1449 - حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي ، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ . قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ الْفَتْحُ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ : ابْنُ أَخِي ، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ . فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ! فَتُسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي ! قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ! وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ . لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ عَنْهُ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا فِي لَفْظِهِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ وَأَبَا جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيَّ وَالْقَعْنَبِيَّ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ رَوَوْهُ مُخْتَصَرًا عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ - لَمْ يَذْكُرُوا قِصَّةَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَعُتْبَةَ . رَوَاهُ هَكَذَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ابْنُ أَخِيهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيِّ أَيْضًا فِي الْمُوَطَّأِ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ ، وَهُوَ أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي بَعْضِ لَفْظِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْ أَتْقَنَهُ وَجَوَّدَهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ هُوَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ ، فَلَمَّا فَتَحُوا مَكَّةَ أَخَذَهُ سَعْدٌ ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هَذَا أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ! قَالَ : فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَقَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَأَمَرَ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، فَمَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَمْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَقَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ : اخْتَصَمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي ابْنِ أَمَةٍ لِزَمْعَةَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَخِي عُتْبَةَ أَوْصَانِي فَقَالَ : إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ فَانْظُرِ ابْنَ أَمَةِ زِمْعَةَ فَاقْبِضْهُ ، فَإِنَّهُ ابْنِي . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي ! فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ، فَقَالَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ . قِيلَ لِسُفْيَانَ : فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِيهِ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ! فَقَالَ سُفْيَانُ : لَكِنَّا لَمْ نَحْفَظْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرْضِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عِنْدَ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، ذَكَرَهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ . وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ والليث بْنِ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا ابْنِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ . قَالُوا : وَمَا الْأَثْلَبُ ؟ قَالَ : الْحَجَرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوهٌ مِنَ الْفِقْهِ وَأُصُولٌ جِسَامٌ ؛ مِنْهَا الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ عَلَى ظَاهِرِ حُكْمِهِ وَسُنَنِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الشَّبَهِ ، وَكَذَلِكَ حَكَمَ فِي اللَّعَّانِ بِظَاهِرِ الْحُكْمِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنِ اسْتِلْحَاقِ أَوْلَادِ الزِّنَا ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يُسَافِحُونَ وَيُنَاكِحُونَ ، وَأَكْثَرُ نِكَاحَاتِهِمْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، وَقَدْ أَمْضَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَبْطَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَ الزِّنَى لِتَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ ، وَقَالَ : لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، فَنَفَى أَنْ يَلْحَقَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَدُ الزِّنَى ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ وَلَدٍ يُولَدُ عَلَى فِرَاشٍ لِرَجُلٍ لَاحِقًا بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَى أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ عَلَى حُكْمِ اللِّعَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَأَجْمَعَتِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُرَّةَ فِرَاشٌ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ وَإِمْكَانِ الْحَمْلِ ، فَإِذَا كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ يُمْكِنُ مَعَهُ الْوَطْءُ وَالْحَمْلُ فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ أَبَدًا بِدَعْوَى غَيْرِهِ وَلَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا بِاللِّعَانِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا فِي حِينِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ أَوِ الشُّهُودِ فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَقِيبَ الْعَقْدِ ; فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لَهُ إِذْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوَطْءُ فِي الْعِصْمَةِ ، وَهُوَ كَالصَّغِيرِ أَوِ الصَّغِيرَةِ اللَّذَيْنِ لَا يُمْكِنُ مِنْهُمَا الْوَلَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ فَرَاشٌ لَهُ ، وَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَمَةِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا صَارَتْ فِرَاشًا ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا ، وَإِنِ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً حَلَفَ وَبَرِئَ مِنْ وَلَدِهَا يَمِينًا وَاحِدًا . وَاحْتَجَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ : لَا تَأْتِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَأَرْسَلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسَكُوهُنَّ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا تَكُونُ الْأَمَةُ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ حَتَّى يَدَّعِي سَيِّدُهَا وَلَدَهَا ، وَأَمَّا إِنْ نَفَاهُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا أَمْ لَمْ يُقِرَّ ، وَسَوَاءٌ اسْتَبْرَأَ أَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْ . وَأَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا لِعَانَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَسَيِّدِهَا ، وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا عَلَى أَنْ لَا يَسْتَلْحِقَ أَحَدٌ غَيْرَ الْأَبِ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يُقِرُّ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَوْ قُبِلَ اسْتِلْحَاقُ غَيْرِ الْأَبِ كَانَ فِيهِ إِثْبَاتُ حُقُوقٍ عَلَى الْأَبِ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ وَلَا بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَبَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ . وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِزَمْعَةَ لِأَنَّ فِرَاشَهُ قَدْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لَا أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ بِدَعْوَاهُ عَلَى أَبِيهِ . هَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ فِيهِ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وَلَدٍ عَلَى فِرَاشِهِ . فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ : وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِوَطْءِ زَمْعَةَ لِوَلِيدَتِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرِ الْفِرَاشَ ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى مِنْ أَفْعَالِ الصِّهْرِ عَلَى صِهْرِهِ ، فَلَمَّا لَمَّ يُنْكِرْ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلِمَ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ بِمَسِّهِ إِيَّاهَا فَقَضَى بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُلْحِقِ الْوَلَدَ بِزَمْعَةَ بِدَعْوَى أَخِيهِ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ . إِلَّا أَنَّ هَذَا فِي التَّأْوِيلِ مَا يُوجِبُ قَضَاءَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ ، وَهُوَ مِمَّا يَأْبَاهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فَقَدْ أَشْكَلَ مَعْنَاهُ قَدِيمًا عَلَى الْعُلَمَاءِ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ، وَأَنَّ الزِّنَى لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي التَّحْرِيمِ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنَزُّهِ ، فَإِنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا ، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِقَطْعِ الذَّرِيعَةِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالظَّاهِرِ ، فَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمَيْنِ ; حُكْمٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَحُكْمٌ بَاطِنٌ وَهُوَ الِاحْتِجَابُ مِنْ أَجْلِ الشُّبْهَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ يَا سَوْدَةُ إِلَّا فِي حُكْمِ اللَّهِ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، فَاحْتَجِبِي مِنْهُ ، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ لِعُتْبَةَ . قَالَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَضَارَعَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ ، وَأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حُكْمًا بَاطِنًا أَوْجَبَ الْحِجَابَ ، وَالْحُكْمُ الظَّاهِرُ لِحَاقُ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بِالْفِرَاشِ ، وَقَدْ وَافَقَهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ مِنْ نِكَاحِ الْأُمِّ وَالِابْنَةِ مَا يُحَرِّمُ النِّكَاحُ خِلَافَ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ قَالَ الْمُزَنِيُّ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سُئِلَ الْمُزَنِيُّ عَنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ حِينَ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، فَقَالَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ قَائِلُونَ - وَهُمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ أَخِيهَا ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ أَخُوهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَقَهُ بِفِرَاشِ زَمْعَةَ ، وَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ - وَهُمُ الْكُوفِيُّونَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلزِّنَى حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ، فَمَنَعَهَا مِنْ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ مَنْ زَنَى فِي الْبَاطِنِ إِذْ كَانَ شَبِيهًا بِعُتْبَةَ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ فَجَعَلُوهُ كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ وَلَا يَرَاهَا لِحُكْمِ الزِّنَى ، وَجَعَلُوهُ أَخَاهَا بِالْفِرَاشِ . وَزَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ الْحَلَالُ فَالْحَرَامُ لَهُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا ، قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَأَمَّا أَنَا فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْلَمَهُمْ بِالْحُكْمِ أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِذَا ادَّعَى صَاحِبُ فَرَاشٍ وَصَاحِبُ زِنَى ، لَا أَنَّهُ قَبِلَ عَلَى عُتْبَةَ قَوْلَ أَخِيهِ سَعْدٍ وَعَلَى زَمْعَةَ قَوْلَ ابْنِهِ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا الْوَلَدَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ خَرَجَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيُعَرِّفَهُمْ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي مِثْلِهَا إِذَا نَزَلَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِسَوْدَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَالْمَلَائِكَةِ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ ، وَلَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلَكِنَّهُمْ كَلَّمُوهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيَعْرِفَ بِهَا مَا أَرَادُوا تَعْرِفَهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُؤْنِسُنِي عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَوْ كَانَ فَإِنَّهُ عِنْدِي صَحِيحٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّ رُؤْيَةَ ابْنِ زَمْعَةَ سَوْدَةَ مُبَاحٌ فِي الْحُكْمِ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِشُبْهَةٍ ، وَأَمَرَ بِالتَّنَزُّهِ اخْتِيَارًا . قَالَ الْمُزَنِيُّ : لَمَّا لَمْ يصِحَّ دَعْوَى سَعْدٍ لِأَخِيهِ وَلَا دَعْوَى عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَلَا أَقَرَّتْ سَوْدَةُ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيهَا فَيَكُونُ أَخَاهَا مَنَعَهُ مِنْ رُؤْيَتِهَا وَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُوهَا مَا أَمَرَهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْمُرَ زَوْجَهُ أَنْ لَا تَحْتَجِبَ مِنْ عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وَيَأْمُرَ زَوْجَةً لَهُ أُخْرَى تَحْتَجِبُ مِنْ أَخِيهَا لِأَبِيهَا . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ مَا عَلِمَ أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَسَكَتَتْ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ أَخٌ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ وَزَادَهُ بُعْدًا فِي الْقُلُوبِ شَبَهُهُ بِعُتْبَةَ أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، وَكَانَ جَوَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السُّؤَالِ لَا عَلَى تَحْقِيقِ زِنى عُتْبَةَ بِقَوْلِ أَخِيهِ وَلَا بِالْوَلَدِ أَنَّهُ لِزَمْعَةَ بِقَوْلِ ابْنِهِ ، بَلْ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ عَلَى قَوْلِكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، لَا عَلَى مَا قَالَ سَعْدٌ ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِالَّذِي يَكُونُ إِذَا ثَبَتَ مِثْلُ هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَصْنَعِ الْمُزَنِيُّ شَيْئًا ; لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ أَنَّ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حُكْمٌ صَحِيحٌ نَافِذٌ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا وَفِي كُلِّ مَا يَكُونُ مِثْلَهَا ، وَلَيْسَ قِصَّةُ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمَلَكَيْنِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا أَرَادَا تَعْرِيفَهُ لَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَمْرًا قَدْ نَفَذَ ، فَعَرَفَاهُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ اسْتَأْنَفَهُ وَقَضَى بِهِ لِيُمَتثَّلَ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ أَيْ هُوَ لَكَ عَبْدٌ مِلْكًا ; لِأَنَّهُ ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِيكَ ، وَكُلُّ أَمَةٍ تَلِدُ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَوَلَدُهَا عَبْدٌ ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقُلْ فِي الْحَدِيثِ اعْتِرَافَ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا وَلَا شَهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَتِ الْأُصُولُ تَدْفَعُ قَبُولَ قَوْلِ ابْنِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ تَبَعٌ لِأُمِّهِ ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهُ إِلَّا شِقْصًا . وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الطَّبَرَيِّ تَحَكُّمٌ خِلَافَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَمَنْ قَالَ لَهُ إِنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ؟ وَهُوَ يَرَى فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنِ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ . فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ لَكَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالْفِرَاشِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى فِي الْإِسْلَامِ لَا يَلْحَقُ بِإِجْمَاعِ مَا يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَإِجْمَاعٌ وَنَصٌّ ، وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ كَالنَّصِّ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : لَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ دَعْوَى سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلا دَّعْوَى بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا ادَّعَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لُحُوقِ وَلَدِ الزِّنى بِمَنِ ادَّعَاهُ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَقْضِي بِذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَادَّعَى سَعْدٌ وَصِيَّةَ أَخِيهِ بِمَا كَانَ يَحْكُمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ فَكَانَتْ دَعْوَاهُ لِأَخِيهِ كَدَعْوَى أَخِيهِ لِنَفْسِهِ ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَابَلَهُ بِدَعْوَى تُوجِبُ عِتْقًا لِلْمُدَّعِي ; لِأَنَّ مُدَّعِيَهُ كَانَ يَمْلِكُ بَعْضَهُ حِينَ ادَّعَى فِيهِ مَا ادَّعَى وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَمْلِكُ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَبْطَلَ دَعْوَى سَعْدٍ . وَلَمَّا كَانَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ شَرِيكٌ فِيمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ أُخْتُهُ سَوْدَةُ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لَهُ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أُخْتِهِ إِذْ لَمْ تُصَدِّقْهُ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخَاهَا وَأَمَرَهَا بِالْحِجَابِ مِنْهُ ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فَمَعْنَاهُ هُوَ لَكَ يَدُكَ عَلَيْهِ لَا أَنَّكَ تَمْلِكُهُ ، وَلَكِنْ تَمْنَعُ بِيَدِكَ عَلَيْهِ كُلَّ مَنْ سِوَاكَ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ فِي اللُّقَطَةِ : هِيَ لَكَ فَيَدُكَ عَلَيْهَا تَدْفَعُ غَيْرَكَ عَنْهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا ، لَيْسَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ . قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنًا لِزَمْعَةَ ثُمَّ يَأْمُرُ أُخْتَهُ تَحْتَجِبُ مِنْهُ ، هَذَا مُحَالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي نِكَاحِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ مِنْ زِنًى أَوْ أُخْتَهُ بِنْتَ أَبِيهِ مِنْ زِنًى ؛ فَحَرَّمَ ذَلِكَ قَوْمٌ ، مِنْهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى كَرَاهَةٍ ، قَالَ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ، وَهُوَ لَا يَفْسَخُهُ إِذَا نَزَلَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَحُجَّتُهُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . فَنَفَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لِغَيْرِ فِرَاشٍ ، وَأَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ لِلزَّانِي شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ فَتُرْضِعُ بِلَبَنِهِ صَبِيَّةً ، هَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ فَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : أَعْطَانِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ صَحِيفَةً فِيهَا مَسَائِلَ أَسْأَلُ عَنْهَا عِكْرِمَةَ ، فَكَأَنِّي تَبَطَّأْتُ ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِي وَقَالَ : هَذَا عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ ! قَالَ : وَكَانَ فِيهَا : رَجُلٌ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ فَرَآهَا تُرْضِعُ جَارِيَةً ، أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ قَالَ : لَا . وَقَالَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ نِكَاحَهَا طَائِفَتَانِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ ، إِحْدَاهُمَا تَقُولُ : إِنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَالْأُخْرَى تَقُولُ : إِنَّ الزِّنَى لَا يُؤَثِّرُ تَحْرِيمًا وَلَا حُكْمَ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْوَطْءِ الْحَلَالِ فِي الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ . وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ ظَنَّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ كَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ أَمْ لَا ، وَذَلِكَ جَهْلٌ وَغَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ مُفْرِطَةٌ ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ عُمَرُ يَقْضِي بِهِ أَنْ يُلِيطَ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي ، وَنَحْنُ نَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا بِالنُّصُوصِ عَنْ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا أَنْ يَظُنَّ بِهِ أَحَدٌ أَنَّهُ خَالَفَ بِحُكْمِهِ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ - إِلَّا جَاهِلٌ ، لَا سِيَّمَا مَعَ اسْتِفَاضَةِ هَذَا الْخَبَرِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا ، فَذَهَبْتُ مَعَ الشَّيْخِ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ فِي الْحِجْرِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ . قَالَ : وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا نَكَحَتْ بِغَيْرِ عِدَّةٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا النُّطْفَةُ فَمِنْ فُلَانٍ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَعَلَى فِرَاشِ فُلَانٍ . فَقَالَ عُمْرُ : صَدَقْتَ ، وَلَكِنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ . فَلَمَّا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ مَعَ الْفِرَاشِ كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَلْتَفِتَ مَعَهُ إِلَى الدَّعْوَى . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الرَّدَّادِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ النَّحْوِيَّ يَقُولُ : هُوَ زَمْعَةُ بِالْفَتْحِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : نَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ مِنْ أَجْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : أَوَّلُ قَضَاءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدُّ دَعْوَةِ زِيَادٍ . يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ إِيجَابُ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي ; لِأَنَّ الْعَاهِرَ الزَّانِي وَالْعَهَرُ الزِّنَى ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَأَهْلُ الْفِقْهِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ الْعَاهِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَقْصُودَ إِلَيْهِ بِالْحَجَرِ هُوَ الْمُحْصَنُ دُونَ الْبِكْرِ ، وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْبِكْرَ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الرَّجْمِ وَالْإِحْصَانِ وَمَا فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَنَازِعِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ أَيْ أَنَّ الزَّانِيَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، ادَّعَاهُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ ، وَأَنَّهُ لِصَاحِبِ الْفراش دُونَهُ ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ أَبَدًا إِلَّا بِلِعَانٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ اللِّعَانُ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَيْضًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدٌ مِنْ زِنًى ادَّعَاهُ أَوْ نَفَاهُ . قَالُوا : فَقَوْلُهُ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ كَقَوْلِهِمْ : بِفِيكَ الْحَجَرُ ؛ أَيْ لَا شَيْءَ لَكَ . قَالُوا : وَلَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ الرَّجْمَ ، إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلَيْنِ جَمِيعًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَطَأُ أَمَتَهُ وَقَدْ زَوَّجَهَا عَبْدَهُ فَتَحْمِلُ مِنْهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُعَاقَبُ ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ . وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا السَّيِّدُ فَالْوَلَدُ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْوَلَدَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَيَقُولُ : قَدْ نَكَحْتُهَا وَهِيَ امْرَأَةٌ أَوْ كَانَتِ امْرَأَتِي وَهَذَا وَلَدِي مِنْهَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ هَذَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا عند مَمَاتِهِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْوَلَدَ الْمَنْبُوذَ بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ ، فَيَقُولُ : هَذَا ابْنِي ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَلْحَقُ بِهِ . وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْفِرَاشَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ التَّاسِعُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ · ص 178 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ · ص 163 1449 21 - بَابُ الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ 1416 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي . فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ ، وَقَالَ : ابْنُ أَخِي ، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي ، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي . وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَتْ : فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . 32251 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مَالِكٍ ، وَلَا عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَرْوِيهِ مُخْتَصَرًا ، لَا يَذْكُرُ فِيهِ إِلَّا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . 32252 - وَعِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، دُونَ قِصَّةِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَسَعْدٍ . 32253 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 32254 - وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 32255 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي التَّمْهِيدِ . 32256 - وَهُوَ أَثْبَتُ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ وَأَصَحُّهَا ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَهُوَ مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا فِي شَيْءٍ مِنْ مَعْنَاهُ ، نَذْكُرُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 32257 - وَأَمَّا قِصَّةُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَدْ أَشْكَلَ مَعْنَاهَا عَلَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَتَأَوَّلُوا فِيهَا تَأْوِيلَاتٍ ، فَخَرَجَ جَوَابُهَا عَنِ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 32258 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِي عَنْ أَحَدٍ دَعْوَى إِلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنَ الْمُدَّعِي ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوْكِيلَ عُتْبَةَ لِأَخِيهِ سَعْدٍ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دَعْوَى سَعْدٍ لِذَلِكَ ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 32259 - وَأَمَّا دَعْوَى عُتْبَةَ لِلْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا ، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ سَعْدٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عِلْمِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَحُكْمِهِمْ دَعْوَى الْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا ، فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى جَاهِلِيَّتِهِمْ حَتَّى يُؤْمَرُوا ، أَوْ يُنْهُوا ، وَيَبِينَ لهمْ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ ، وَفِيمَا يُرَادُ مِنْهُ التَّعَبُّدُ بِهِ ، فَكَانَتْ دَعْوَى سَعْدٍ سَبَبَ الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّ الْعَاهِرَ لَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَلَدٌ يَدَّعِيهِ مِنَ الزِّنَا ، وَأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 32260 - وَالْفِرَاشُ النِّكَاحُ ، أَوْ مِلْكُ الْيَمِينِ لَا غَيْرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِرَاشٌ وَادَّعَى أَحَدٌ وَلَدًا مِنْ زِنًا ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمن اسْتَلَاطَهُمْ ، وَيُلْحِقُهُمْ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا كَذَلِكَ . 32261 - وَأَمَّا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ أَحْكَمَ اللَّهُ شَرِيعَتَهُ ، وَأَكْمَلَ دِينَهُ ، فَلَا يُلْحَقُ وَلَدٌ مِنْ زِنًا بِمُدَّعِيهِ أَبَدًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، كَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ . 32262 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا ابْنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ قَالُوا : وَمَا الْأَثْلَبُ ؟ قَالَ : الْحَجَرُ . 32263 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ - لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيمَا عَلِمْتُهُ - أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ وَلَدٌ يَسْتَلْحِقُهُ إِلَّا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، فَإِذَا كَانَ نِكَاحٌ ، أَوْ مِلْكٌ فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 32264 - وَالْفِرَاشُ فِي الْحُرَّةِ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ . 32265 - وَالْفِرَاشُ فِي الْأَمَةِ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ إِقْرَارُ سَيِّدِهَا بِأَنَّهُ كَانَ يُلِمُّ بِهَا ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ إِقْرَارُهُ بِالْوَلَدِ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَا يُنْتَفى وَلَدُ الْحُرَّةِ إِذا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ إِلَّا بِلِعَانٍ ، وَحُكْمُ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32266 - وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كُلُّهَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّا نَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِلَّا فِيمَا وَصَفْتُ . 32267 - وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا - ادِّعَاءُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ عَلَى أَبِيهِ وَلَدًا بِقَوْلِهِ : أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ ، تَشْهَدُ عَلَى أَبِيهِ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ ، وَفِي الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَى أَبِيهِ ، وَلَا دَعْوَى أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا 32268 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى مَا نُورِدُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى . 32269 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ : هُوَ لَكَ ، أَيْ هُوَ أَخُوكَ ، كَمَا ادَّعَيْتَ ، قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ زَمْعَةَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ صِهْرَهُ ، وَسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَةَ كَانَ يَمَسُّهَا زَمْعَةُ سَيِّدُهَا ، فَصَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِذَلِكَ ، فَأَلْحَقَ وَلَدَهَا بِهِ ؛ لِمَا قَدْ عَلِمَهُ مِنْ فِرَاشِ زَمْعَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَضَى بِهِ ؛ لِاسْتِلْحَاقِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ لَهُ . 32270 - وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ . 32271 - وَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْأَخَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 32272 - وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يَسْتَلْحِقُ أَحَدٌ غَيْرَ الْأَبِ ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ . 32273 - وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ . 32274 - وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَا يَسْتَلْحِقُ الْأَخُ بِحَالٍ . 32275 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ ، وَالْبُوَيْطِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ : أَنَّ الْأَخَ لَا يَسْتَلْحِقُ ، وَحْدَهُ كَانَ أَوْ مَعَ أَخٍ يُخَالِفُهُ . 32276 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهُ يَقْبَلُ إِقْرَارَ الْوَارِثِ عَلَى الْمَوْرُوثِ بِالنَّسَبِ ، كَمَا يَقْبَلُ إِقْرَارَهُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمُقِرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . 32277 - وَرَوَى الرَّبِيعُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ ، قَالَ : لا يَجُوزُ إِقْرَارُ الْأَخِ بِأَخِيهِ إِذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَدْفَعُهُ مِنَ الْوَرَثَةِ ، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَدْفَعُهُ لَحِقَ نَسَبَهُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ . 32278 - قَالَ الرَّبِيعُ : قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي ، كَانَ مَنْ يَدْفَعُهُ ثَمَّ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهَذَا يُقِرُّ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَلْحَقَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بِأَبِيهِ ؛ لِمَعْرِفَتِهِ بِفِرَاشِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32279 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَخَ لَا يَسْتَلْحِقُ وَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ نَسَبٌ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرُّ بِأَخٍ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا مِنَ الْمِيرَاثِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلُهُ . 32280 - وَسَنَذْكُرُ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 32281 - وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : لَوْ قَبِلَ اسْتِلْحَاقَ غَيْرِ الْأَبِ كَانَ فِيهِ حُقُوقٌ عَلَى الْأَبِ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ ، وَلَا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ . 32282 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ : أَيْ هُوَ عَبْدٌ مِلْكًا ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِيكَ ، وَكُلُّ أَمَةٍ تَلِدُ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ، فَوَلَدُهَا عَبْدٌ ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقُلُ فِي الْحَدِيثِ اعْتِرَافَ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا ، وَلَا شُهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَكَانَتِ الْأُصُولُ تَدْفَعُ قَبُولَ ابْنِهِ عَلَيْهِ ؛ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ تَبِعَ لِأُمِّهِ ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهُ إِلَّا شِقْصًا . 32283 - وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الطَّبَرِيِّ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَخِي وَابْنَ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ خَارِجٌ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْأُصُولِ . 32284 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فَمَعْنَاهُ هُوَ لَكَ بِيَدِكَ عَلَيْهِ ، لَا أَنَّكَ تَمْلِكُهُ ، وَلَكِنْ تَمْنَعُ بِيَدِكَ عَلَيْهِ كُلَّ مَنْ سِوَاكَ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ فِي اللُّقَطَةِ : هِيَ لَكَ بِيَدِكَ عَلَيْهَا ، تَدْفَعُ غَيْرَكَ عَنْهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا ، لَيْسَ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنًا لِزَمْعَةَ ، ثُمَّ يَأْمُرَ أُخْتَهُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، هَذَا مِحَالٌ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 32285 - قَالَ : وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ ادِّعَاءَ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَا دَعْوَى بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا ادَّعَى شَيْئًا كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لُحُوقِ وَلَدِ الزِّنَا بِمَنِ ادَّعَاهُ . 32286 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَقْضِي بِذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ - إِذَا لَمْ يَكُنْ فِرَاشٌ - فَادَّعَى سَعْدٌ وَصِيَّةَ أَخِيهِ بِمَا كَانَ يَحْكُمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ لِأَخِيهِ كَدَعْوَى أَخِيهِ لِنَفْسِهِ ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَابَلَهُ بِدَعْوَى تُوجِبُ عِتْقًا لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَهُ كَانَ يَمْلِكُ بَعْضَهُ حِينَ ادَّعَى فِيهِ مَا ادَّعَى ، وَيُعْتِقُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَمْلِكُ مِنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَبْطَلَ دَعْوَى سَعْدٍ ، وَلَمَّا كَانَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ شَرِيكٌ فِيمَا ادَّعَاهُ ، وَهِيَ أُخْتُهُ سَوْدَةُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ التَّصْدِيقَ لِمَقَالَتِهِ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أُخْتِهِ إِذْ لَمْ تُصَدِّقْهُ ، وَلَمْ تَجْعَلْهُ أَخَاهَا ، وَأَمَرَهَا بِالْحِجَابِ مِنْهُ . 32287 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ حَسَنٌ كُلُّهُ إِلَّا قَوْلَهُ ؛ فَكَانَتْ دَعْوَى سَعْدٍ لِأَخِيهِ كَدَعْوَى أَخِيهِ لِنَفْسِهِ ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِي ذَلِكَ مَا يُصَدِّقُ دَعْوَاهُ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . 32288 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَابَ فِيهِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، فَأَعْلَمَهُمْ بِالْحُكْمِ أَنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ إِذَا ادَّعَى صَاحِبُ فَرَاشٍ ، وَصَاحِبُ زِنًا إِلَّا أَنَّهُ قَبِلَ عَلَى عُتْبَةَ قَوْلَ أَخِيهِ سَعْدٍ ، وَلَا عَلَى قَوْلِ زَمْعَةَ قَوْلَ ابْنِهِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، أنَّ أَبَاهُ أَوْلَدَهَا الْوَلَدَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ . 32289 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ خَرَجَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيُعَرِّفَهُمْ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي مِثْلِهَا إِذَا نَزَلَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِسَوْدَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ . 32290 - وَقَدْ حَكَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ : إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ ، وَلَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلَكِنَّهُمْ كَلَّمُوهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ؛ لِيَعْرِفَ بِهَا مَا أَرَادُوا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُؤْنِسُنِي عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَكَانَ عِنْدِي ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32291 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : لَمْ تَصِحَّ دَعْوَى سَعْدٍ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَا دَعْوَةُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ عَلَى أَبِيهِ ، وَلَا أَقَرَّتْ سَوْدَةُ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيهَا ، فَيَكُونُ أَخَاهَا مَنَعَهُ مِنْ رُؤْيَتِهَا ، وَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُوهَا مَا أَمَرَهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ : إِنَّهُ عَمُّكَ ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . 32292 - وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْمُرَ زَوْجَتَهُ أَنْ لَا تَحْتَجِبَ مِنْ عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَيَأْمُرَ زَوْجَةً لَهُ أُخْرَى أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْ أَخِيهَا لِأَبِيهَا . 32293 - قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ مَا عَلِمَهُ أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَسَكَتَتْ . 32294 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ أَخٌ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ ، أَوِ الْإِقْرَارِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ زَادَهُ بُعْدًا فِي الْقُلُوبِ شَبَهُهُ بِعُتْبَةَ ، أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ ، فَكَانَ جَوَابُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السُّؤَالِ ، لَا عَنْ تَحْقِيقِ زِنَا عُتْبَةَ بِقَوْلِ أَخِيهِ ، وَلَا بِالْوَلَدِ ، إِنَّهُ لِزَمْعَةَ بِقَوْلِ أَبِيهِ ، بَلْ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ عَلَى قَوْلِكَ : يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ ، لَا عَلَى مَا قَالَ سَعْدٌ ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا بِالَّذِي يَكُونُ إِذَا ثَبَتَ مِثْلُ هَذَا . 32295 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْمُزَنِيِّ هَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ ، وَأَثْبَتُ فِي حُكْمِ الْأُصُولِ مِنْ قَوْلِ سَائِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقَائِلِينَ إِنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا . 32296 - وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ أَخُوهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَأَلْحَقَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ بِفِرَاشِ زَمْعَةَ ، قَالُوا : وَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ . 32297 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : احْتَجِبِي مِنْهُ حُكْمٌ آخَرُ يَجُوزُ بِهِ أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا . 32298 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : فِي قَوْلِهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لِلزِّنَا حُكْمًا ، فَحَرَّمَ بِهِ رُؤْيَةَ ذَلِكَ الْمُسْتَلْحَقِ لِأُخْتِهِ سَوْدَةَ ، وَقَالَ لَهَا : احْتَجِبِي مِنْهُ ؛ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، فَمَنَعَهَا مِنْ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنا فِي الْبَاطِنِ إِذْ كَانَ شَبِيهًا بِعُتْبَةَ ، فَجَعَلُوهُ كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ لَا يَرَاهَا بِحُكْمِ الزِّنَا ، وَجَعَلُوهُ أَخَاهَا بِالْفِرَاشِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَا حَرَّمَهُ الْحَلَالُ فَالزِّنَا أَشَدُّ تَحْرِيمًا لَهُ . 32299 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : جَعْلَهُ أَخَاهَا فِي الْحُكْمِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخَاهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ قَوْلٌ فَاسِدٌ ، لَا يُعْقَلُ ، وَتَخْلِيطٌ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يُعْقَلُ ، وَلَا يُفْهَمُ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُبْتَغَى هُوَ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ ، وَخِلَافُهُ بَاطِلٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَيْءٍ وَضِدِّهِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ ، فَيَجْعَلُهُ أَخَاهَا مِنْ وَجْهٍ ، وَغَيْرَ أَخِيهَا مِنْ وَجْهٍ . 32300 - هَذَا لَا يُعْقَلُ ، وَلَا تَحِلُّ إِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَيْفَ يُحْكَمُ لِشَبَهِهِ عُتْبَةَ بِحُكْمٍ بَاطِلٍ ، وَسُنَّتُهُ فِي الْمُلَاعَنَةِ أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ . 32301 - وَقَدْ حَكَى الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رُؤْيَةَ ابْنِ زَمْعَةَ لِسَوْدَةَ مُبَاحٌ فِي الْحُكْمِ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِلشُّبْهَةِ ، وَأَمَرَهَا بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ اخْتِيَارًا . 32302 - وَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ سَوْدَةَ لَمْ تَعْرِفْهُ ، وَلَمْ تَقُلْ إِنَّهُ أَخُوهَا ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا إِقْرَارُ أَخِيهَا . 32303 - وَقَدْ مَضَى فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَبَيَانٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 32304 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ زَنَا بِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، أَوْ بِأَمَةِ قَوْمٍ ، فَالْوَلَدُ وَلَدُ زنَا ، لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . 32305 - قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : قَالَ : أَوَّلُ حُكْمٍ بُدِّلَ فِي الْإِسْلَامِ اسْتِلْحَاقُ مُعَاوِيَةَ زِيَادًا . 32306 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : أَوَّلُ قَضَاءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدُّ دَعْوَةِ زِيَادٍ . 32307 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُهُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيجَابُ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي إِذَا كَانَ مُحْصَنًا دُونَ الْبِكْرِ . 32308 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْبِكْرَ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . 32309 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، أَيْ أَنَّ الزَّانِيَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ إِذَا ادَّعَاهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، كَقَوْلِهِمْ : بِفِيكَ الْحَجَرُ : أَيْ لَا شَيْءَ لَكَ مِمَّا قُلْتَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأباب الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ · ص 47 21 - بَاب الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ 1413 - قَالَ يَحْيَى : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ ، وَقَالَ ابْنُ أَخِي : قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَتْ : فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . 21 - بَابُ الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ 1449 1413 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ) مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ ، مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الدُّمْيَاطِيُّ ، وَالسَّفَاقِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ إِلَّا ابْنَ مَنْدَهْ ، وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ أَبِي نُعَيْمٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : هُوَ الَّذِي كَسَرَ رُبَاعِيَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ مَا عَلِمْتُ لَهُ إِسْلَامًا . بَلْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمِقْسَمِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا ، فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجَاهِيلُ عَنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ : أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا فَعَلَ عُتْبَةُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا ؟ قَالَ عُتْبَةُ . قُلْتُ : أَيْنَ تَوَجَّهَ ؟ فَأَشَارَ إِلَى حَيْثُ تَوَجَّهَ ، فَمَضَيْتُ حَتَّى ظَفِرْتُ بِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَطَرَحْتُ رَأْسَهُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ وَسَيْفَهُ وَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ وَدَعَا لِي فَقَالَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ ، مَرَّتَيْنِ . وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كَيْفَ كَانَ يُوصِي أَخَاهُ سَعْدًا ؟ وَقَدْ يُقَالُ : لَعَلَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْحَرْبِ احْتِيَاطًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ ، بَلْ فِيهَا مَا يُصَرِّحُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا مَعْنًى لِإِيرَادِهِ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ مَنْدَهْ بِمَا لَا دِلَالَةَ فِيهِ عَلَى إِسْلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ( عَهِدَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، أَيْ أَوْصَى ( إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) أَحَدِ الْعَشَرَةِ وَأَوَّلِ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحَدِ مَنْ فَدَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ . رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ : مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطُّ حِرْصِي عَلَى قَتْلِ أَخِي عُتْبَةَ ؛ لِمَا صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَقَدْ كَفَانِي مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِهِ . ( أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، أَيْ جَارِيَةَ ( زَمْعَةَ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ ، وَصَوَّبَهُ الْوَقَشِيُّ . وَزَمْعَةُ بْنُ قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ وَالِدُ سَوْدَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ تُسَمَّ الْوَلِيدَةُ ، نَعَمْ ذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَابْنُ أَخِيهِ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي نَسَبِ قُرَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً يَمَانِيَّةً وَأَمَّا ابْنُهَا فَصَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَخْتَلِفِ النَّسَّابُونَ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَخَلَطَ ابْنُ مَنْدَهْ وَتَبِعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي نَسَبِهِ فَجَعَلَاهُ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَوَهِمَ ابْنُ قَانِعٍ فَجَعَلَهُ الْمُخَاصِمَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَكَأَنَّهُ انْقَلَبَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ الْمُخَاصَمُ فِيهِ لَا الْمُخَاصِمُ فَإِنَّهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ بِلَا نِزَاعٍ ( مِنِّي ) أَيِ ابْنِي ( فَاقْبِضْهُ ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( إِلَيْكَ ) وَأَصْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِمَاءٌ يَزْنِينَ وَكَانَتْ سَادَاتُهُنَّ تَأْتِيهِنَّ فِي خِلَالِ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَتَتْ إِحْدَاهُنَّ بِوَلَدٍ فَرُبَّمَا يَدَّعِيهِ السَّيِّدُ وَرُبَّمَا يَدَّعِيهِ الزَّانِي ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَكُنِ ادَّعَاهُ وَلَا أَنْكَرَهُ فَادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ لَحِقَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ مُسْتَلْحِقَهُ فِي مِيرَاثِهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ، وَكَانَ لِزَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ أَمَةٌ عَلَى مَا وُصِفَ وَعَلَيْهَا ضَرِيبَةٌ وَهُوَ يُلِمُّ بِهَا فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ عُتْبَةَ أَخِي سَعْدٍ ، فَعَهِدَ عُتْبَةُ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ قَبْلَ مَوْتِهِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْحَمْلَ الَّذِي بِأَمَةِ زَمْعَةَ . ( قَالَتْ ) عَائِشَةُ ( فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ ) لِمَكَّةَ ، بِرَفْعِ عَامٍ ، اسْمُ كَانَ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِنَصْبِهِ بِتَقْدِيرِ فِي ( أَخَذَهُ سَعْدٌ وَقَالَ ) هُوَ ( ابْنُ أَخِي ) عُتْبَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ رَأَى سَعْدٌ الْغُلَامَ فَعَرَفَهُ بِالشَّبَهِ فَاحْتَضَنَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : ابْنُ أَخِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ( قَدْ كَانَ عَهِدَ ) أَوْصَى ( إِلَيَّ فِيهِ ) فَاحْتَجَّ بِاسْتِلْحَاقِ عُتْبَةَ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ( فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ ) بِلَا إِضَافَةٍ ( ابْنُ زَمْعَةَ ) بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، رَوَى ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ : تَزَوَّجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ، فَجَاءَ أَخُوهَا عَبْدُ ابْنُ زَمْعَةَ مِنَ الْحِجْرِ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ : إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِي أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْدَةَ أُخْتِي . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( فَقَالَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ) أَيْ جَارِيَتِهِ ( وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ) مِنْ أَمَتِهِ الْمَذْكُورَةِ ، كَأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ حُكْمَ الْفِرَاشِ فَاحْتَجَّ بِهِ ، وَقَدْ كَانَتْ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلْحَاقَ النَّسَبِ بِالزِّنَى وَكَانُوا يَسْتَأْجِرُونَ الْإِمَاءَ لِلزِّنَى ، فَمَنِ اعْتَرَفَتِ الْأُمُّ أَنَّهُ لَهُ لُحِقَ ، وَلَمْ يَقَعْ إِلْحَاقُ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ إِمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْأَمَةَ لَمْ تَعْتَرِفْ لِعُتْبَةَ ، وَقِيلَ : كَانَتْ مَوَالِي الْوَلَائِدِ يُخْرِجُوهُنَّ لِلزِّنَى وَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِنَّ الضَّرَائِبَ ، وَكَانَتْ وَلِيدَةُ زَمْعَةَ كَذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً مُسْتَفْرَشَةً لِزِمْعَةَ فَزَنَى بِهَا عُتْبَةُ ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَهُ وَإِنْ نَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ وَإِنِ ادَّعَاهُ غَيْرُهُ رُدَّ ذَلِكَ إِلَى السَّيِّدِ أَوِ الْقَافَةِ ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ظُنَّ أَنَّهُ مِنْ عُتْبَةَ فَاخْتَصَمَ فِيهَا ( فَتَسَاوَقَا ) أَيْ تَدَافَعَا بَعْدَ تَخَاصُمِهِمَا وَتَنَازُعِهِمَا فِي الْوَلَدِ ، أَيْ سَاقَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) هَذَا ( ابْنُ أَخِي ) عُتْبَةَ ( قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ( فِيهِ ) وَلِلْقَعْنَبِيِّ : عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ . زَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ : انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ ( وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هُوَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ) وَلِلْقَعْنَبِيِّ : فَنَظَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ : هُوَ أَخُوكَ ( يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا وَنَصْبِ نُونِ ابْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَسَقَطَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَدَاةُ النِّدَاءِ فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ : إِنَّمَا مَلَّكَهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهُ ابْنُ أَمَةِ أَبِيهِ لَا أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ فَالرِّوَايَةُ إِنَّمَا هِيَ بِالْيَاءِ ، وَعَلَى تَسْلِيمِ إِسْقَاطِهَا فَعَبْدٌ هَنَا عَلَمٌ وَالْعَلَمُ يُحْذَفُ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ ، وَمِنْهُ : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ( سورة يُوسُفَ : الْآيَةُ 29 ) اهـ . وَرِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ صَرِيحَةٌ فِي رَدِّ هَذَا الزَّعْمِ ، وَلِذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ لَكَ ، أَيْ هُوَ أَخُوكَ كَمَا ادَّعَيْتَ . قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ لِأَنَّ زَمْعَةَ كَانَ صِهْرَهُ فَفِرَاشُهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى عَبْدٍ عَلَى أَبِيهِ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ إِقْرَارُهُ بِهِ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا لِاسْتِلْحَاقِ عَبْدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ لَا يَصْلُحُ اسْتِلْحَاقُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَفِي الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ خِلَافٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَلَى أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَعْنَى هُوَ لَكَ ، أَيْ بِيَدِكَ تَمْنَعُ مِنْهُ مِنْ سِوَاكَ كَمَا قَالَ فِي اللُّقَطَةِ : هِيَ لَكَ ، أَيْ بِيَدِكَ تَدْفَعُ غَيْرَكَ عَنْهَا حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا لَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَهُ ابْنًا لِزَمْعَةَ ثُمَّ يَأْمُرَ أُخْتَهُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، وَلَمَّا كَانَ لِعَبْدٍ شَرِيكٌ فِيمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ أُخْتُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْهَا تَصْدِيقَهُ أَلْزَمَ عَبْدًا مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ أُخْتِهِ ؛ إِذْ لَمْ تُصَدِّقْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخًا لَهَا وَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ . اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ ، وَنَصُّ زِيَادَةِ الْقَعْنَبِيِّ : هُوَ أَخُوكَ ، وَقِيَاسُهَا عَلَى اللُّقَطَةِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ هَذَا ، وَقَوْلُهُ : وَلَا يَجُوزُ . . . إِلَخْ ، مَمْنُوعٌ وَسَنَدُهُ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : لَمْ يُصَدِّقْهُ ، فَإِنَّهُ أَقَرَّ قَوْلَهُ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وَقَالَ : هُوَ لَكَ هُوَ أَخُوكَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَيْ هُوَ لَكَ عَبْدٌ ابْنُ أَمَةِ أَبِيكَ ، فَكُلُّ أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَوَلَدُهَا عَبْدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ اعْتِرَافُ سَيِّدِهَا بِأَنَّهُ كَانَ يُلِمُّ بِهَا وَلَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَالْأُصُولُ تَدْفَعُ قَوْلَ ابْنِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ ، لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ قَوْلَهُ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي . اهـ . وَأَيْضًا فَيَرُدُّهُ زِيَادَةُ الْقَعْنَبِيِّ فَإِنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ فَتُقْبَلُ ، وَقَدْ خَرَّجَهَا الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَا يَصِحُّ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْأُخُوَّةِ إِرَادَةُ مَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَقَوْلُهُ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى عَبْدٍ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ وَأُخُوَّتِهِ فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا تَدَّعِيهِ فِيمَا يَخُصُّكَ ، وَعَبْدٌ انْفَرَدَ بِمِيرَاثِ زَمْعَةَ لِأَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ وَسَوْدَةُ أُخْتُهُ مَسْلِمَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لِعَبْدٍ بَيْعُهُ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ بُنُوَّتُهُ لِزَمْعَةَ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : يُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى صَاحِبُ فِرَاشٍ وَصَاحِبُ زِنًى ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبِلَ عَلَى عُتْبَةَ قَوْلَ أَخِيهِ سَعْدٍ وَلَا عَلَى زَمْعَةَ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا هَذَا الْوَلَدَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَالْمَلَائِكَةِ : إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ ( سورة ص : الْآيَةُ 22 ) الْآيَةَ ، وَلَمْ يَكُونُوا خَصْمَيْنِ وَلَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلَكِنَّهُمْ كَلَّمُوهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيَعْرِفَ بِهَا مَا أَرَادُوا تَعْرِيفَهُ ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ فِيمَا دَنَا فِيهِ التَّنَازُعُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَابْنُ الْعَرَبِيِّ : بِأَنَّهُ كَيْفَ يُقَالُ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ وَقَدْ مَكَّنَ عَبْدًا مِنْ أُخُوّة الْغُلَامِ ؟ ( ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ) ( الْ ) لِلْعَهْدِ ، أَيِ الْوَلَدُ لِلْحَالَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الِافْتِرَاشُ ، أَيْ تَأَتِّي الْوَطْءِ ، فَالْحُرَّةُ فِرَاشٌ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ وَالْحَمْلِ فَلَا يَنْتَفِي عَنْ زَوْجِهَا سَوَاءٌ أَشْبَهَهُ أَمْ لَا ، وَتَجْرِي بَيْنَهُمَا الْأَحْكَامُ مِنْ إِرْثٍ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا بِلِعَانٍ ، وَالْأَمَةُ إِنْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِنْ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ . وَقَدَّرُوا مُضَافًا ، أَيْ صَاحِبُ الْفِرَاشِ وَهُوَ الزَّوْجُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ : بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلِقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلَا أَيْ صَاحِبُ فِرَاشِهَا يَعْنِي زَوْجَهَا . قَالَ عِيَاضٌ : وَالْفِرَاشُ وَإِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْفِرَاشُ الْمَعْهُودُ كَمَا مَرَّ ، وَقَدْ قِيلَ أَيْ وَجَزَمَ بِهِ الْبَاجِيُّ أَنَّ إِطْلَاقَ الْفِرَاشِ عَلَى الزَّوْجِ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ . الْمَازِرِيُّ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا كَانَتْ لَا تُرَادُ إِلَّا لِلْوَطْءِ جُعِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ ، وَالْأَمَةُ تُشْتَرَى لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَلَا تَكُونُ فِرَاشًا حَتَّى يَثْبُتَ الْوَطْءُ ، قَالَ : وَشَذَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَمَةِ فَقَالَ : لَا تَكُونُ فِرَاشًا إِلَّا بِوَلَدٍ اسْتَلْحَقَهُ فَمَا تَلِدُهُ بَعْدَهُ فَهُوَ لَهُ إِنْ لَمْ يَنْفِهِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْأَمَةَ لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ لَصَارَتْ فِرَاشًا بِالْمِلْكِ ، وَتَعَلَّقَ بِهَا أَحْكَامُ الْحُرَّةِ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ ، وَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا لَمْ تُرَدْ لِلْوَطْءِ جَعَلَ الشَّرْعُ الْعَقْدَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ ، وَتَنَازَعَ الْفَرِيقَانِ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ : هُوَ رَدٌّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِزِمْعَةَ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ : هُوَ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا . وَالْجَوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ زَمْعَةَ عُرِفَ وَطْؤُهُ لَهَا بِاعْتِرَافِهِ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ اضْطَرَّنَا إِلَيْهِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنِ اتِّفَاقِنَا جَمِيعًا عَلَى مَنْعِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُهُ ، وَاخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ فَقُلْنَا : ثُبُوتُ الْوَطْءِ . وَقُلْتُمْ : اسْتِلْحَاقُ وَلَدٍ سَابِقٍ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ سَابِقٌ ، وَثُبُوتُ الْوَطْءِ لَا يُعْلَمُ عَدَمُهُ فَامْتَنَعَ تَأْوِيلُكُمْ وَأَمْكَنَ تَأْوِيلُنَا ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ . اهـ . ثُمَّ اللَّفْظُ عَامٌّ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَالْمُعْتَبَرُ عُمُومُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ نَظَرًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، وَقِيلَ : يُقْصَرُ عَلَى السَّبَبِ لِوُرُودِهِ فِيهِ وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ ، وَصُورَةُ السَّبَبِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا الْعَامُّ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِوُرُودِهِ فِيهَا فَلَا تُخَصُّ مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ . قَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ : وَهَذَا يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إِذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ أَوْ مَقَالِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَشْمَلُهُ بِطَرِيقٍ لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَقَدَ يُنَازِعُ الْخَصْمُ فِي دُخُولِهِ وَضْعًا تَحْتَ اللَّفْظِ الْعَامِّ ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إِخْرَاجَ السَّبَبِ وَبَيَانَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ الْقَائِلِينَ أَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُسْتَفْرَشَةِ لَا يَلْحَقُ سَيِّدَهَا مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِلْحَاقِ الْإِقْرَارُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ . وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي أَمَةٍ فَهُوَ وَارِدٌ لِبَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ الْوَلَدِ ، وَبَيَانُ حُكْمِهِ إِمَّا بِالثُّبُوتِ أَوْ بِالِاتِّفَاقِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفِرَاشَ هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا الَّتِي يُتَّخَذُ لَهَا الْفِرَاشُ غَالِبًا ، وَقَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ كَانَ فِيهِ حَصْرُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْحُرَّةِ ، وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ ، فَكَانَ فِيهِ بَيَانُ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا ، نَفْيِ النَّسَبِ عَنِ السَّبَبِ وَإِثْبَاتِهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَلِيقُ دَعْوَى الْقَطْعِ هُنَا وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ نِزَاعٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْفِرَاشِ هَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ أَوْ لِلْحُرَّةِ فَقَطْ ؟ فَالْحَنَفِيَّةُ يَدَّعُونَ الثَّانِيَ فَلَا عُمُومَ عِنْدَهُمْ لَهُ فِي الْأَمَةِ ، فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ . نَعَمْ تَرْكِيبُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ قَوْلِهِ لِلْفِرَاشِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الْبَحْثِ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا أَصْلٌ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ . اهـ . ( وَلِلْعَاهِرِ ) الزَّانِي ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ عَهِرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ : إِذَا أَتَاهَا لِلْفُجُورِ ، وَعَهِرَتْ هِيَ وَتَعَهَّرَتْ : إِذَا زَنَتْ ، وَالْعُهْرُ : الزِّنَى ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : اللَّهُمَّ أَبْدِلِ الْعُهْرَ بِالْعِفَّةِ . قَالَهُ عِيَاضٌ ( الْحَجَرُ ) أَيْ الْخَيْبَةُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي حِرْمَانِ الشَّخْصِ : لَهُ الْحَجَرُ وَبِفِيهِ التُّرَابُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَيُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَةُ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، أَيْ الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ ، وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ زَانٍ يُرْجَمُ بَلِ الْمُحْصَنُ ، وَأَيْضًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَجْمِهِ نَفْيُ الْوَلَدِ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ فِي نَفْيِهِ عَنْهُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ الرَّجْمَ وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُمُ زَانِيَ الْمُشْرِكِينَ ، لَكِنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَمَّا قَصَدَ عَيْبَ الزِّنَى أَخْبَرَ بِأَشَدِّ أَحْكَامِهِ . لَطِيفَةٌ : كَانَ أَبُو الْعَيْنَا الشَّاعِرُ الْأَعْمَى كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَشَدِيدَ الِانْتِزَاعِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ ، فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَتَى بَعْضُ مَنْ يُرِيدُ دُعَابَتَهُ فَهَنَّأَهُ بِالْوَلَدِ وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَجَرًا وَذَهَبَ ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ أَبُو الْعَيْنَا وَجَدَ الْحَجَرَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ فَقِيلَ : فُلَانٌ ، فَقَالَ : عَرَّضَ بِي وَاللَّهِ ابْنُ الْفَاعِلَةِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَلَهُ سَبَبٌ غَيْرُ قِصَّةِ ابْنِ زَمْعَةَ ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا ابْنِي ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ ، قِيلَ : وَمَا الْأَثْلَبُ ؟ قَالَ : الْحَجَرُ . وَسَقَطَ قَوْلُهُ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . هَذَا الْحَدِيثُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَدْ أَتْقَنَهُ وَجَوَّدَهُ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( ثُمَّ قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ( احْتَجِبِي مِنْهُ ) أَيْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( لِمَا ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ ، أَيْ لِأَجْلِ مَا ( رَأَى ) وَلِلتُّنِيسِيِّ : رَآهُ ( مِنْ شَبَهِهِ ) الْبَيِّنِ ( بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَتْ ) عَائِشَةُ ( فَمَا رَآهَا ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ) أَيْ مَاتَ . قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : قِيلَ هُوَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَغْلِيظِ أَمْرِ الْحِجَابِ عَلَيْهِنَّ وَزِيَادَتِهِنَّ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِنَّ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَهُوَ كَقَوْلِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقَالَتَا : إِنَّهُ أَعْمَى ، فَقَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ ؟ . وَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ تَضَعِينَ ثِيَابَكَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرَاكِ . فَأَبَاحَ لَهَا مَا مَنَعَهُ لِأَزْوَاجِهِ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُوهَا مَا أَمَرَهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ . وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ أَخُوهَا لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَإِقْرَارِ مَنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ ، وَزَادَهُ بُعْدًا فِي الْقُلُوبِ شَبَهُهُ بِعُتْبَةَ ، أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ . قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : وَجَوَابُ الْمُزَنِيِّ هَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ مِنْ قَوْلِ سَائِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَخُوهَا لِأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِفِرَاشِ زَمْعَةَ وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ بِأَمْرِهَا بِالِاحْتِجَابِ حُكْمًا آخَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : جَعَلَ لِلزِّنَى حُكْمَ التَّحْرِيمِ فَمَنَعَهَا مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى فِي الْبَاطِنِ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُمْ نَسَبُوا لَهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَخَاهَا مَنْ وَجْهٍ وَغَيْرَ أَخِيهَا مِنْ وَجْهٍ ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَيْفَ يُحْكَمُ بِشَبَهِ عُتْبَةَ فِي الْبَاطِنِ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُلَاعِنَةِ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى شَبَهِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَهُوَ لَهُ ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَأَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ . وَفِي التَّمْهِيدِ : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِقَطْعِ الذَّرِيعَةِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالظَّاهِرِ فَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمَيْنِ : حُكْمٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَحُكْمٍ بَاطِنٍ وَهُوَ : الِاحْتِجَابُ لِأَجْلِ الشَّبَهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةَ : لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ إِلَّا فِي حُكْمِ اللَّهِ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ لِشَبَهِهِ بِعُتْبَةَ . وَقَالَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَضَارَعَ فِيهِ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ . اهـ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَيْسَ هَذَا مِنْ مَعْنَى الذَّرَائِعِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لَوْ صَحَّ مَا تَأَوَّلَهُ مِنْ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ وَجْهٌ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالْأَمَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ تَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِسَوْدَةَ : لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ ، وَأَعَلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ أَيْ شَبَهًا ، فَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ لِعَبْدٍ : هُوَ أَخُوكَ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : أَوْ مَعْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيرَاثِ مِنْ زَمْعَةَ لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَخَلَّفَ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَالْوَلَدَ الْمَذْكُورَ وَسَوْدَةَ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي إِرْثِهِ ، بَلْ حَازَهُ عَبْدٌ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ ، فَإِذَا اسْتَلْحَقَ الِابْنَ الْمَذْكُورَ شَارَكَهُ فِي الْإِرْثِ دُونَ سَوْدَةَ ، فَلِذَا قَالَ لِعَبْدٍ : هُوَ أَخُوكَ ، وَقَالَ لِسَوْدَةَ : لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ . اهـ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافَقُوهُ بِالْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ اسْتِلْحَاقِ الْأَخِ لِأَخِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ زَمْعَةَ لَمْ يَسْتَلْحِقْ وَلَا اعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ فَلَيْسَ إِلَّا اسْتِلْحَاقُ أَخِيهِ ، وَأَبَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ حُقُوقٍ عَلَى الْأَبِ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ ، وَقَدْ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ ، قَالَ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( سورة فَاطِرٍ : الْآيَةُ 18 ) وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي رَمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ . قَالَ عِيَاضٌ : وَالْجَوَابُ أَنَّهُ بَقِيَ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَطْءُ زَمَعَةَ بِاسْتِفَاضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اعْتِرَافٍ ، وَإِنَّمَا يَصْعُبُ هَذَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ : لَا يَثْبُتُ الْفِرَاشُ إِلَّا بِوَلَدٍ سَابِقٍ وَلَا وَلَدٌ سَابِقٌ هُنَا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ وَارِثٌ غَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ فَحَتَّى يُوَافِقَهُ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ وَعَبْدٌ ثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُ وَهِيَ سَوْدَةُ وَلَمْ تُسْتَلْحَقْ مَعَهُ فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُ بِالْحَدِيثِ . وَأَجَابَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ زَمْعَةَ مَاتَ كَافِرًا وَسَوْدَةُ مَسْلِمَةٌ لَا تَرِثُ مِنْهُ ، فَصَارَتْ كَالْعَدَمِ وَعَبْدٌ كَأَنَّهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ ، وَرَدَّهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا وَإِنْ مُنِعَتِ الْمِيرَاثَ فَهِيَ ابْنَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا إِذْ لَا يُلْحِقُ أَخُوهَا عَلَيْهَا مَنْ لَمْ تَرْضَهُ . قَالَ : وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ أَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ، وَجَعَلُوا الْأَمْرَ بِالِاحْتِجَابِ وَاجِبًا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزِّنَى لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا إِلَّا مَا جَرَى مِنْ قَوْلِهِمْ : لَا يَحِلُّ لِلزَّانِي نِكَاحُ مَنْ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ ، وَأَحَلَّهَا ابْنُ الْمَاجِشُونَ طَرْدًا لِلْأَصْلِ وَإِبْطَالًا لِحُكْمِ الْحَرَامِ . اهـ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ احْتِجَابِهَا لَا يَلِيقُ بِمَرَاتِبِهِمْ لَا سِيَّمَا الْمُزَنِيُّ فِي جَعْلِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ، وَقَدْ مَكَّنَ عَبْدًا مِنْ أُخُوَّةِ الْغُلَامِ وَحَجَبَ سَوْدَةَ عَنِ الْخُلْطَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأُخُوَّةِ وَلَمْ يُرَاعِ شَبَهًا وَلَوْ رَاعَاهُ لَرَاعَاهُ فِي الْإِلْحَاقِ . وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ الْفَرْعَ إِذَا أَشْبَهَ أَصْلَيْنِ وَدَارَ بَيْنَهُمَا يُعْطَى حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ ؛ إِذْ لَوْ أُعْطِيَ حُكْمَ أَحَدِهِمَا لَزِمَ إِلْغَاءُ شَبَهِهِ بِالْآخَرِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَشْبَهُهُ ، وَبَيَانُهُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أُعْطِيَ حُكْمَ الْفِرَاشِ فَأُلْحِقَ النَّسَبُ وَلَمْ يُمَحِّضْهُ فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ لِلشَّبَهِ ، وَلَمْ يُمَحِّضْهُ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ فِي الْقَاعِدَةِ إِنَّمَا هِيَ إِذَا دَارَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ يَقْتَضِي الشَّرْعُ إِلْحَاقَهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَالشَّبَهُ هُنَا لَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ إِلْحَاقَهُ بِعُتْبَةَ فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ احْتِيَاطًا وَإِرْشَادًا إِلَى مَصْلَحَةٍ وُجُودِيَّةٍ لَا عَلَى الْوُجُوبِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ . اهـ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَىَ بْنِ قَزْعَةَ ، وَفِي الْوَصَايَا وَفَتْحِ مَكَّةَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ .