1424 حَدِيثٌ حَادٍ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ ( مِنْهُ شَيْئًا ) ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَرَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ ، مِنْهُمُ : الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ سَوَاءً ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مَا غُيِّبَ عَنْهُمْ وَسُتِرَ مِنَ الضَّمَائِرِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَيْ : إِنِّي مِنَ الْبَشَرِ ، وَلَا أَدْرِي بَاطِنَ مَا تَتَحَاكَمُونَ فِيهِ عِنْدِي وَتَخْتَصِمُونَ فِيهِ إِلَيَّ ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقُولُونَ وَتُدْلُونَ بِهِ مِنَ الْحِجَاجِ ، فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَصِحَّ دَعْوَى ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ مِنْ كَاهِنٍ أَوْ مُنَجِّمٍ ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْغَيْبِ مَا أُعْلِمُوا بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْوَحْيِ . وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَدْرَى بِمَوْقِعِ الْحُجَّةِ وَتَصَرُّفِ الْقَوْلِ مِنْ بَعْضٍ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَى قَوْلِهِ : أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ ، يَعْنِي : أَفْطَنُ لَهَا وَأَجْدَى بِهَا . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : اللَّحَنُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ - الْفِطْنَةُ ، وَاللَّحْنُ - بِالْجَزْمِ - : الْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ . وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِي إِنَّمَا يَقْضِي عَلَى الْخَصْمِ بِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ مِنْ إِقْرَارٍ ، أَوْ إِنْكَارٍ ، أَوْ بَيِّنَاتٍ : عَلَى حَسْبمَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ وَإِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ بِالْهَوَى ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى الْآيَةَ . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ لِقَوْلِهِ : فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ ، وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ قَالَ : وَالْعِلَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ دُونَ الْعِلْمِ التُّهْمَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا لَا يَعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرِثْهُ ، وَهَذَا لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ أَفْضَلِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ ، فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَبَّرُوهُ ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي خَاطِبُ النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْمِنْبَرَ ) فَخَطَبَ ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا ، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ صَعِدَ فَخَطَبَ ، فَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، وَهَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ ، وَلَا قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُمْ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا عَلِمَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا تُعْلِمُهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ لِيَعْلَمَهُ فَيَقْضِيَ بِهِ ، وَقَدْ تَكُونُ كَاذِبَةً وَوَاهِمَةً وَعِلْمُهُ بِالشَّيْءِ أَوْكَدُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ ويسقط الْعُدُولِ بِعِلْمِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يُنَفِّذُ عِلْمَهُ فِي ذَلِكَ دُونَ شَهَادَتِهِمْ وَلَا يَقْضِي . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوْدَةَ زَوْجَهُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ؛ لِمَا عَلِمَهُ وَرَآهُ مِنْ شِبْهِهِ بِعُتْبَةَ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ ، وَفِيمَا طَرِيقُهُ عِلْمُهُ قَضَى بِعِلْمِهِ ، وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُنَازَعَاتٌ أَكْثَرُهَا تَشْغِيبٌ ، وَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُخْتَلِفُونَ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ : مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ جَمِيعًا - بِمَعْنًى وَاحِدٍ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَكَّةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَعِبْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ وَنَحْنُ غِلْمَانُ ، فَإِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ فَائْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَاهُ الْمَخْزُومِيُّ بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، انْهَضْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا ، فَنَهَضَ وَنَظَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَاهُنَا فَضَعْهُ هَاهُنَا . فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ . فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدُّرَّةِ وَقَالَ : خُذْهُ - لَا أُمَّ لَكَ - وَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّكَ مَا عَلِمْتَ قَدِيمَ الظُّلْمِ ، فَأَخَذَ الْحَجَرَ أَبُو سُفْيَانَ وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تَمُتْنِي حَتَّى غَلَبْتَ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ ، وَأَذْلَلْتَهُ لِي بِالْإِسْلَامِ ، قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ الْقِبْلَةَ وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تَمُتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْإِسْلَامِ مَا ذَلَلْتُ بِهِ لِعُمَرَ . فَفِي هَذَا الْخَبَرِ قَضَى عُمَرُ بِعِلْمِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ سَوَاءً عِنْدَهُمْ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فِي مِصْرِهِ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ ، لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ يَقِينَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يَقْطَعُ عَلَى غَيْبِ مَا شَهِدُوا بِهِ ، كَمَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّةِ مَا عَلِمُوا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ ، وَمَا عَلِمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَقْضَى أَوْ رَآهُ بِمِصْرِهِ قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ ، وَلَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ، وَلَا فِيمَا رَآهُ بِمِصْرِهِ وَلَا بِغَيْرِ مِصْرِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : حُقُوقُ النَّاسِ وَحُقُوقُ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْحُدُودُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا عَلِمَهُ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا عَلِمَهُ ، حَدًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَدٍّ ، لَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَلَا بَعْدَهَا ، وَلَا يَقْضِي إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْإِقْرَارِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيُّ ، وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ الْقَضَاءِ بِالظَّنِّ وَالِاسْتِحْسَانِ ، وَإِيجَابِ الْقَضَاءِ بِالظَّاهِرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمَا وَمَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَفَاهُ ، فَأَحْلَفَهُمَا بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ قَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ ، بَلْ أَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْمُمْكِنِ ، وَلَا أَوْجَبَ بِالشُّبْهَةِ حُكْمًا ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، فَإِنَّهُ بَيَانٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ الَّذِي تَعْبَّدَ بِهِ لَا يَحِلُّ فِي الْبَاطِنِ حَرَامًا قَدْ عَلِمَهُ الَّذِي قَضَى لَهُ بِهِ ، وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالظَّاهِرِ بَيْنَهُمْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، مِثَالُ ذَلِكَ : رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَعْوَى ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةَ زُورٍ كَاذِبَةً ، فَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمْ عِنْدَهُ ، وَأَلْزَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا شَهِدُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِلْمُدَّعِي إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ ، وَأَنَّ بَيِّنَتَهُ كَاذِبَةٌ : إِمَّا مِنْ جِهَةِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْغَلَطِ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لِقَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ : حَدِيثُ عُبَادَةَ ؛ وَأَنْ تَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا لَا تَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَقَوْلُهُ : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَوْلُهُ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ . وَكَذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ عَلَى رَجُلٍ لِرَجُلٍ حَقٌّ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَادَّعَى دَفْعَهُ إِلَيْهِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَجَحَدَهُ الْمُدَّعِي الدَّفْعَ إِلَيْهِ ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَيْهِ وَقَبَضَ مِنْهُ ذَلِكَ الْحَقَّ مَرَّةً أُخْرَى بِقَضَاءِ قَاضٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّنْ قَطَعَ لَهُ أَيْضًا قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ . قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءً . قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ قَالَ : لَا تُدْلِي بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَهُ ظَالِمٌ ، فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يَحِلُّ لَكَ شَيْئًا كَانَ حَرَامًا عَلَيْكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَعَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ جَرَى مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ ، كُلُّهُمْ قَدْ جَعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ . وَجَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَبْلَهُمَا فِي رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتُهُ ، فَقَبِلَ الْقَاضِي شهادتهما لظاهر عَدَالَتَهُمَا عِنْدَهُ ، وَهُمَا قَدْ تَعَمَّدَا الْكَذِبَ فِي ذَلِكَ ، أَوْ غَلِطَا ، أَوْ وَهِمَا ، فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ بِشَهَادَتِهِمَا ، ثُمَّ اعْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ ، أَنَّهُ جَائِزٌ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ ، وَعَالِمٌ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَمَّا أَحَلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ كَانَ الشُّهُودُ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءً ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّهَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ غَيْرِ الشُّهُودِ ، مَعَ الِاسْتِدْلَالِ بِفُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ يُوقِعُهُ . وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ : هَذَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، وَمِنْ حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ عِصْمَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَائِرُ مَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ : لَا يَحِلُّ لِوَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ أَوْ غَالِطٌ فِي شَهَادَتِهِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعَوَاهُمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلَحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ . فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : حَقِّي لَكَ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ تَحَلَّلَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ مَعَ الْأَحْكَامِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : جواز الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ ، خِلَافَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِيهِ أَنَّ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَأَنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ بالقول ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ فِي الْوَقْتِ ؛ لِقَوْلِهِ : حَقِّي لَكَ ، وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لا يَصِحُّ لَكَ حَتَّى تَقْبِضَهُ ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ مَالِكٌ : تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ بِالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِتُقْبَضَ . وَفِيهِ جَوَازُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَجْهُولِ وَالصُّلْحِ مِنْهُ وَهِبَتِهِ . وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ لِلْحَاكِمِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ . وَفِيهِ جَوَازُ التَّحَرِّي فِي أَدَاءِ الْمَظَالِمِ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحَقِّ . وَفِيهِ جَوَازُ تَرْدِيدِ الْخُصُومِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نصا ، وَذَلِكَ فِيمَا أُشْكِلَ لَا فِيمَا بَانَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ · ص 215 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أُمِّ سَلَمَةَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ · ص 5 1424 36 - كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ 1 - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ 1388 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ . 31566 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا عَلَى هِشَامٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ : الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ ، عَنْ أُمِّهَا - أَمِّ سَلَمَةَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 31567 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 31568 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ، وَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَعْرِفُونَ بِهَذَا ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ دَعْوَى ذَلِكَ ؟ وَهَلْ يَحْصُلُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَ مُدَّعِيهِ إِلَّا التَّخَرُّصُ ، وَالتَّظَنُّنُ بِالنَّجَامَةِ ، أَوْ بِالتَّكَهُّنِ ، الَّذِي هُوَ كُلُّهُ إِلَّا يَسِيرٌ مِنْهُ ظَنٌّ كَذِبٌ ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا عِلْمٌ صَحِيحٌ مُتَيَقِّنٌ مُتَبَيَّنٌ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31569 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ يَعْنِي : أَفْطَنَ لَهَا ، وَأَجْدَلَ بِهَا . 31570 - قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : اللَّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ : الْفِطْنَةُ ، وَاللَّحْنُ بِجَزْمِ الْحَاءِ الْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ . 31571 - وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِي إِنَّمَا يَقْضِي عَلَى الْخَصْمِ بِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ مِنْ إِقْرَارٍ ، أَوْ إِنْكَارٍ أَوْ بَيِّنَاتٍ عَلَى حَسَبِ مَا أَمْكَنَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ . 31572 - وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِكُلِّ مَا يُقِرُّ بِهِ عِنْدَهُ - الْمُقِرُّ لِمَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَقْضِيَ لَهُ بِمَعْنَى أَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، يُرِيدُ أَوْ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ مِمَّا يَحْتَاجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ . 31573 - وَلَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِمَا قَدِ اسْتَوْعَبَ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ جَحَدَ الْمُقِرُّ إِقْرَارَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَهُ ذَلِكَ شَهِيدَانِ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْحَاكِمِ الْقَضَاءُ بِمَا سَمِعَ حَضَرَهُ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ . 31574 - هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ . 31575 - وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ الْعَدْلِ ، وَغَيْرِهِ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنْ يَنْفُذَ عِلْمُهُ فِي ذَلِكَ دُونَ شَهَادَتِهِمْ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 31576 - وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا رَدٌّ وَإِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ بِالْهَوَى ، وَبِالظُّنُونِ أَيْضًا . 31577 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ . 31578 - وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ ؛ لِقَوْلِهِ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ ، أَوْ مِنْ قِصَّتِهِ . 31579 - قَالَ : وَإِنَّمَا تُعُبِّدْنَا بِالْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ ، وَالْإِقْرَارِ ، وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ، وَذَلِكَ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْمُقِرِّ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ . 31580 - وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ إِنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ الْبَيِّنَاتُ ، أَوْ إِقْرَارُ مَنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ . 31581 - وَالْعِلَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ دُونَ الْعِلْمِ التُّهْمَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا قَضَى بِعِلْمِهِ كَانَ مُدَّعِيًا عِلْمَ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ . 31582 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ قَاتِلٌ عَمْدًا ، وَالْقَاتِلُ عَمْدًا لَا يَرْثُ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ فِي وِرَاثَتِهِ . 31583 - وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ - حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ ، فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَخَطَبَ ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا ، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . 31584 - وَهَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ بِمَا عَلِمَ مِنْهُمْ ، وَلَا قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُمْ . 31585 - وَهَذَا مُعْظَمُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ . 31586 - وَأَمَّا مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ مِنْهُمُ : الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّ ، وَسَنَذْكُرُهُمْ بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 31587 - فَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ مُسْتَيْقِنٌ قَاطِعٌ لِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا عَلِمَهُ عِلْمَ يَقِينٍ ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَاذِبَةً ، وَوَاهِمَةً ، وَعِلْمُهُ بِالشَّيْءِ أَوْكَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ فِي عِلْمِهِ الشَّكُّ ، وَالِارْتِيَابُ . 31588 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ ، وَيُسْقِطَ الْعُدُولَ بِعِلْمِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ . 31589 - وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا بِهِ أَنَّهُ يُنْفِذُ عِلْمَهُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ ، وَلَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ ، وَيَرُدُّهَا بِعِلْمِهِ . 31590 - وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ - حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . 31591 - وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ 31592 - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يُكَلِّفْهَا بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ صِدْقَ قَوْلِهَا مِنْ قِبَلِ زَوْجِهَا ، وَحَالِهِ الَّتِي عَرَفَ مِنْهُ . 31593 - وَقَالُوا : إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ مِنَ الْإِقْرَارِ ، وَالْبَيِّنَةِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ عِلْمُهُ ، فَإِنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِعِلْمِهِ . 31594 - وَلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مُنَازَعَاتٌ أَكْثَرُهَا تَشْغِيبٌ . 31595 - وَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مُخْتَلِفُونَ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ ذَلِكَ . 31596 - وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، فِيمَا قَضَى بِهِ عِلْمُهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ - مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، جَمِيعًا بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ؛ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا ، وَكَذَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَعِبْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ ، فَإِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ ، فَأْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، أَتَاهُ الْمَخْزُومِيُّ بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا سُفْيَانَ : انْهَضْ بِنَا إِلَى مَوْضِعِ كَذَا ، فَنَهَضُوا ، وَنَظَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ! خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هُنَا ، فَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ ، فَعَلَاهُ عَمَرُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ خُذْهُ - لَا أُمَّ لَكَ - وَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّكَ قَدِيمُ الظُّلْمِ ، فَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَجَرَ ، وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَّبْتَ عَلَيَّ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ ، فَأَذْلَلْتَهُ لِي بِالْإِسْلَامِ ، قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، الَّذِي لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْإِسْلَامِ مَا ذَلَلْتُ بِهِ لِعُمَرَ . 31597 - فَفِي هَذَا الْخَبَرِ قَضَاءُ عُمَرَ بِعِلْمِهِ فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ . 31598 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ عَلِمَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فِي مِصْرِهِ كَانَ أَوْ غَيْرِ مِصْرِهِ ، لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ بِعِلْمِهِ . 31599 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ ، أَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ ، وَمَا عَلِمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتُقْضِيَ ، أَوْ رَآهُ بِمِصْرِهِ قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ قَاضٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ فِيمَا يَقْضِي بِهِ غَيْرُهُ . 31600 - وَهَذَا الْقَوْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ اجْتِمَاعِ السَّلَفِ ، وَجُمْهُورِهِمْ ، عَلَى أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ . 31601 - وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ ، لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَلَا فِيمَا عَلِمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَا فِيمَا رَآهُ بِمِصْرِهِ ، وَلَا بِغَيْرِ مِصْرِهِ . 31602 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : حُقُوقُ النَّاسِ ، وَحُقُوقُ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْحُدُودُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، جَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِعِلْمِهِ . 31603 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِمَا عَلِمَهُ ، لَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَلَا بَعْدَهَا ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ ، أَوِ الْإِقْرَارِ . 31604 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 31605 - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ . 31606 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِيجَابُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ دُونَ إِعْمَالِ الظَّنِّ ، وَالِاسْتِحْسَانِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمَا ، وَمَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَنَفَاهُ صَاحِبُهُ ، وَأَحْلَفَهُمَا بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ حَامِلًا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّبَهَ قَدْ يُنْتَزَعُ عَنْهُ ، وَقَدْ لَا يُنْتَزَعُ ، بَلْ أَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْهَا ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الظَّنِّ ، وَلَا أَوْجَبَ بِالشُّبْهَةِ حُكْمًا ، وَلَا رَدَّ بِهِ قَضَاءً سَلَفَ مِنْهُ مُجْتَهِدًا فِيهِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الظَّاهِرُ . 31607 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ بِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَعْتَدُّ بِهِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ . 31608 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ صَحِيحٌ ، كَمَا وَصَفْنَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 31609 - وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ ، أَوْ عَقْدِهَا بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ الْحَكَمُ وَهُوَ خِلَافُ الْبَاطِنِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : الْأَمْوَالُ ، وَالْفُرُوجُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَهِيَ حُقُوقٌ كُلُّهَا لَا يُحِلُّ مِنْهَا الْقَضَاءُ الظَّاهِرُ مَا هُوَ حَرَامٌ فِي الْبَاطِنِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، وَلَمْ يَخُصَّ حَقًّا مِنْ حَقٍّ . 31610 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ . 31611 - وَقَالُوا فِي رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَقَبِلَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا عِنْدَهُ وَهُمَا قَدْ تَعَمَّدَا الْكَذِبَ ، فَفَرَّقَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ الرَّجُلِ ، وَامْرَأَتِهِ ، ثُمَّ اعْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ : إِنَّهُ جَائِزٌ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَهَادَتِهِ كَاذِبًا . 31612 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ الشَّاهِدُ ، وَغَيْرُهُ سَوَاءً ؛ لِأَنَّ قضاء الْقَاضِيَ ، وَحُكْمَهُ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهَا مِنْهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا حَلَّتْ لِزَوْجٍ غَيْرِهِ . 31613 - وَاحْتَجُّوا بِحُكْمِ اللِّعَانِ ، وَقَالُوا : مَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنَّمَا وَصَلَتْ إِلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا بِاللِّعَانِ الْكَاذِبِ الَّذِي لَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهَا فِيهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، وَلَا حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهَا : الْجَلْدِ ، أَوِ الرَّجْمِ . 31614 - قَالُوا : فَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلَا يَأْخُذْهُ . 31615 - قَالُوا : أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ ، أَوِ بِالطَّلَاقِ ، وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ ، وَجَازَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ ، وَلَزِمَهُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَكَانَتْ فُرْقَتُهُ بِالظَّاهِرِ فُرْقَةً عَامَّةً ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كذلك دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ . 31616 - وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ بِالزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إِذَا عَلِمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
شرح الزرقاني على الموطأباب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ · ص 567 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 36 - كِتَاب الْأَقْضِيَةِ 1 - بَاب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ 1391 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 36 - كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ 1 - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ 1424 1391 - ( مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ( عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ الصَّحَابِيِّ ( عَنْ ) أُمِّهَا ( أُمِّ سَلَمَةَ ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ . وَفِي أُخْرَى : جَلَبَةَ خِصَامٍ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا قَالَتْ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، الْخَلْقُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ ، وَالْحَصْرُ مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ حَصْرٌ خَاصٌّ ، أَيْ بِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْبَوَاطِنِ ، وَيُسَمَّى عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ : قَصْرُ قَلْبٍ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْوَضْعَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُدْرِكَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا ظَوَاهِرَهَا ، فَإِنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَسْلَمُ مِنْ قَضَايَا تَحْجُبُهُ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ ، فَإِذَا تُرِكَ عَلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا الْبَشَرِيَّةِ وَلَمْ يُؤَيَّدْ بِالْوَحْيِ السَّمَاوِيِّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : مِثْلُكُمْ ( وَأنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ) فِيمَا بَيْنَكُمْ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَحْكُمَ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ قَدَّمَهُ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 65 ) الْآيَةَ ، وَقَالَ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 49 ) الْآيَةَ . وَقَالَ : إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 105 ) الْآيَةَ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ثُمَّ تَرُدُّونَهُ إِلَيَّ ، وَلَا أَعْلَمُ بَاطِنَ الْأَمْرِ ( فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَعْلَمَ ( بِحُجَّتِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَبْلَغَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّحَنِ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ ، الْفِطْنَةِ ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَفْصَحَ ، وَأَعْلَمَ أن تقرير مَقْصُودِهِ ، وَأَعْلَمَ بِبَيَانِ دَلِيلِهِ ، وَأَقْدَرَ عَلَى الْبَرْهَنَةِ عَلَى دَفْعِ دَعْوَى خَصْمِهِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ . هَذَا مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّحْنِ ، بِسُكُونِ الْحَاءِ ، وَهُوَ الصَّرْفُ عَنِ الصَّوَابِ ، أَيْ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنِ الْإِعْرَابِ بِالْحُجَّةِ ، وَضَعْفُهُ لَا يَخْفَى ، وَجُمْلَةُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ لَعَلَّ مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ ، أَيْ كَائِنٍ ، أَوْ أَنْ زَائِدَةٌ ، أَوِ الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ لَعَلَّ وَصْفَ بَعْضِكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ ( مِنْ بَعْضٍ ) فَيَغْلِبُ خَصْمَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَدَقَ ( فَأَقْضِيَ ) فَأَحْكُمُ ( لَهُ ) أَيْ لِلَّذِي غَلَبَ بِحُجَّتِهِ عَلَى خَصْمِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ : فَأَقْضِيَ لَهُ ، أَيْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْطِنْ لِحُجَّتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ . ( وَإِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ) لِبِنَاءِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الظَّاهِرِ . وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى نَحْوٍ بِالتَّنْوِينِ ، مِمَّا أَسْمَعُ ( مِنْهُ ) وَمِنْ فِي ( مِمَّا ) بِمَعْنَى لِأَجْلِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى ، أَيْ أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : ( وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) إِنَّهُ الْبَيِّنَةُ أَوِ الْإِقْرَارُ ، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ التُّهْمَةُ ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ ، فَأَتَوْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا ، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعَدَ فَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَهَذَا بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِمَا عَلِمَ مِنْ رِضَاهُمُ الْأَوَّلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ بِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا حَقَّقَ عِلْمَهُ ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ؛ إِذْ لَعَلَّهَا كَاذِبَةٌ أَوْ وَاهِمَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فِي الْمَالِ فَقَطْ دُونَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُجَرِّحُ وَيُعَدِّلُ بِعِلْمِهِ . ( فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ) بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِحَقِّ مُسْلِمٍ ، وَذَكَرَهُ لِيَكُونَ أَهْوَلَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّ وَعِيدَ غَيْرِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ ، فَذَكَرَ الْمُسْلِمَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ كَذَلِكَ . ( فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ) أَيْ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ النَّارِ لَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 10 ) قَالَ السُّبْكِيُّ : هَذِهِ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَهَا ، بَلْ مَعْنَاهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزُ الْوُقُوعِ ، قَالَ : وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ ، لَا بِسَبَبِ تَبَيُّنِ حُجَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا ، وَقَدْ صَانَ اللَّهُ أَحْكَامَ نَبِيِّهِ عَنْ ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ لِلتَّخَيُّرِ بَلْ لِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ( سورة الْكَهْفِ : الْآيَةُ 29 ) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ خِطَابٌ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ هَلْ هُوَ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ ؟ فَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فَلْيَأْخُذْ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَلْيَتْرُكْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْقُلُ الْأَصْلَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِمَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ : أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَلَا عَكْسُهُ ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ فَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ ، وَإِنْ شَهِدَا بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ كَذِبَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحِلُّ الْحَرَامَ فِي الْعُقُودِ كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ ، فَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدَيْ زُورٍ ، حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ، وَادَّعَاهُ الرَّجُلُ وَهِيَ تَجْحَدُ أَوْ تَعَمَّدَ رَجُلَانِ شَهَادَةَ الزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ تَزَوُّجُهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ وَأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَمَّا أَحَلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إِجْمَاعًا كَانَ الشُّهُودُ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ ، فَمِنْ حَقِّ الرَّجُلِ عِصْمَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنْ قَبْلِهِ ، وَمُخَالِفٌ لِقَاعِدَةٍ اتَّفَقَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ الْإبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ . هَذَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُلَخِّصًا لِكَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَاجِيِّ ، وَعِيَاضٍ ، وَغَيْرِهِمْ : مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّنْبِيهُ عَلَى حَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُمُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَطْلَعَهُ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ ، فَحَكَمَ فِيهِ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ ، وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْكَامِهِ أَجْرَى لَهُ حُكْمَهُمْ فِي عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ لِيَكُونَ حُكْمُ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَهُ ، فَأَجْرَى اللَّهُ أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَتَطِيبَ نُفُوسُ الْعِبَادِ لِلِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ ، فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ . فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ ، أَمَّا إِذَا حَكَمَ فِيمَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً ، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا ، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ سَاعَدَهُمَا ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الشَّرْعِ . اهـ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ عَلَى بَوَاطِنِ كُلِّ مَنْ يَتَخَاصَمُ إِلَيْهِ فَيَحْكُمُ بِخَفِيِّ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ طَرِيقًا عَامًّا وَلَا قَاعِدَةً كُلِّيَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ لِاسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لَهُمْ وَإِنْ وَقَعَ فَنَادِرٌ ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا . فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَاطِنِ أَيْضًا وَأَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ ، وَأَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَقَدْ شَاهَدْتُ بَعْضَ الْمُخَرِّفِينَ وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعْرِضُونَ علي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَحْكُمُونَ بِالْخَوَاطِرِ الْقَلْبِيَّةِ وَيَقُولُونَ : الشَّاهِدُ الْمُتَّصِلُ بِي أَعْدَلُ مِنَ الشَّاهِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنِّي ، وَهَذِهِ مَخْرَقَةٌ أَبْرَزَتْهَا زَنْدَقَةٌ ، يُقْتَلُ صَاحِبُهَا قَطْعًا ، وَهَذَا خَيْرُ الْبَشَرِ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مُعْتَرِفًا بِالْقُصُورِ عَنْ إِدْرَاكِ الْمُغَيَّبَاتِ وَعَامِلًا بِمَا نَصَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنِ اعْتِبَارِ الْأَيْمَانِ وَالْبَيِّنَاتِ . اهـ . وَقَدْ زَادَ فِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا : فَبَكَى الرَّجُلَانِ ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : حَقِّي لَكَ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا إِذا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ، ثُمَّ اسَتَهِمَا ، ثُمَّ تَحَالَلَا وَتَوَخَّيَا ، أَيِ اقْصِدَا الْحَقَّ فِي الْقِسْمَةِ ، ثُمَّ اسْتَهِمَا أَيِ اقْتَرِعَا لِيَظْهَرَ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا . وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَوَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ ، وَتَابَعَهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .