1462 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ( عَنْ مَالِكٍ ) بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَكِنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، إِلَّا مَعْمَرًا فَإِنَّ عِنْدَهُ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً عَلَى حَائِطِهِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُقَيْلٍ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ حَدِيثَ الْأَعْرَجِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ ( وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ الصِّنْهَاجِيُّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَوَهِمَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَيْسَ يَصِحُّ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ مَعْمَرٍ ذِكْرُ أَبِي سَلَمَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ : ( وَقَدْ ) رُوِيَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ( عَنْ مَالِكٍ ) عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( وَالصَّوَابُ فِيهِ : عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) . وَقَالَ يَعْقُوبُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : قَالَ لِي مَعْنُ بْنُ عِيسَى : أَتُنْكِرُ الزُّهْرِيَّ - وَهُوَ يَتَمَرَّغُ فِي أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَنْ عِدَّةٍ ؟ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ نَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . هَكَذَا يَقُولُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِذَا اسْتَأْذَنَ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَعُقَيْلٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ : إِذَا سَأَلَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . هَكَذَا رَوَى هَؤُلَاءِ ( هَذَا ) الْحَدِيثَ عَلَى سُؤَالِ الْجَارِ ( جَارَهُ ) وَاسْتِئْذَانِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرٌ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَيُونُسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السُّؤَالَ ، وَالْمَعْنَى عِنْدِي فِيهِ وَاحِدٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالَ فِيهِ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . ( قَالَ اللَّيْثُ : هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا لَنَا عَنْ مَالِكٍ وَآخِرُهُ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَجَّاجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ الْعَامِرِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلَا يَمْنَعْهُ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : سَمِعْتُهُ مِنَ اللَّيْثِ ، عَنْ مَالِكٍ وَمَالِكٌ حَيٌّ ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِذَلِكَ جَاءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ اللَّيْثِ ، لَا عَلَى لَفْظِ الْمُوَطَّأِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى يَقُولُ : سَأَلْتُ ابْنَ وَهْبٍ عَنْ خَشَبَةٍ أَوْ خَشَبِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ مِنْ جَمَاعَةٍ خَشَبَةً ( يَعْنِي ) عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ اللَّفْظَانِ جَمِيعًا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْنَا فِيهِمَا الشُّيُوخُ فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمْعِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِذَا أَتَى بِلَفْظِ النَّكِرَةِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا فِي أَكْتَافِكُمْ وَأَكْنَافِكُمْ . وَالصَّوَابُ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ - التَّاءُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ النَّدْبُ إِلَى بِرِّ الْجَارِ ، وَالتَّجَاوُزِ لَهُ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحُلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ بمصر ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَيْسَ يُقْضَى عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ لِجَارِهِ ، وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ ( كَانَ ) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَصَاةِ بِالْجَارِ . قَالَ : وَمَنْ أَعَارَ صَاحِبَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ثُمَّ أَغْضَبَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ . قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ فَقَالَ : انْزِعْ خَشَبَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عِنْدَنَا : الِاخْتِيَارُ وَالنَّدْبُ فِي إِسْعَافِ الْجَارِ وَبِرِّهِ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عُلَمَاءُ السَّلَفِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ ، وَحَمَلُوهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا . وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ : الْحَضُّ وَالنَّدْبُ عَلَى حَسْبَ مَا يَرَاهُ الزَّوْجُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُؤْخَذُ بِمَا قَضَى بِهِ عُمَرُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْخَلِيجِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِمَالِ أَخِيهِ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ . قَالَ : وَأَمَّا مَا حَكَمَ بِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِ الرَّبِيعِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْحَائِطِ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ مَجْرَى ذَلِكَ الرَّبِيعِ كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْحَائِطِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ هِيَ أَقْرَبُ عَلَيْهِ ، وَأَرْفَقُ بِصَاحِبِ الْحَائِطِ ، فَلِذَلِكَ حَكَمَ لَهُ عُمَرُ بِتَحْوِيلِهِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِهِ ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْ وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ حَائِطٌ ، فَأَرَادَ جَارُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ سُتْرَةً يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْهُ ، قَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ صَاحِبُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ ، وَمَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ . وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . وَحَكَى مَالِكٌ عَنِ الْمُطَّلِبِ - قَاضٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ - كَانَ يَقْضِي بِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنْ قَالُوا : هَذَا قَضَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمِرْفَقِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّمْلِيكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ ، وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا ، وَمَنَعَ ( مِنَ ) الْآخَرِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى بِذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ فِي سَاقِيَةٍ يَسُوقُهَا الضَّحَّاكُ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَقَالَ لَهُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَ بِهَا وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ . لِامْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عِنْدَ عُمَرَ مَا أَجْبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ عَلَى رَغْمِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ جَدِّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ مِثْلَ مَا قَضَى بِهِ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ . وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ مُسْتَفِيضٌ مُتَرَدِّدٌ . رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعَرِيضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ : لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ؟ فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، ( فَأَمَرَهُ ) أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا . فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُه وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ ، تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا وَاللَّهِ . فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ . فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ . وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( بْنُ عَوْفٍ ) أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالرَّبِيعُ : السَّاقِيَةُ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ : حَدِيثٌ يُرْوَى عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : اسْتُشْهِدَ مِنَّا غُلَامٌ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ : أَبْشِرْ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ . فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَنَسٍ ، وَكَانَ مُدَلِّسًا عَنِ الضُّعَفَاءِ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ، مَا وَجَدْتُهُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَنَى فَلْيَدْعُمْ جُذُوعَهُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ . قَالَ أَسَدٌ : وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ ( مُسْلِمٍ ) أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتٍ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ . قَالَ أَسَدٌ : وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ . وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ تَرْكَهُ لِكُلِّ مَا أَدْخَلَ فِي مُوَطَّئِهِ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْمِرْفَقِ ، وَقَالَ : جَعَلَ فِي أَوَّلِ بَابِ الْقَضَاءِ بِالْمِرْفَقِ مِنْ مُوَطَّئِهِ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِحَدِيثَيْ عُمَرَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قِصَّةِ ابْنِ مَسْلَمَةَ ، وَقِصَّةِ الْمَازِنِيِّ مَعَ الضَّحَّاكِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُفَسِّرَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ قَالَ : ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ( إِنَّهُ ) لَمْ يُرْوَ عَنْ ( أَحَدٍ مِنَ ) الصَّحَابَةِ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، وَجُلَّةِ الْأَنْصَارِ ، وَمِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَدْ خَالَفَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ، وَأَبَى مِمَّا رَآهُ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، لَوْ كَانَ رَأْيُهُ وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ عُمَرَ مَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِيجَابِ لِلْجَارِ ، لَمَا خَالَفَهُ ، وَلَكِنْ رَآهُ عَلَى النَّدْبِ خِلَافًا لِمَذْهَبِ عُمَرَ . وَإِذَا وُجِدَ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَجَبَ النَّظَرُ . ( وَالنَّظَرُ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بُقُولِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ يَعْنِي أَمْوَالَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَدِمَاءَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَعْرَاضَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ( حَرَامٌ ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِرْضَهُ ، وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ إِلَّا الْخَيْرُ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . وَالْأُصُولُ فِي هَذَا كَثِير جِدًّا ، وَلِهَذِهِ الْأُصُولِ الْجِسَامِ وَلِمِثْلِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ ; لِتُسْتَعْمَلَ أَخْبَارُهُ وَسُنَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهَا ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْعَالَمِ مَا وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ ، وَنَهَى أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ - فَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ عَلَى مِثْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا يَحِلُّ فِي حُقُوقِ الْجَارِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْعَ مَا لَا يَضُرُّ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ ( الْكِرَامِ مِنَ ) الْمُؤْمِنِينَ وَمِنَ الدَّلِيلِ ( أَيْضًا ) عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَعَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَزَلْ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الْأَعْرَجِ وَالتَّابِعِينَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَلَقَّوْا حَدِيثَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ إِيجَابِ ذَلِكَ ، وَمَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا كَمَذْهَبِ عُمَرَ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ لِمَنْ خَالَفَنَا وَعَلَيْهِمْ ، لَمْ أَذْكُرْهُ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ . وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ فَاضْطَرَبَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَلَا مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَلَا مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَتَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُحْسِنِ الِاخْتِيَارَ . قَالَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ : لَازِمٌ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ عَلَى مَنْ أَبَاهُ وَأَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مِنَ الضِّرَارِ أَنْ يَدْفَعَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَ بَيْتِهِ فِي جِدَارِهِ ، فَيَمْنَعُهُ بِذَلِكَ الْمَنْفَعَةُ ، وَصَاحِبُ الْجِدَارِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ : وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . وَقَوْلُ عُمَرَ لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا لَا يَضُرُّكَ ؟ قَالَ : وَقَدْ قَضَى مَالِكٌ لِلْجَارِ إِذَا تَغَوَّرَتْ بِيده أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ وَزَرْعَهُ بِبِئْرِ جَارِهِ ، حَتَّى يُصْلِحَ بِئْرَهُ ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ غَرْزِ الْخَشَبَةِ فِي جِدَارِ الْجَارِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ بِالْجِدَارِ ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يُوهِنَ الْجِدَارَ وَيَضُرَّ بِهِ ، لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْجِدَارِ . وَقِيلَ لِصَاحِبِ الْخَشَبِ : احْتَلْ لِخَشَبِكَ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ رَبِيعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي حَائِطِ الْمَازِنِيِّ . قَالَ : وَالرَّبِيعُ : السَّاقِيَةُ . فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْحَائِطِ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، فَقَضَى عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِتَحْوِيلِهِ . قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَجْرَى ذَلِكَ الرَّبِيعِ كَانَ فِي الْحَائِطِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدِ اسْتَحَقَّهُ ، فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، هِيَ أَقْرَبُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِصَاحِبِ الْحَائِطِ . قَالَ : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فِي قِصَّةِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ يَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي الْحُكْمِ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ . قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَالِ أَخِيهِ مِنْهُ إِلَّا بِرِضَاهُ ( قَالَ ) وَلَيْسَ مِثْلَ هَذَا حُكْمُ عُمَرَ فِي رَبِيعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي حَائِطِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ طَرِيقٌ وَلَا رَبِيعٌ ( قَالَ ) : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ( ابْنِ ) حَبِيبٍ ، وَالْخَطَأُ فِيهِ وَالتَّنَاقُضُ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ · ص 215 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ · ص 224 1462 1429 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . 32519 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ إِسْنَادٌ آخَرُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 32520 - وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، فَلَا يَمْنَعْهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ ، وَإِذَا سَأَلَ أَحَدُكُمْ جَارَهُ ، وَالْمَعْنَى كُلُّهُ سَوَاءٌ . 32521 - قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى : سَأَلْتُ ابْنَ وَهْبٍ عَنْ خَشَبَةٍ ، أَوْ خَشَبَةَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُهُ مِنْ جَمَاعَةٍ خَشَبَةٍ ؛ يَعْنِي عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ . 32522 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : 32523 - فقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : مَعْنَاهُ النَّدْبُ إِلَى بِرِّ الْجَارِ ، وَالتَّجَاوُزِ لَهُ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ . 32524 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ؛ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 32525 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . 32526 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَيْسَ يُقْضَى عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ لِجَارِهِ ، وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْوِصَايَةِ بِالْجَارِ . 32527 - قَالَ : وَمَنْ أَعَارَ صَاحِبَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ أَغْضَبَهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ بِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ . 32528 - قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ ، فَقَالَ : انْزِعْ خَشَبَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ . 32529 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ الِاخْتِيَارُ ، وَالنَّدْبُ فِي إِسْعَافِ الْجَارِ وَبِرِّهِ - إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ - وَهُوَ مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا ، وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ النَّدْبُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ الزَّوْجُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ . 32530 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ . 32531 - قَالَ مَالِكٌ : مَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِهِ ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْ وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 32532 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ حَائِطٌ ، فَأَرَادَ جَارُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ سُتْرَةً يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ . 32533 - وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ . 32534 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمْنَعَ الْجَارُ جَارَهُ مِنْ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَأَى الْحُجَّةَ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا أَرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي حَمْلِهِ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ ، وَلَوْ كَرِهُوا ، وَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ فِيمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَى الْوُجُوبِ مَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ . 32535 - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؛ قَضَى بِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ . 32536 - وَقَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى جَدِّ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ . 32537 - وَالْقَضَاءُ بِالْمِرْفَقِ خَارِجٌ بِالسُّنَّةِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ التَّمْلِيكُ ، وَالِاسْتِهْلَاكُ ، وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَرَّقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فَغَيْرُ وَاجِبٍ أَنْ يُجْمَعَ مَا فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 32538 - وَحَكَى مَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاضٍ يَقْضِي بِهِ يُسَمَّى الْمُطَّلِبُ . 32539 - وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، هَلْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَجْهِ الْوِصَايَةِ بِالْجَارِ أَمْ يَقْضِي بِهِ الْقُضَاةُ ؟ فَقَالَ : أَرَى ذَلِكَ أَمْرًا دَلَّ النَّاسَ عَلَيْهِ ، وَأُمِرُوا بِهِ فِي حَقِّ الْجَارِ . 32540 - قِيلَ : أَفَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْقُضَاةُ ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ الْمُطَّلِبُ يَقْضِي بِهِ عِنْدَنَا ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا دَلِيلًا عَلَى الْمَعْرُوفِ ، وَإِنِّي مِنْهُ لَفِي شَكٍّ . 32541 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ، فَلَا يَمْنَعْهُ ، فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ نَكَّسُوا رُؤوسَهُمْ ، وَطَأْطَأوهَا ، فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . 32542 - وَقَالَ الرَّبِيعُ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ . 32543 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ جَارِهِ ، فَمَنَعَهُ ، فَخَاصَمَهُ ، وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَضَى لَهُ عَلَيْهِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب الْقَضَاءِ فِي الْمَرْفِقِ · ص 67 1425 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . 1462 1425 - ( مَالِكٌ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بَدَلَ الزُّهْرِيِّ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَهِشَامُ بْنُ يُوسُفَ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بَدَلَ الْأَعْرَجِ ، وَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَقَالَ : الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ الْأَوَّلُ ، أَيْ مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْجَمِيعِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعُ ) بِالرَّفْعِ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ لَا نَاهِيَةٌ ، وَلِأَحْمَدَ : لَا يَمْنَعَنَّ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّوْكِيدِ وَهِيَ تُؤَكِّدُ رِوَايَةَ الْجَزْمِ ( أَحَدُكُمْ جَارَهُ ) الْمُلَاصِقَ لَهُ ( خَشَبَةً ) بِالتَّنْوِينِ مُفْرَدٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْهَاءِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ : خَشَبه بِلَا تَنْوِينٍ ، وَقَالَ : عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ خَشَبَةً بِالتَّنْوِينِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاحِدَةِ الْجِنْسُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَإِلَّا فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى لِأَنَّ أَمْرَ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ أَخَفُّ فِي مُسَامَحَةِ الْجَارِ بِخِلَافِ الْخَشَبِ الْكَثِيرِ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِالْإِفْرَادِ ، وَأَنْكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ ، فَقَالَ : كُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَهُ بِالْجَمْعِ إِلَّا الطَّحَاوِيَّ فَقَالَ : خَشَبَةً بِالتَّوْحِيدِ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا إِنْ أَرَادَ خَاصًّا مِنَ النَّاسِ كَالَّذِينَ رَوَى عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ فَلَهُ اتِّجَاهٌ اهـ . وَفِي الْمُفْهِمِ : إِنَّمَا اعْتَنَى الْأَئِمَّةُ بِضَبْطِ هَذَا الْحَرْفِ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ تَخِفٌّ عَلَى الْجَارِ أَنْ يَسْمَحَ بِهَا بِخِلَافِ الْخَشَبِ الْكَثِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِهِ ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رِوَايَةَ الْإِفْرَادِ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مِرْفَقٌ وَهِيَ الَّتِي يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهَا ، وَأَمَّا الْخَشَبُ فَكَثِيرٌ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْحَائِطِ عَلَى الْجَارِ وَيَشْهَدُ لَهُ وَضْعُ الْخَشَبِ ، يَعْنِي فَلَا يَنْدُبُهُ الشَّرْعُ إِلَى ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( يَغْرِزُهَا ) أَيِ الْخَشَبَةَ أَوِ الْخَشَبَ ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ : أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً ( فِي جِدَارِهِ ) أَيِ الْأَحَدُ الْمَنْهِيُّ تَنْزِيهًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُمْنَعَ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ . الْقُرْطُبِيُّ : وَإِذَا لَمْ يُجْبَرِ الْمَالِكُ عَلَى إِخْرَاجِ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ فَأَحْرَى بِغَيْرِ عِوَضٍ . ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ جَاءَ لِلنَّدْبِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ : يُجْبَرُ إِنِ امْتَنَعَ لِأَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْأُصُولِ أَنَّ صِيغَةَ لَا تَفْعَلْ لِلتَّحْرِيمِ ، فَالْإِذْنُ لَازِمٌ بِشَرْطِ احْتِيَاجِ الْجَارِ ، وَأَنْ لَا يَضَعَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَالِكُ ، وَأَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى حَاجَةِ الْمَالِكِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ فِي وَضْعِ الْجِذْعِ إِلَى ثَقْبِ الْجِدَارِ أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْجِذْعِ يَسُدُّ الْمُنْفَتِحَ وَيُقَوِّي الْجِدَارَ ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ تَقَدُّمَ اسْتِئْذَانِ الْجَارِ فِي ذَلِكَ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ . وَكَذَا لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعُقَيْلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، الثَّلَاثَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَجَزَمَ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِالْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَمْ نَجِدْ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْحُكْمَ إِلَّا عُمُومَاتٍ لَا يُنْكَرُ أَنْ يَخُصَّهَا ، وَقَدْ حَمَلَهُ الرَّاوِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ بِمَا حَدَّثَ بِهِ ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ : ( ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ) بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَافَظَةً عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَحَضًّا عَلَيْهِ لَمَّا رَآهُمْ تَوَقَّفُوا عَنْهُ ، فَفِي التِّرْمِذِيِّ : أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَهُمْ بِذَلِكَ لَمَّا طَاطَوْا رُءُوسَهُمْ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ : فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ ، فَقَالَ : ( مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا ) أَيْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَوِ الْمَقَالَةِ ( مُعْرِضِينَ ) إِنْكَارًا لِمَا رَأَى مِنْ إِعْرَاضِهِمْ وَاسْتِثْقَالِهِمْ مَا سَمِعُوا مِنْهُ وَعَدَمِ إِقْبَالِهِمْ عَلَيْهَا بَلْ طَاطَوْا رُءُوسَهُمْ ( وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا ) أَيْ لَأَصْرُخَنَّ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ( بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ) رَوَيْنَاهُ بِالْفَوْقِيَّةِ ، جَمْعُ كَتِفٍ ، وَبِالنُّونِ جَمْعُ كَنَفٍ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْجَانِبُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَيْ لَأَشِيعَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِيكُمْ وَلَأَقْرَعَنَّكُمْ بِهَا كَمَا يُضْرَبُ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَيَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِهِ ، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْخَشَبَةِ ، وَالْمَعْنَى : إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ رَاضِينَ لَأَجْعَلَنَّ الْخَشَبَةَ بَيْنَ رِقَابِكُمْ كَارِهِينَ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ كَانَ يَلِي إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ ، لَكِنَّ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ . وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِلْزَامِهِمْ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ ، أَيْ لَا أَقُولُ الْخَشَبَةَ تُرْمَى عَلَى الْجِدَارِ بَلْ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ لِمَا وَصَّى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بِرِّ الْجَارِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَحَمْلِ أَثْقَالِهِ ، وَهَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَرَى الْوُجُوبَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ الظَّاهِرُ ، وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ يَحْتَمِلُ أَنَّ مَذْهَبَهُ النَّدْبُ ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلْوُجُوبِ لَوَبَّخَ الْحُكَّامَ عَلَى تَرْكِهِ وَلَحَكَمَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَخْلَفًا بِالْمَدِينَةِ ، فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَلِي إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ نِيَابَةً عَنْ مَرْوَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَرَافَعْ إِلَيْهِ حِينَ تَوْلِيَتِهِ وَلَمْ يُوَبِّخِ الْحُكَّامَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا بِهِ ، وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا جَهِلَ الصَّحَابَةُ تَأْوِيلَهُ وَلَا أَعْرَضُوا عَنْهُ لِأَنَّهُمْ لَا يُعْرِضُونَ عَنْ وَاجِبٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ فَقَالَ : مَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمُعْرِضِينَ صَحَابَةٌ وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ لَا يَجْهَلُ مِثْلُهُمُ الْحُكْمَ ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُونُوا فُقَهَاءَ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ; إِذْ لَوْ كَانُوا صَحَابَةً أَوْ فُقَهَاءَ مَا وَاجَهَهُمْ بِذَلِكَ اهـ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَظَالِمِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْقَضَاءِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .