1660 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى ، قَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ . إِلَى هَهُنَا انْتَهَى حَدِيثُ مَالِكٍ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَزَادَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِإِسْنَادِهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَاجَّ آدَمُ مُوسَى ، فَقَالَ مُوسَى : يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا أَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ آدَمُ : يَا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ ، وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ؟ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ثُبُوتِهِ ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلْمٍ الْمَقْدِسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقِيَ آدَمُ مُوسَى ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ أَبُو النَّاسِ الَّذِي أَغْوَيْتَهُمْ ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ وَاصْطَفَاكَ بِرِسَالَتِهِ ، فَكَيْفَ تَلُومُنِي عَلَى عَمَلٍ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ، قَالَ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ ، فَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكُلُّهُمْ يَرْفَعُهُ ، وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ ; لِلِقَاءِ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدًا بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ ، وَأَحْسَنِ سِيَاقَةٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : يَا رَبِّ أَبُونَا آدَمُ أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ آدَمُ ؟ قَالَ آدَمُ : نَعَمْ ، قَالَ : أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ فَسَجَدُوا لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى ، قَالَ : أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَفَتَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلُ ؟ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : إِثْبَاتُ الْحِجَاجِ وَالْمُنَاظَرَةِ ، وَإِبَاحَةُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ طَلَبًا لِلْحَقِّ وَظُهُورِهِ ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا الْمَعْنَى بَابًا كَامِلًا أَوْضَحْنَاهُ فِيهِ بِالْحُجَجِ وَالْبُرْهَانِ ، وَالْبَسْطِ وَالْبَيَانِ ، فِي كِتَابِنَا كِتَابِ الْعِلْمِ ؛ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَهُنَا . وَفِيهِ : إِبَاحَةُ التَّقْرِيرِ ، وَالتَّعْرِيضِ فِي مَعْنَى التَّوْبِيخِ فِي دَرَجِ الْحِجَاجِ حَتَّى تَقِرَّ الْحُجَّةُ مَقَرَّهَا . وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ وَطَالَعَ الْعُلُومَ ، فَالْحُجَّةُ لَهُ أَلْزَمُ ، وَتَوْبِيخُهُ عَلَى الْغَفْلَةِ أَعْظَمُ . وَفِيهِ : إِبَاحَةُ مُنَاظَرَةِ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ ، وَالْأَصْغَرِ لِلْأَسَنِّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ ، وَتَقْرِيرًا لِلْحَقِّ ، وَابْتِغَاءً لَهُ . وَفِيهِ : الْأَصْلُ الْجَسِيمُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ ، فَكَلٌّ يَجْرِي فِيمَا قُدِّرَ لَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ ؟ فَهَذَا عِنْدِي مَخْصُوصٌ بِهِ آدَمُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ وَمِنْ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ تِيبَ عَلَى آدَمَ ، وَبَعْدَ أَنْ تَلَقَّى مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ تَابَ بِهَا عَلَيْهِ ، فَحَسُنَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِمُوسَى ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ تِيبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَهُ الْيَوْمَ أَحَدٌ إِذَا أَتَى مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ ، وَيَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا فَيَقُولُ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ قَتَلْتُ أَوْ زَنَيْتُ أَوْ سَرَقْتُ ، وَذَلِكَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَقَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ هَذَا مَا لَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ ، وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّ مَنْ أَتَى مَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِذَمِّهِ ، وَلَا حَرَجَ فِي لَوْمِهِ ، وَمَنْ أَتَى مَا يُحْمَدُ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِمَدْحِهِ عَلَيْهِ وَحَمْدِهِ ، وَقَدْ حَكَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ تِيبَ عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ; لِأَنَّ رُوحَهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِرُوحِ مُوسَى وَلَمْ يَلْتَقِيَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْوَفَاةِ ، وَبَعْدَ رَفْعِ أَرْوَاحِهِمَا فِي عِلِّيِّينَ ، فَكَانَ الْتِقَاؤُهُمَا كَنَحْوِ الْتِقَاءِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ لَقِيَهُ فِي الْمِعْرَاجِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ الصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدِي لَا يَحْتَمِلُ تَكْيِيفًا ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّسْلِيمُ ; لِأَنَّا لَمْ نُؤْتَ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ حَمَّادٌ : وَأَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدَبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَقِيَ آدَمُ مُوسَى ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى حَجَّهُ : غَلَبَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ فِي الْحُجَّةِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ مَنْ أَدْلَى عِنْدَ التَّنَازُعِ بِحُجَّتِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَقِيَ آدَمُ مُوسَى ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : يَا آدَمُ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ ، فَأَخْرَجْتَ ذَرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ آدَمُ : يَا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا ، وَآتَاكَ التَّوْرَاةَ ، فَبِكَمْ تَجِدُ الذَّنْبَ الَّذِي عَمِلْتُهُ مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، قَالَ : فَلِمَ تَلُومُنِي ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، يَقُولُهَا ثَلَاثًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَوْضَحِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَدَفْعِ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُطَالِبُ خَلْقَهُ بِمَا قَضَى عَلَيْهِمْ وَقَدَّرَ ، وَلَكِنْ يُطَالِبُهُمْ بِمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَأَمَرَ ، فَطَالِبْ نَفْسَكَ مِنْ حَيْثُ يُطَالِبُكَ رَبُّكَ وَالسَّلَامُ ، وَرُوِّينَا أَنَّ النَّاسَ لَمَّا خَاضُوا فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ ، اجْتَمَعَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَرُفَيْعٌ أَبُو الْعَالِيَةِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيمَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ هَذَا الْأَمْرَ ، قَالَ : فَقَعَدَا فَفَكَّرَا ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمَا أَنَّهُ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ، وَأَنَّهُ مَجْزِيٌّ بِعَمَلِهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ · ص 11 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة تحاج آدم وموسى · ص 80 1660 46 - كِتَابُ الْقَدَرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ( 1 ) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ 1661 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ . 38770 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِلَى هُنَا انْتَهَى حَدِيثُ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِإِسْنَادِهِ ، وَزَادَ فِيهِ : قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً . 38771 - وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 38772 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى مِنْهَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 38773 - وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ جَعَلَ فِيهِ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 38774 - وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 38775 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكُلُّهُمْ رَفَعُوهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 38776 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحُ الْأَلْفَاظِ وَالسِّيَاقَةِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : يَا رَبِّ أَرِنِي أَبَانَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنَ الْجَنَّةِ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ آدَمُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ فَسَجَدُوا لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى . قَالَ : أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ ، أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَفَتَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلُ ؟ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . 38777 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَكُلُّهُمْ يَرْوِيهِ وَيُقِرُّ بِصِحَّتِهِ ، وَيَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ قِدَمِ عِلْمِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرُهُ ) . 38778 - وَسَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ دُونَ الْعِلْمِ ، وَمَنْ قَالَ : الْعَمَلُ وَالْعِلْمُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ خَبَرٌ جَاءَ مَجِيئًا مُتَوَاتِرًا ، فَاشِيًا . 38779 - وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، فَيُنْكِرُونَهُ وَيَدْفَعُونَهُ ، وَيَعْتَرِضُونَ فِيهِ بِدُرُوبٍ مِنَ الْقَوْلِ ، كَرِهْتُ ذِكْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ كِتَابَنَا هَذَا كِتَابُ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ ، لَا كِتَابُ جِدَالٍ وَابْتِدَاعٍ . 38780 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مَا يَكُونُ ، وَأَنَّهُ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ ، جَرَى الْقَلَمُ فِيهِ بِمَا يَكُونُ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ ، وَأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَعْمَلُونَ إِلَّا فِيمَا قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَقَضَى بِهِ ، وَقَدَّرَهُ . 38781 - وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ؟ فَقَالَ : إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ، فَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ . 38782 - فَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ، أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَالُوا : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ فِي حَرْبٍ ، وَإِلَى جَنْبِ عَدُوٍّ وَإِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يُغْتَالَ ، فَلْيَحْرُسْهُ مِنَّا كُلَّ لَيْلَةٍ عَشَرَةٌ ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ ، لَصِقَ بِقِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، فَيُصَلِّي مَا شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُصَلِّيَ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِهِ ، فَصَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَآهُمْ ، فَقَالَ : مَا أَجْلَسَكُمْ هُنَا هَذِهِ السَّاعَةَ ، فَقَالُوا : أَجْلَسَنَا نَتَحَدَّثُ ، فَقَالَ : لَتُخْبِرُنِّي . فَأَخْبَرُوهُ : فَقَالَ : أَمِنَ أَهْلِ الْأَرْضِ تَحْرُسُونِي أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ ؟ فَقَالُوا : نَحْنُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ أَنْ نَحْرُسَكَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ ، وَلَكِنْ نَحْرُسُكَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ . قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا ، فَإِنَّهُ إِذَا قُضِيَ الْأَمْرُ مِنَ السَّمَاءِ ، عَلِمَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَجِدُ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُوقِنَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ . 38783 - وَرَوَيْنَا أَنَّ النَّاسَ لَمَّا خَاضُوا فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ ، اجْتَمَعَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَرُفَيْعٌ أَبُو الْعَالِيَةِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ نَنْظُرْ فِي مَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ، فَقَعَدَا ، وَنَظَرَا ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمَا أَنَّهُ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ، وَأَنَّهُ مَجْزِيٌّ بِعَمَلِهِ . 38784 - وَرَوَيْنَا عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : مَا يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلِمَ عِلْمًا ، فَجَعَلَهُ كِتَابًا . 38785 - أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَارِسِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ : انْحَدَرَ عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ يَوْمًا مِنْ دَرَجَتِهِ ، وَقَوْمٌ يَتَجَادَلُونَ فِي الْقَدَرِ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِمَّا أَنْ تَقُومُوا عَنَّا ، وَإِمَّا أَنْ تُجَاوِرُونَا بِخَيْرٍ ، ثُمَّ قَالَ : لَأَنْ يَلْقَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ . 38786 - قَالَ : وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ يَقُولُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَأَعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ ، وَأَنْ لَا مَشِيئَةَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 38787 - قَالَ الرَّبِيعُ : قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ الْقَدَرِيِّ ، وَإِنِّي أَكْرَهُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ . 38788 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُيَيْنَةُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : قَالَ بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ : مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ؟ قَالَ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ . 38789 - وَرَوَيْنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُطَالِبُ خَلْقَهُ بِمَا قَضَى عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ يُطَالِبُهُمْ بِمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَأَمَرَهُمْ بِهِ ، فَطَالِبْ نَفْسَكَ مِنْ حَيْثُ يُطَالِبُكَ رَبُّكَ . 38790 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ ، فَهُوَ خُصُوصٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ وَمِنْ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عَلَى آدَمَ ، وَبَعْدَ أَنْ تَلَقَّى مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ، فَتَابَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ فِي أَكْلِ الشَّجَرَةِ . 38791 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ حُجَّةً إِذَا أَتَى مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِ ، أَنْ يَحْتَجَّ بِمِثْلِ هَذَا فَيَقُولُ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ قَتَلْتُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ أَقْتُلَ ، وَتَلُومُنِي فِي أَنْ أَسْرِقَ ، أَوْ أَزْنِيَ ، أَوْ أَظْلِمَ ، أَوْ أَجُورَ ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ عَلَيَّ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ . 38792 - وَهَذَا مَا لَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ حُجَّةً لِنَفْسِهِ . 38793 - وَالْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزُ لَوْمُ مَنْ أَتَى مَا يُلَامُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِي ربه ، وَذَمُّهُ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى حَمْدِ مَنْ أَطَاعَ رَبَّهُ ، وَأَتَى مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْمُودَةِ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ . 38794 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ آدَمَ لِمُوسَى بَعْدَ أَنْ تِيبَ عَلَى آدَمَ . 38795 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْتِقَاءُ آدَمَ وَمُوسَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَهُوَ حَيٌّ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا الْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا ، وَعَلِمَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا يَعْلَمُ بِهِ خَبَرَ السَّمَاءِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ . 38796 - وَهَذَا وَمِثْلُهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ فِيهِ التَّكْيِيفُ ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّسْلِيمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
شرح الزرقاني على الموطأباب النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ · ص 381 46 - كتاب القدر 1 - باب النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ 1612 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، قَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ 46 - كِتَابُ الْقَدَرِ 1 - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ ، قَالَ الرَّاغِبُ : هُوَ التَّقْدِيرُ وَالْقَضَاءُ هُوَ التَّفْصِيلُ وَالْقَطْعُ ، فَالْقَضَاءُ أَخَصُّ مِنَ الْقَدَرِ لِأَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ فَالْقَدَرُ كَالْأَسَاسِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَدَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَدِّ لِلْكَيْلِ ، وَالْقَضَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ . قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ : قَدَّرَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ ، أَيْ : عَلِمَ مَقَادِيرَهَا وَأَحْوَالَهَا وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ إِيجَادِهَا ثُمَّ أَوْجَدَ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ ، فَلَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ دُونَ خَلْقِهِ ، وَإِنَّ خَلْقَهُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا إِلَّا نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَمُحَاوَلَةٌ وَنِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ ، وَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ وَبِقُدْرَتِهِ وَإِلْهَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ . قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : سَبِيلُ مَعْرِفَةِ هَذَا الْبَابِ التَّوْقِيفُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ مَحْضِ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ ، فَمَنْ عَدَلَ عَنِ التَّوْقِيفِ ضَلَّ وَتَاهَ فِي بِحَارِ الْحَيْرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ شِفَاءً وَلَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ ؛ لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى اخْتُصَّ بِهِ الْخَبِيرُ الْعَلِيمُ وَضَرَبَ دُونَهُ الْأَسْتَارَ ، وَحَجَبَهُ عَنْ عُقُولِ الْخَلْقِ وَمَعَارِفِهِمْ لِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ ، فَلَمْ يَعْلَمْهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَقِيلَ : الْقَدَرُ يَنْكَشِفُ لَهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَلَا يَنْكَشِفُ قَبْلَ دُخُولِهَا . 1660 1612 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحَاجَّ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْجِيمِ أَصْلُهُ تَحَاجَجَ بِجِيمَيْنِ أُدْغِمَتْ أُولَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ( آدَمُ وَمُوسَى ) أَيْ : ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّتَهُ ، قَالَ الْقَابِسِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ أَوَّلَ مَا مَاتَ مُوسَى فَتَحَاجَّا . قَالَ عِيَاضٌ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمَا فَاجْتَمَعَا فَتَحَاجَّا بِأَشْخَاصِهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْإِسْرَاءِ ، وَقِيلَ : كَانَ هَذَا فِي حَيَاةِ مُوسَى وَأَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَهُ آدَمَ فَأَجَابَهُ . ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ أَثَرًا أَنَّ مُوسَى قَالَ : رَبِّ ، أَبُونَا آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَرِنِيهِ ، فَأَرَاهُ إِيَّاهُ ( فَحَجَّ آدَمُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ ( مُوسَى ) فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٌ ، أَيْ : غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ ( قَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ : عَرَّضْتَهُمْ لِلْإِغْوَاءِ لَمَّا كُنْتَ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : أَيْ : أَنْتَ السَّبَبُ فِي إِخْرَاجِهِمْ وَتَعْرِيضِهِمْ لِإِغْوَاءِ الشَّيْطَانِ ( وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) دَارِ النَّعِيمِ وَالْخُلُودِ إِلَى دَارِ الْبُؤْسِ وَالْفَنَاءِ . وَفِيهِ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَةِ ، فَيَرُدُّ قَوْلَ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّهَا غَيْرُهَا . قَالَ الْأُبِّيُّ : كَأَنَّ مُوسَى جَوَّزَ الْوِلَادَةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّهَا مَشَقَّةٌ لِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ مَشَقَّةٌ فِي الدُّنْيَا ، وَقَدْ قِيلَ فِي هَابِيلَ أَنَّهُ مِنْ حَمْلِ الْجَنَّةِ . وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُولَدُ لَهُ الْوَلَدُ كَمَا يَشْتَهِي وَيَكُونُ حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ وَشَبَابُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى : يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ : أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ثُمَّ أُهْبِطَ النَّاسُ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ ؟ ( فَقَالَ لَهُ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ) قَالَ عِيَاضٌ : عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، أَيْ : مِمَّا عَلَّمَكَ وَيُحْتَمَلُ مِمَّا عَلَّمَهُ الْبَشَرَ ( وَاصْطَفَاهُ ) اخْتَارَهُ ( عَلَى النَّاسِ ) أَهْلِ زَمَانِهِ ( بِرِسَالَتِهِ ) بِالْإِفْرَادِ وَقُرِئَتِ الْآيَةُ بِهِ وَبِالْجَمْعِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلصَّحِيحَيْنِ : اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ وَفِي أُخْرَى : اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ ، فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ( قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ ) بِشَدِّ الدَّالِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ( عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ ) فَحَجَّهُ بِذَلِكَ بِأَنْ أَلْزَمَهُ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَرْكِهِ بَلْ كَانَ قَدَرًا مِنَ اللَّهِ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهِ ، أَيْ : أَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَهُ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ كَوْنِي وَحَكَمَ بِأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَكَيْفَ تَغْفُلُ عَنِ الْعِلْمِ السَّابِقِ وَتَذْكُرُ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ وَتَنْسَى الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ سِرَّ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَسْتَارِ ؟ وَهَذِهِ الْمُحَاجَّةُ لَمْ تَكُنْ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالِاكْتِسَابِ وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ مُلْتَقَى الْأَرْوَاحِ ، وَاللَّوْمُ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَا دَامَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ ، أَمَّا بَعْدَهَا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلِذَا عَدَلَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ ، فَالتَّائِبُ لَا يُلَامُ عَلَى مَا تِيبَ عَلَيْهِ مِنْهُ لَا سِيَّمَا إِذَا انْتَقَلَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ ؟ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ وَجَمَعَ بِحَمْلِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ وَالْأُخْرَى عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : الْأَرْبَعِينَ مَثَلٌ خَلْقُهُ تَارِيخٌ مَحْدُودٌ وَقَضَاءُ اللَّهِ الْكَائِنَاتِ وَإِرَادَتُهُ أَزَلِيٌّ ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْأَرْبَعِينَ عَلَى أَنَّهُ أَظْهَرَ قَضَاءَهُ بِذَلِكَ لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مَا أَضَافَ إِلَيْهِ هَذَا التَّارِيخَ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ : بِقَدَرٍ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَلَا تَرَاهُ . قَالَ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ : فَكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : بِأَرْبَعِينَ . فَإِنْ قِيلَ : مَعْنَى التَّحَاجِّ ذِكْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ حُجَّتَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُحَاجَّةُ وَهُوَ هُنَا اللَّوْمُ فَمُوسَى أَثْبَتَهُ وَآدَمُ نَفَاهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ بِشَيْءٍ سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ ، وَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّمَا ذَكَرَ الدَّعْوَى وَلَمْ يَذْكُرْ حُجَّةً . أَجَابَ الْأَبِّيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَنْتَ أَبُونَا حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ مَحَلُّ الشَّفَقَةِ ، وَهِيَ تَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ مَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَالْبَاجِيُّ : لَيْسَ مَا سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ يَرْفَعُ الْمَلَامَةَ عَنِ الْبَشَرِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ قُدِّرَ عَلَيَّ وَتُبْتُ مِنْهُ وَالتَّائِبُ لَا يُلَامُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّ آدَمَ أَبُوهُ وَلَمْ يُشْرَعْ لِلِابْنِ لَوْمُ الْأَبِ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ تِلْكَ الْأَكْلَةَ سَبَبًا لِهُبُوطِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَسُكْنَاهُ بِهَا وَنَشْرِ ذُرِّيَّتِهِ فِيهَا وَتَكْلِيفِهِمْ لِيُرَتِّبَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَيْهِمْ ، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ وَقَدْ فَعَلَ سَبَبَهُ فَفِيمَ اللَّوْمُ ؟ وَقِيلَ : إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّ تَرْتِيبَ اللَّوْمِ عَلَى الذَّمِّ لَيْسَ أَمْرًا عَقْلِيًّا لَا يَنْفَكُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ ، فَإِذَا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ فَقَدْ رَفَعَ عَنْهُ اللَّوْمَ فَمَنْ لَامَ فِيهِ مَحْجُوجٌ مَغْلُوبٌ بِالشَّرْعِ . وَقِيلَ : لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُبْ لَوْمَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ . وَمَبَاحِثُهَا إِنَّمَا هِيَ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ آدَمَ سَبَبٌ إِلَّا قَضَاءَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ ؛ وَلِذَا قال المصطفى : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ؛ وَلِذَا قَالَ آدَمُ : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ وَذَكَرَ فَضَائِلَهُ ، أَيْ : كَمَا قَضَى تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ وَنَفَّذَهُ فِيكَ ، كَذَلِكَ قَضَى عَلَيَّ فِيمَا فَعَلْتُ وَنَفَّذَهُ فِيَّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .