مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو مَيْسَرَةُ ، وَهُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيِّ القرشي ، مَدَّنِيٌّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، وَالْمُطَّلِبُ مَوْلَاهُ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ . وَرَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرِو مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : سَأَلْتُ أَبِي ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَقَالَ : سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْتُ أَبِي ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ . وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَقَالَ : مَدَّنِيٌّ ثِقَةٌ . وَأَمَّا ابْنُ مَعِينٍ فَرَوَى عَنْهُ عِيَاضٌ الدُّورِيُّ أَنَّهُ قَالَ : عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَعِينٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَكَانَ لَا يَرْوِي عِنْدَهُمْ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( قَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُفْرِدْهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِحُكْمٍ ) . 1645 مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ ، فَقَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي لَفْظِهِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْطَأَ فِيهِ ( وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأ ) : مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسٍ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَعْنِي الْمَدِينَةَ . حَدَّثَنَا خَلَفٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنَ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلنَّاسِ فِي هَذَا مَذْهَبَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ ، وَمَجَازُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْرَحُ بِأُحُدٍ إِذَا طَلَعَ لَهُ اسْتِبْشَارًا بِالْمَدِينَةِ ، وَمَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِهَا ، وَيُحِبُّ النَّظَرَ إِلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنَ النُّزُولِ بِأَهْلِهِ ، وَالْأَوْبَةِ مِنْ سَفَرِهِ ، فَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَانَ يُحِبُّ الْجَبَلَ ، وَأَمَّا حُبُّ الْجَبَلِ لَهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَكَذَلِكَ كَانَ يُحِبُّنَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ وَتُمْكِنُ مِنْهُ مَحَبَّةٌ ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَاضِحًا عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا . الْحَدِيثَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ : بَكَى أُحُدٌ إِنْ فَارَقَ الْيَوْمَ أَهْلَهُ فَكَيْفَ بِذِي وَجْدٍ مِنَ الْقَوْمِ آلِفُ وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : يُحِبُّنَا ، أَيْ : يُحِبُّنَا أَهْلُهُ ، يَعْنِي الْأَنْصَارَ السَّاكِنِينَ قُرْبَهُ ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحِبُّهُمْ ; لِأَنَّهُمْ آوَوْهُ ، وَنَصَرُوهُ ، وَأَقَامُوا دِينَهُ ، فَخَرَجَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَخْرَجَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا يُرِيدُ : أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ تَكُونُ الْإِرَادَةُ لِلْجَبَلِ مَجَازًا أَيْضًا ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي حُبِّ الْجَبَلِ كَالْقَوْلِ فِي إِرَادَةِ الْجِدَارِ أَنْ يَنْقَضَّ سَوَاءً ، وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ جَعَلَهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : يُرِيدُ الرُّمْحَ صَدْرَ أَبِي بَرَاءَ وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلِ وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ خُوطِبَتْ مِنْ ذَلِكَ بِمَا تَعْرِفُهُ بَيْنَهَا مِنْ مُخَاطَبَاتِهَا ، وَمَفْهُومِ كَلَامِهَا ، فَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَنْ حَمَلَ هَذَا الْأَلْفَاظَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْمَجَازِ الْمَعْرُوفِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ . وَالْمَذْهَبُ الْآخَرُ : أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ ، وَمَنْ حَمَلَ هَذَا عَلَى الْحَقِيقَةِ جَعَلَ لِلْجِدَارِ إِرَادَةً يَفْهَمُهَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحًا حَقِيقَةً لَا يَفْقَهُهَا النَّاسُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَقَوْلِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَجَعَلَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بُكَاءً وَقَوْلًا - فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى - صَحِيحًا ، وَالْقَوْلُ فِي كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَتَّسِعُ . وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، فَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ . وَرَوَاهُ جَابِرٌ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَيْضًا كَذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ : لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ أَحَدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ ، ثُمَّ الْكَعْبِيَّ يَقُولُ : ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ لَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ آمِنٌ ، وَإِنَّهَا الْيَوْمَ حَرَامٌ كَمَا حَرَّمَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وإني أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، يَعْنِي : الْمَدِينَةَ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْبَرَكَةَ فِيهَا بَرَكَتَيْنِ ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، يَعْنِي : الْمَدِينَةَ . فَفِي هَذَا كُلِّهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهَا لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ فِيهَا ، وَفِي تِلْكَ مَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ : التَّحْرِيمُ لِلصَّيْدِ بِالْمَدِينَةِ حَقٌّ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَحَدُّ ذَلِكَ مَا لَوِ الْتَقَتِ الْحَرَّتَانِ كَانَتِ الْبُيُوتُ شَاغِلَةً عَنْهُ ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَأَسْفَلَ فَمُبَاحٌ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ مَا قَرُبَ جِدًّا مِنْ فَوْقٍ ، وَأَسْفَلَ . وَبَلَغَنَا أَنَّ سَعْدًا أَخَذَ ثَوْبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَفَأْسَهُ ، فَكُلِّمَ فِيهِ ، فَقَالَ : لَا أَدَعُ مَا أَعْطَانِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِمَوْلًى لِقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ يُدْعَى بسَالِم : إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يَقْطَعُ مِنَ الشَّجَرِ - يَعْنِي : شَجَرَ الْمَدِينَةِ - شَيْئًا ، فَخُذْ فَأْسَهُ . قَالَ : وَثَوْبَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ فَأْسَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ فَأْسِ مَنِ اصْطَادَ بِالْمَدِينَةِ الْيَوْمَ وَلَا ثَوْبِهِ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَحْرِيمَ صَيْدِهَا مَنْسُوخٌ بِذَلِكَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ ، عَنْ سَعْدٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا مِنَ الطُّرُقِ الصِّحَاحِ ، وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى مَنِ اصْطَادَ فِيهَا مَا يُسْقِطُ تَحْرِيمَهَا ; لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَثم أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ جَزَاءُ صَيْدٍ فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ شَيْءٌ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالصَّحَابَةُ فَهِمُوا الْمُرَادَ فِي تَحْرِيمِ صَيْدِ الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّوْهُ بِالْوُجُوبِ دُونَ جَزَاءٍ ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ . ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُ حَرَّمَ شَجَرَهَا أَنْ يُعْضَدَ . قَالَتْ زَيْنَبُ : فَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَضْرِبُ بَنِيهِ إِذَا صَادُوا فِيهَا ، وَيُرْسِلُ الصَّيْدَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَدْ قَالَتْ فِرْقَةٌ : فِي صَيْدِ الْمَدِينَةِ جَزَاءٌ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ حَرَمُ نَبِيٍّ كَمَا مَكَّةُ حَرَمُ نَبِيٍّ ، وَاعْتَلُّوا بِقَوْلِهِ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، وَالْوَجْهُ الْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْأَصْلُ : أَنَّ الذِّمَّةَ بَرِيئَةٌ فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا بِيَقِينٍ . وَأَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ ، وَكَمْ يَبْلُغُ مِنَ الْمَسَافَةِ وَمَعْنَى لَابَتَيْهَا - وَهُمَا الْحَرَّتَانِ - فَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدترجمته · ص 173 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أنس هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ · ص 32 1645 ( 3 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ 1644 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ . فَقَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَأَنَا أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . 38588 - هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا . 38589 - وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ فَذَكَرَ فِيهِ مَعَانِيَ ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا مَالِكٌ ، ذَكَرَهُ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي طَلْحَةَ : الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدِمُنِي . فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ ، فَكُنْتُ أَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّمَا نَزَلَ ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ . فَلَمْ أَزَلْ أَخْدِمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ، قَدْ جَاءُوا بِهَا وَأَرْدَفَهَا خَلْفَهُ وَرَاءَهُ عَلَى كِسَائِهَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاؤُهُ بِهَا . ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ . 38590 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فِي أُحُدٍ : جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْمَعْنَى فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، يَعْنِي : وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُحُدٍ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، يَعْنِي الْأَنْصَارَ السَّاكِنِينَ قُرْبَهُ ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُحِبُّهُمْ لِأَنَّهُمْ آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ وَأَعَانُوهُ عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 38591 - وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَجَازِ أَيْضًا وَجْهٌ آخَرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْرَحُ بِأُحُدٍ إِذَا طَلَعَ لَهُ اسْتِبْشَارًا بِالْمَدِينَةِ وَمَنْ فِيهَا مِنْ أَهِلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَيُحِبُّ النَّظَرَ إِلَيْهِمْ وَيَبْتَهِجُ لِلْأَوْبَةِ مِنْ سَفَرِهِ وَالنُّزُولِ عَلَى أَهْلِهِ وَأَحِبَّتِهِ . 38592 - وَقَوْلُهُ : يُحِبُّنَا . أَيْ : لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْحُبُّ لَأَحَبَّنَا كَمَا نُحِبُّهُ . 38593 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا بِشَوَاهِدَ فِي التَّمْهِيدِ . 38594 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَحَبَّتَهُ حَقِيقِيَّةٌ ، كَمَا يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءٍ حَقِيقَةً ، وَلَكِنْ لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ النَّاسُ ، وَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَصْنَعَ اللَّهُ مَحَبَّةَ رَسُولِهِ فِي الْجَمَادِ وَفِيمَا لَا يَعْقِلُ كَعَقْلِ الْآدَمِيِّينَ ، كَمَا وَضَعَ اللَّهُ خَشْيَتَهُ فِي الْحِجَارَةِ ، فَأَخْبَرَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ بِأَنَّ مِنْهَا مَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَكَمَا وَضَعَ فِي الْجِذْعِ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى حَنَّ إِلَيْهِ حَنِينَ النَّاقَةِ لِوَلَدِهَا . 38595 - رَوَاهُ أَنَسٌ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُ . 38596 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ ، وَخَطَبَ عَلَيْهِ ، حَنَّ الْجِذْعُ حَنِينَ النَّاقَةِ إِلَيْهِ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ . 38597 - وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . 38598 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، كَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . 38599 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ . 386600 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو شُرَيْحٍ الْكَعْبِيُّ الْخُزَاعِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ . 38601 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ أَحَدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا شُرَيْحِ بْنَ عَمْرٍو الْخُزَاعِيَّ ، ثُمَّ الْكَعْبِيَّ يَقُولُ : فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، لَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ أَمْسُ ، وَأَنَّهَا الْيَوْمَ حَرَامٌ ، كَمَا حَرَّمَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ . 38602 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعَضَّدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاؤُهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ، فَإِنَّهُ لِقُبُورِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ ، فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ . 38603 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالْحَقِيقَةُ ، لَا الْمَجَازُ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا . 38604 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ حَرَّمَهَا عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 38605 - وَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى فُكَيْهَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ مَكَّةَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ . . 38606 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . يَعْنِي : الْمَدِينَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ · ص 356 3 - باب مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ 1597 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَأَنَا أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . 3 - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ 1645 1597 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو وَاسْمُهُ مَيْسَرَةُ الْمَدَنِيُّ الثِّقَةُ الْمُتَوَفَّى بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، ( مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ القرشي الْمَخْزُومِيِّ ، وَعَمْرٌو قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَمْ يُفْرِدْهُ مَالِكٌ بِحُكْمٍ لَهُ فِي الْمُوَّطَأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ، انْتَهَى . وَفِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالْعِجْلِيِّ ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَعُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ لِرِوَايَتِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ أَتَى الْبَهِيمَةَ فَاقْتُلُوهُ ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ حَدَّثٌ بِحَدِيثِ الْبَهِيمَةِ . وَقَدْ رَوَى عَاصِمٌ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ عَلَى مَنْ أَتَى الْبَهِيمَةَ حَدٌّ ، وَقَالَ السَّاجِيُّ : صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ يَهِمُ . انْتَهَى . وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ عَنْ عِكْرِمَةَ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَطْ ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَاللَّامِ مُخَفَّفًا ، ظَهَرَ ( لَهُ أُحُدٌ ) حِينَ رَجَعَ مِنْ خَيْبَرَ ، فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَنَسٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ ( فَقَالَ : هَذَا ) مُشِيرًا إِلَى أُحُدٍ ( جَبَلٌ ) خَبَرٌ مُوَطِّئٌ لِقَوْلِهِ ( يُحِبُّنَا ) حَقِيقَةً كَمَا رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ ، وَقَدْ خَاطَبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَاطَبَةَ مَنْ يَعْقِلُ فَقَالَ لَمَّا اضْطَرَبَ : اسْكُنْ أُحُدُ . . . الْحَدِيثَ . فَوَضَعَ اللَّهُ الْحُبَّ فِيهِ كَمَا وَضَعَ التَّسْبِيحَ فِي الْجِبَالِ مَعَ دَاوُدَ وَالْخَشْيَةَ فِي الْحِجَارَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 74 ] وَكَمَا حَنَّ الْجِذْعُ لِفِرَاقِهِ حَتَّى سَمِعَ النَّاسُ حَنِينَهُ ، فَلَا يُنْكَرُ وَصْفُ الْجَمَادِ بِحُبِّ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ وَسَبَحَتِ الْحَصَيَاتُ فِي يَدِهِ وَكَلَّمَتْهُ الذِّرَاعُ وَأَمَّنَتْ حَوَائِطُ الْبَيْتِ وَأُسْكُفَّةُ الْبَابِ عَلَى دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِشَارَةً إِلَى مَزِيدِ حُبِّ اللَّهِ إِيَّاهُ حَتَّى أَسْكَنَ حُبَّهُ فِي الْجَمَادِ وَغَرَسَ مَحَبَّتَهُ فِي الْحَجَرِ مَعَ فَضْلِ يُبْسِهِ وَقُوَّةِ صَلَابَتِهِ . ( وَنُحِبُّهُ ) حَقِيقَةً أَيْضًا لِأَنَّ جَزَاءَ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُحَبَّ وَلِأَنَّهُ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ كَمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ مَرْفُوعًا : أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، وَهُوَ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ ، وَلِلْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ : أُحُدٌ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ؛ أَيْ مِنْ دَاخِلِهَا ، فَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا : أُحُدٌ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ دَاخِلَ الْبَابِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ ابْنِ سَلَامٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ رُكْنُ بَابِ الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، أَيْ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَهُمُ الْأَنْصَارُ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ وَكَانُوا يُحِبُّونَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحِبُّهُمْ لِأَنَّهُمْ آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ وَأَقَامُوا دِينَهُ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 82 ] ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي وَلَكِنَّ حُبَّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُ بِلِسَانِ الْحَالِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بِقُرْبِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَلِقَائِهِمْ وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُحِبِّ بِمَنْ يُحِبُّ ، فَكَانَ يَفْرَحُ إِذَا طَلَعَ لَهُ اسْتِبْشَارًا بِالْأَوْبَةِ مِنْ سَفَرِهِ وَالْقُرْبِ مَنْ أَهْلِهِ ، وَضَعُفَ بِمَا فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ : فَإِذَا جِئْتُمُوهُ فَكُلُوا مِنْ شَجَرِهِ ، وَلَوْ مِنْ عِضَاهِهِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ؛ كُلُّ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ ، فَحَثَّ عَلَى عَدَمِ إِهْمَالِ الْأَكْلِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مَا يُؤْكَلُ كَالْعِضَاهِ يَمْضِغُ مِنْهُ تَبَرُّكًا وَلَوْ بِلَا ابْتِلَاعٍ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ أَيِ الْحَقِيقَةَ - قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ مَعَ أَحَادِيثَ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ ، فَتَنَاسَبَتْ هَذِهِ الْآثَارُ وَشَدَّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ ، وَلَا أَحْسَنَ مِنِ اسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَذَا الِاسْمِ تَقْدِمَةً لِمَا أَرَادَهُ مِنْ مُشَاكَلَةِ اسْمِهِ لِمَعْنَاهُ ؛ إِذْ أَهْلُهُ وَهُمُ الْأَنْصَارُ نَصَرُوا التَّوْحِيدَ وَالْمَبْعُوثَ بِدِينِ التَّوْحِيدِ وَاسْتَقَرَّ عِنْدَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوِتْرَ وَيُحِبُّهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ اسْتِشْعَارًا لِلْأَحَدِيَّةِ ، فَقَدْ وَافَقَ اسْمُهُ أَغْرَاضَهُ وَمَقَاصِدَهُ ، وَمَعَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ فَحَرَكَاتُ حُرُوفِهِ الرَّفْعُ وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِارْتِفَاعِ دِينِ الْأَحَدِيَّةِ وَعُلُوِّهِ ، فَتَعَلَّقَ الْحُبُّ بِهِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمًا وَمُسَمًّى ، فَخُصَّ مِنْ بَيْنِ الْجِبَالِ بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ، انْتَهَى . وَأُخِذَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ أَفْضَلُ الْجِبَالِ ، وَقِيلَ عَرَفَةُ ، وَقِيلَ أَبُو قَبِيسٍ ، وَقِيلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ، وَقِيلَ قَافٌ ، قِيلَ : وَفِيهِ قَبْرُ هَارُونَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَا يَصِحُّ . ( اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ) بِتَحْرِيمِكَ لَهَا عَلَى لِسَانِهِ ( وَأَنَا أُحَرِّمُ ) بِتَحْرِيمِكَ عَلَى لِسَانِي ( مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ) بِخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ لَابَةٍ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ وَجَمْعُهَا فِي الْقِلَّةِ لَابَاتٌ وَفِي الْكَثْرَةِ لُوبٌ كَسَاحَةٍ وَسُوحٍ ؛ يَعْنِي الْحَرَّتَيْنِ الشَّرْقِيَّةَ وَالْغَرْبِيَّةَ وَهِيَ حِرَارٌ أَرْبَعٌ ، لَكِنَّ الْقِبْلِيَّةَ وَالْجَنُوبِيَّةَ مُتَّصِلَتَانِ ، وَقَدْ رَدَّهَا حَسَّانُ إِلَى حَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِهِ : لَنَا حَرَّةٌ مَأْطُورَةٌ بِجِبَالِهَا بَنَى الْعِزُّ فِيهَا بَيْتَهُ فَتَأَثَّلَا قَالَ : وَمَأْطُورَةٌ يَعْنِي مَعْطُوفَةٌ بِجِبَالِهَا لِاسْتِدَارَةِ الْجِبَالِ بِهَا ، وَإِنَّمَا جِبَالُهَا تِلْكَ الْحِجَارَةُ السُّودُ الَّتِي تُسَمَّى الْحِرَارَ . قَالَ : وَتَحْرِيمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا إِنَّمَا يَعْنِي فِي الصَّيْدِ ، فَأَمَّا الشَّجَرُ فَبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ فِي دُورِهَا كُلِّهَا ، كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . انْتَهَى . وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَالتَّشْبِيهُ فِي الْحُرْمَةِ فَقَطْ لَا الْجَزَاءِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ جَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ كَمَا قَالَ : لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 94 ] وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالصَّحَابَةُ فَهِمُوا الْمُرَادَ فِي تَحْرِيمِ صَيْدِ الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّوْهُ بِالْوُجُوبِ دُونَ جَزَاءٍ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا بِيَقِينٍ - هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : فِي صَيْدِهَا الْجَزَاءُ ؛ لِأَنَّهُ حَرَمُ نَبِيٍّ كَمَا مَكَّةُ حَرَمُ نَبِيٍّ ، انْتَهَى . وَزَادَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ : لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرٍو : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، فَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ نُصْرَةً لِقَوْلِهِمْ بِجَوَازِ صَيْدِهَا وَقَطْعِ شَجَرِهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ بِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، فَالْجَمْعُ وَاضِحٌ وَلَوْ تَعَذَّرَ ، فَرِوَايَةُ لَابَتَيْهَا أَرْجَحُ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيْهَا وَلَا يُنَافِيهَا رِوَايَةُ جَبَلَيْهَا فَيَكُونُ عِنْدَ كُلِّ لَابَةٍ جَبَلٌ أَوْ لَابَتَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْجَنُوبِ وَالشِّمَالِ وَجَبَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَتَسْمِيَةُ الْجَبَلَيْنِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا تَضُرُّ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ - كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ - الثَّلَاثَةُ عَنْ عَمْرٍو بِنَحْوِهِ .