَةُ مَا لَمْ يَنْدَقَّ مِنَ السُّنْبُلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِذَا تَحَاتَّ الْبُرُّ فَمَا بَقِيَ فِي الْغِرْبَالِ مِنْ قَصَبَةٍ فَهُوَ جُدَامَةٌ ( بِنْتِ وَهْبِ ) بْنِ مِحْصَنٍ ، وَيُقَالُ : بِنْتُ جَنْدَلٍ ، وَيُقَالُ : بِنْتُ جُنْدَبٍ ( الْأَسَدِيَّةِ ) لَهَا سَابِقَةٌ وَهِجْرَةٌ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أُخْتِ عُكَّاشَةَ ، أَيْ : أُخْتِهِ لِأُمِّهِ عَلَى الْمُخْتَارِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : لَعَلَّهُ أَخِي عُكَّاشَةُ ، فَتَكُونُ بِنْتَ أَخِيهِ ( أَنَّهَا ) أَيِ جُدَامَةَ ( أَخْبَرَتْهَا ) أَيْ عَائِشَةُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ هَكَذَا إِلَّا أَبَا عَامِرٍ الْعَقَدِيَّ فَجَعَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يَذْكُرْ جُدَامَةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ فِيهِ كَسَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ ، فَفِي رِوَايَتِهَا عَنْهَا حِرْصُ عَائِشَةَ عَلَى الْعِلْمِ وَبَحْثُهَا عَنْهُ ( أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي أُنَاسٍ ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ ) أَيْ قَصَدْتُ ( أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْهَاءِ اسْمٌ مِنَ الْغَيْلِ بِفَتْحِهَا وَالْغِيَالِ بِكَسْرِهَا ، وَالْغَيْلَةُ بِالْفَتْحِ وَالْهَاءِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ، وَقِيلَ لَا تُفْتَحُ الْغَيْنُ إِلَّا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ ، وَذَكَرَ ابْنُ السَّرَّاجِ الْوَجْهَيْنِ فِي غِيلَةِ الرَّضَاعِ ، أَمَّا غِيلَةُ الْقَتْلِ فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ الْغِيَالِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا ، قَالَهُ عِيَاضٌ ( حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى رُومِ بْنِ عِيصُو بْنُ إِسْحَاقَ ( وَفَارِسَ ) لَقَبُ قَبِيلَةٍ لَيْسَ بِأَبٍ وَلَا أُمٍّ ، وَإِنَّمَا هُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ تَغْلِبَ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا الِاسْمِ ( يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ ، فَإِذَا هُمْ يَغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا ، يَعْنِي لَوْ كَانَ الْجِمَاعُ حَالَ الرَّضَاعِ أَوِ الْإِرْضَاعِ حَالَ الْحَمْلِ مُضِرًّا لَضَرَّ أَوْلَادَ الرُّومِ وَفَارِسَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الْأَطِبَّاءِ فِيهِمْ ، فَلَوْ كَانَ مُضِرًّا لَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ ، فَحِينَئِذٍ لَا أَنْهَى عَنْهُ . قَالَ عِيَاضٌ : فَفِيهِ جَوَازُهُ إِذْ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ رَأْيُ الْجُمْهُورِ لا يضره وَإِنْ أَضَرَّ بِالْقَلِيلِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُكْثِرُ اللَّبَنَ وَقَدْ يُغَيِّرُهُ ، وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ اللَّبَنِ إِنَّهُ دَاءٌ وَالْعَرَبُ تَتَّقِيهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْهُ حَمْلٌ وَلَا يُعْرَفُ فَيَرْجِعُ إِلَى إِرْضَاعِ الْحَامِلِ الْمُتَّفِقِ عَلَى مَضَرَّتِهِ ، وَأُخِذَ الْجَوَازُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَعَلَّ الْغِيلَةَ إِنَّمَا تَضُرُّ فِي النَّادِرِ فَلِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهَا رِفْقًا بِالنَّاسِ لِلْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ . قَالَ عِيَاضٌ : وَفِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْأَحْكَامِ ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِرَأْيٍ أَوِ اسْتِفَاضَةٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَارِسَ وَالرُّومَ ، قَاسَ الْعَرَبَ عَلَيْهِمْ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَخَلَفِ بْنِ هِشَامٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا خَرَّجَ عَنْ جُدَامَةَ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ ) أَنْزَلَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ تُنْزِلُ الْمَرْأَةُ فَيُضَرُّ اللَّبَنُ ، وَقِيلَ إِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَيْسَ بِغِيلَةٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفْسِيرُ مَالِكٍ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : هِيَ إِرْضَاعُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا حَمَلَتْ فَسَدَ اللَّبَنُ فَيُفْسِدُ جِسْمَ الصَّبِيِّ وَيَضْعُفُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ . وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : إِنَّ الْغِيلَةَ لَتُدْرِكُ الْفَارِسَ فَتُعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ قَالَ عَنْ سَرْجِهِ أَيْ يَضْعُفُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ : فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ فَتَنْبُو فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْأَخْفَشُ حَقًّا لَنَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِرْشَادًا ؛ لِأَنَّهُ رَؤُوفٌ بِالْمُؤْمِنِينَ اهـ . وَفِي الْأَبِيِّ : احْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهَا وَطْءُ الْمُرْضِعِ ، بِأَنَّ إِرْضَاعَ الْحَامِلِ مُضِرٌّ وَدَلِيلُهُ الْعِيَانُ ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغِيلَةَ الَّتِي فِيهِ لَا تَضُرُّ وَهَذِهِ تَضُرُّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَالْخَبَرُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - لَا يُنَافِيهِ خَبَرٌ : لَا تَغِيلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فَإِنَّ هَذَا كَالْمَشُورَةِ عَلَيْهِمْ وَالْإِرْشَادِ لَهُمْ إِلَى تَرْكِ مَا يُضْعِفُ الْوَلَدَ وَيُغِيلُهُ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُرْضِعَ إِذَا بَاشَرَهَا الرَّجُلُ حَرَّكَ مِنْهَا دَمَ الطَّمْثِ وَأَهَاجَهُ لِلْخُرُوجِ ، فَلَا يَبْقَى اللَّبَنُ عَلَى اعْتِدَالِهِ وَطِيبِهِ ، وَرُبَّمَا حَمَلَتِ الْمَوْطُوءَةُ فَيَكُونُ مِنْ أَضَرِّ الْأُمُورِ عَلَى الرَّضِيعِ لِأَنَّ جِهَةَ الدَّمِ حِينَئِذٍ تَنْصَرِفُ فِي تَغْذِيَةٍ الجنين فَيَصِيرُ لَبَنُهَا رَدِيئًا فَيَضْعُفُ الرَّضِيعُ ، فَهَذَا وَجْهُ الْإِرْشَادِ لَهُمْ إِلَى تَرْكِهِ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ دَائِمًا لِكُلِّ مَوْلُودٍ .