1708 حَدِيثٌ حَادٍ وَثَلَاثُونَ لِنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً ، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ; يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطِطٍ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَفِي اشْتِقَاقِ اسْمِهِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الأنباري لِأَهْلِ اللُّغَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ، أَحَدُهَا : أَنَّهُ قِيلَ لَهُ مَسِيحٌ لِسِيَاحَتِهِ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ فَعِيلٌ مِنْ مَسْحِ الْأَرْضِ ، أَيْ مِنْ قَطْعِهَا بِالسِّيَاحَةِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ : مَسِيحٌ عَلَى وَزْنِ مَفْعِلٌ ، فَأُسْكِنَتِ الْيَاءُ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى السِّينِ لِاسْتِثْقَالِهِمُ الْكَسْرَةَ عَلَى الْيَاءِ ; وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَسِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الرِّجْلِ ، لَيْسَ لِرِجْلِهِ أَخْمَصُ ، وَالْأَخْمَصُ : مَا لَا يَمَسُّ الْأَرْضَ مِنْ بَاطِنِ الرِّجُلِ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ مَسِيحًا ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ مَسِيحًا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، وَقِيلَ : الْمَسِيحُ : الصِّدِّيقُ . وَأَمَّا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ، فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَسِيحٌ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ ، وَقَطْعِهِ لَهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، ( وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَمْسُوحَ الْأَخْمَصِ أَيْضًا ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ، لَفْظُهُمَا وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ يَقُولُ فِي الدَّجَّالِ الْمِسِيحَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالسِّينِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِالْخَاءِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأٌ ، ( قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقُيَاتِ : وَقَالُوا دَعْ رُقَيَّةَ وَاخْسَئَنْهَا فَقُلْتُ لَهُمْ إِذَا خَرَجَ الْمَسِيحُ ، يُرِيدُ إِذَا خَرَجَ الدَّجَّالُ ، هَكَذَا فَسَرُّوهُ ; وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي نُزُولُ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُمْ بِالدَّجَّالِ شَرَحُوا قَوْلَهُ هَذَا ، وَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، لَيْسَ مَعْنَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَوَّلُ هَذَا الشِّعْرِ : أَتَبْكِي عَنْ رُقَيَّةَ أَمْ تَنُوحُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ رَأَى الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَرَأَى الدَّجَّالَ ، وَوَصَفَهُمَا عَلَى حَسَبِ صُوَرِهِمَا - وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحَيٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا . ( فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ عِيسَى سَيَنْزِلُ عَلَى مَا فِي الْآثَارِ وَسَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ) وَفِيهِ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِنْ سُنَنِ النَّبِيئينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَالْآثَارُ فِي نُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَحَجُّهُ الْبَيْتَ وَطَوَافُهُ ثَابِتَةٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ حَجَّ الْبَيْتَ فِيمَا زَعَمُوا آدَمُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ قَبْلَ رَفْعِ إِبْرَاهِيمَ قَوَاعِدَهُ وَبَعْدَ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : رَجُلًا آدَمَ فَالْآدَمُ : الْأَسْمَرُ الَّذِي عَلَاهُ شَيْءٌ مِنْ سَوَادٍ قَلِيلًا ، وَالْأُدْمَةُ لَوْنُ الْعَرَبِ فِي الرِّجَالِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْأَبْيَضِ مِنَ الْإِبِلِ الْآدَمُ ، وَالْآدَمُ عِنْدَهُمْ مِنَ الظِّبَاءِ الَّذِي هُوَ لَوْنُ التُّرَابِ ، وَاللِّمَّةُ الْجمَّةُ مِنَ الشَّعْرِ هِيَ أَكْمَلُ مِنَ الْوَفْرَةِ ، وَالْوَفْرَةُ مَا يَبْلُغُ الْأُذُنَيْنِ . وَقَوْلُهُ : قَدْ رَجَّلَهَا - يَعْنِي قَدْ مَشَّطَهَا بَعْدَ أَنْ بَلَّهَا ، وَقَوْلُهُ : فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مِنَ الِاسْتِعَارَةِ الْعَجِيبَةِ وَالْكَلَامِ الْبَدِيعِ ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ : أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ، شَكٌّ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَا شَكٌّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي صِفَةِ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَحْمَرُ جَعْدٌ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ عِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ ; وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ ، وَذَكَرَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ قَالَ : أُرِيَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ; قَالَ : فَذَكَرَ عِيسَى أَبْيَضَ نَحِيفً مُبْطنً ; كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ بِعِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا صِفَةُ الدَّجَّالِ فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَرَوَى جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَقِيَّةَ ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ جُنَادَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ ( أَحَادِيثِ ) الشَّامِيِّينَ ; وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حَدِيثُ الْجَسَّاسَةِ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ : أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ خَلْقًا ، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا ، وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي ذَلِكَ : فَإِذَا رَجُلٌ يَجُرُّ شَعْرَهُ ، مُسَلْسَلٌ فِي الْأَغْلَالِ ، يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . وَالْآثَارُ مُخْتَلِفَةٌ فِي نُتُوء عَيْنِهِ ، وَفِي أَيِّ عَيْنَيْهِ هِيَ الْعَوْرَاءُ ; وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَذَكرَ الْبُخَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعْرِ ، يُنَطِّفُ أَوْ يَهْرَاقُ رَأْسَهُ مَاءً ; قُلْتُ : مَنْ هُوَ ؟ قَالُوا : ابْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَالْتَفَتُّ ، فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ; قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : الدَّجَّالُ . وَإِذَا أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : جَعْدٌ قَطَطٌ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ ، فَالْقَطَطُ هُوَ الْمُتَكَسِّرُ الشَّعْرِ ، الْمُلْتَوِي الشَّعْرِ ، الَّذِي لَا يَسْتَرْسِلُ شَعْرُهُ أَلْبَتَّةَ ، مِثْلُ شَعْرِ الْحَبَشِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي الظَّاهِرَةَ الْمُمْتَلِئَةَ الْمُنْتَفِخَةَ ، يَقُولُ : إِنَّهَا قَدْ طَفَتْ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا يَطْفُو الشَّيْءُ عَلَى الْمَاءِ ، أَيْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ لِامْتِلَائِهَا وَانْتِفَاخِهَا ; حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ ، وَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الشَّمَالِ ، عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ ، وَأَنَّهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ : أَنَا رَبُّكُمْ ; فَمَنْ قَالَ : أَنْتَ رَبِّي فَقَدْ فُتِنَ ، وَمَنْ قَالَ : رَبِّيَ اللَّهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ عُصِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ - وَلَا فِتْنَةَ عَلَيْهِ ، فَيَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَجِيءُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ - مُصَدِّقًا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى مِلَّتِهِ ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ، ثُمَّ إِنَّمَا هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الشِّمَالِ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، وَقَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيَّ حَدَّثَهُ ، أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَانَ سَائِحًا ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمَسِيحَ ; قَالَ : كَانَ لَيُمْسِيَ بِأَرْضٍ ، وَيُصْبِحُ بِأَرْضٍ أُخْرَى ، وَإِنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ ، وَلَمْ يَرْفَعْ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ ، وَلَا لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ ، وَإِنَّهُ كَانَ يَجْتَابُ الْعَبَاءَةَ ثُمَّ يَتَدَرَّعُهَا ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الَّذِي أَرْغَمْتُ الدُّنْيَا ، وَإِنَّهُ لَمَّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي رُفِعَ فِيهَا ، أَتَى بِفِطْرِهِ عِنْدَ اللَّيْلِ : خُبْزُ الشَّعِيرِ الْيَابِسِ ، وَالْمَاءُ الْقِرَاحِ ; فَقَالُوا : أَفْطِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ إِنَّنِي مَرْفُوعٌ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، فَمَا أَدْرِي مَا يَفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُفَارِقُنَا فَأَوْصِنَا ، قَالَ : اعْلَمُوا أَنَّ حُلْوَ الدُّنْيَا مُرَّ الْآخِرَةِ ، عَلَيْكُمْ بِحَشَرَاتِ الْأَرْضِ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَثِيَابِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ ، وَظِلِّ الشَّجَرِ ، وَفَيْءِ الْجَدَرَاتِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ حُلْوَ الدُّنْيَا مُرُّ الْآخِرَةِ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ انْتَهَى إِلَى قَرْيَةٍ قَدْ خَرِبَتْ حُصُونُهَا ، وَجَفَّتْ أَنْهَارُهَا ، وَيَبِسَتْ أَشْجَارُهَا ; فَنَادَى : يَا خَرَابُ أَيْنَ أَهْلُكُ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ نَادَى : يَا خَرَابُ أَيْنَ أَهْلُكَ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ ، فَنُودِيَ : عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، بَادُوا وَتَضَمَّنَتْهُمُ الْأَرْضُ ، وَعَادَتْ أَعْمَالُهُمْ قَلَائِدَ فِي رِقَابِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ جد . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ أَنَّ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَصْبَحَ كُلُّ صَنَمٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ ، قَالَ : فَأَقْبَلَتِ الشَّيَاطِينُ تَضْرِبُ وُجُوهَهَا ، وَتَنْتِفُ لِحَاهَا ، فَقَالُوا : يَا أَبَانَا لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ ، فَقَالَ : وَمَا ذَلِكَ ؟ قَالُوا : مَا كَانَ مِنْ صَنَمٍ يُضَلُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا أَصْبَحَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ . قَالَ : فَانْظُرُونِي حَتَّى أَنْظُرَ ، قَالَ : فَأَخَذَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ ، ثُمَّ هَاهُنَا حَتَّى بَلَغَ الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ هَاهُنَا حَتَّى لَا يَرَى ، ثُمَّ هَاهُنَا حَتَّى لَا يَرَى ; ثُمَّ هَبَطَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي تَخَافُونَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ بَعْدُ ، وَلَكِنَّ هَذَا شَيْءٌ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ ، فَانْظُرُونِي حَتَّى أَنْظُرَ ، فَأَخَذَ هَاهُنَا أَيْضًا حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ ، وَهَاهُنَا حَتَّى بَلَغَ الْمَغْرِبَ ، وَهَاهُنَا حَتَّى لَا يَرَى ، وَهَاهُنَا حَتَّى لَا يَرَى ، ثُمَّ احْتَبَسَ عَنْهُمْ هُنَيْهَةً ثُمَّ جَاءَهُمْ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ ؟ قَالُوا : لَا قَالَ : فَإِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ وُلِدَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَإِنِّي أَرَدْتُ الدُّخُولَ فَوَجَدَتِ الْمَلَائِكَةَ قَدْ حَرَسُوهُ ، وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ دَعْوَةُ الطَّيِّبَةِ قَوْلُهَا وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَضَعْتُ أُصْبُعِي عَلَيْهِ ، فَالصَّغْوُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ تَحْتَ أُمِّهِ ، فَتِلْكَ أُصْبُعِي حِينَ أَضَعُهَا عَلَيْهِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَهَا عَلَى عِيسَى فَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ دَعْوَةُ الطَّيِّبَةِ ، فَوَإِلَهِ عِيسَى لِأُضِلَّنَّ بِهِ النَّاسَ ضَلَالًا لَا أُضِلُّهُمْ بِأَحَدٍ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ أَحَدٍ يَكُونُ بَعْدَهُ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ أَبُو صَخْرٍ : فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فَقَالَ : أَيُّ الرَّقَاشِيِّينَ حَدَّثَكَ بِهَذَا ؟ فَقُلْتُ : يَزِيدُ ، قَالَ : هَلُمَّ حَدِّثْنِيهِ فَلَمَّا حَدَّثْتُهُ ، قَالَ : أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ؟ قُلْتُ : بَلَى قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا فِي أُمَّةٍ إِلَّا جَاءَ عَلَى رِجْلِهِ الْبَلَاءُ : إِمْسَاكُ الْمَطَرِ ، وَالشِّدَّةُ ، حَتَّى كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ; فَلَمَّا وُلِدَ جَاءَ عَلَى رِجْلِهِ الرَّخَاءُ : فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ ، وَأَخْصَبَتِ الْأَرْضُ ، وَفَتَحَ لَهُ الْبَرَكَاتِ ، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَكَلَّمَ الْمَوْتَى ، وَأَحْيَاهُمْ ، وَخَلَقَ مِنَ الطِّينِ طُيُورًا ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ ثُمَّ عُمِّرَ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَمِّرَ ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ : إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ ، فَدَخَلَ بَيْتًا وَجَمَعَ فِيهِ حَوَارِيَّهُ ثُمَّ قَالَ : إِنِ اللَّهَ رَافِعِي إِلَيْهِ ، فَأَيُّكُمْ يَتَشَبَّهُ بِي ، فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا ، قَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَأَنْ تَبَرُّوا مَنْ قَطَعَكُمْ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا الْحَقَّ إِلَى مَنْ مَنَعَهُ مِنْكُمْ ، وَلَا تُكَافِئُوا النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ . فَضُرِبَ الْبَابُ ، وَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَقُتِلَ الرَّجُلُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا فَاجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فُقَهَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ ، فَقَالُوا : أَلَا تَقُومُونَ فَتَنْظُرُونَ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا الَّذِي كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى فَاخْتَارُوا الْخِيَارَ النَّقَّادَةَ لَا يَأْلُونَ خَمْسِينَ رَجُلًا . ثُمَّ اخْتَارُوا مِنَ الْخَمْسِينَ عَشَرَةً ، ثُمَّ اخْتَارُوا مِنَ الْعَشَرَةِ أَرْبَعَةً ، فَدَخَلُوا بَيْتًا فَقَالُوا : أَنْتُمْ سَادَتُنَا وَخِيَارُنَا ، فَيَنْظُرُ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِرَأْيِهِ ، فَإِنَّمَا نَحْنُ تَبَعٌ لَكُمْ ، فَأَخَذُوا شَيْخًا ، وَآخَرَ دُونَ الشَّيْخِ فِي السَّنِّ ، وَآخَرَ دُونَهُ فِي السِّنِّ ، وَفَتًى شَابًّا حِينَ اسْتَوَى شَبَابُهُ ، فَبَدَأُوا بِالشَّيْخِ لِسِنِّهِ فَقَالَ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى غَيْرُ اللَّهِ ، أَوْ يُبْرئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّ هَذَا اللَّهَ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنَّ يَرْتَفِعَ فَارْتَفَعَ ; قَالَ الْآخَرُ : هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : لَا أَقُولُ مِثْلَ مَا قُلْتَ ; هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ؟ وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيَخْلُقُ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالُوا : لَا قَالَ : هَذَا ابْنُهُ عَلَّمَهُ مِنْ خَلَائِقِهِ مَا شَاءَ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ فَرَفَعَهُ . قَالَ الثَّالِثُ : هَلْ عِنْدَكُمَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَا : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أَقُولُ كَمَا قُلْتُمَا ، وَلَكِنْ هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا خُلِقَ مِنْ غَيْرِ نُطْفَةٍ إِلَّا آدَمَ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّهُ لُغَيَّةٌ ، فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أَقُولُ كَمَا قُلْتُمْ ، وَأَشْهَدُ مَا هُوَ بِاللَّهِ ، وَلَا وَلَدِ اللَّهِ ، وَلَا لُغَيَّةٍ ; وَلَكِنْ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، فَقَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ ( فَاسْتَوَى ) ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى قَوْمِهِمْ - وَهُمْ جُلُوسٌ فَقَالُوا : مَاذَا قُلْتُمْ ؟ فَقَالَ الْكَبِيرُ : قُلْتُ : هُوَ اللَّهُ ، فَاتَّبَعَتْهُ فِرْقَةٌ ، ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ : هُوَ وَلَدُ اللَّهِ ، فَتَبِعَتْهُ فِرْقَةٌ ، ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ : هُوَ لَغَيَّةٌ ، فَاتَّبَعَتْهُ فِرْقَةٌ ، وَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، فَاتَّبَعَتْهُ فِرْقَةٌ ، فَقَالُوا : كَيْفَ نَعِيشُ وَهَذَا مَعَنَا ؟ فَاقْتُلُوهُ ، فَقُتِلَ الْفَتَى وَمِنْ مَعَهُ ، قَالَ : فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ وَقَالَ تَعَالَى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ( وَقَالَ ) : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ وَقَالَ : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا هُوَ لَغَيَّةٌ ، قَالَ : و مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ فَهَذَا الشَّابُّ وَأَصْحَابُهُ الْأُمَّةُ الْمُقْتَصِدَةُ . قَالَ أَبُو صَخْرٍ : وَقَالَ لِي الْقُرَظِيُّ : أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ مِنَ الْمُقْتَصِدَةِ . وَأَمَّا سِنُّ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ أَنَّ عُمْرَهُ كَانَ مِثْلَي عُمْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ رُوِيَ مِنْ حَدِيثٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي قَصَدْنَاهُ مِنْهُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ : أَخْبَرَنَاه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْدَلُسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْتِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا وَفَاطِمَةُ ، فَنَاجَى فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ : قَالَ لِي : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ نِصْفُ عُمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ بَلَغْتُ نِصْفَ عُمْرِ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَبَكَيْتُ ، وَقَالَ أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ . قَالَ : وَأَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ . وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عِيسَى عَاشَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ ، وَابْنِ نَافِعٍ مِنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْعُتْبِي ، قَالَ مَالِكٌ : كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَقُولُ : يَا ابْنَ الثَّلَاثِينَ مَضَتِ الثَّلَاثُونَ فَمَاذَا تَنْتَظِرُ ؟ قَالَ : وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مَاتَ وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ مَوْت وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَاشَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ ، أَيْ عَاشَ فِي قَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : كَانَ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ نِصْفُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَوْلُهُ : عَاشَ نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، أَيْ عَاشَ فِي قَوْمِهِ ، وَكَانَ فِي قَوْمِهِ ، أَوْ فِي الْأَرْضِ ، وَنَحْوَ هَذَا ; وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نُزُولِهِ وَقَتْلِهِ الدَّجَّالَ وَحَجِّهِ الْبَيْتَ بِأَسَانِيدَ لَا مَطْعَنَ فِيهَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى أَظُنُّهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ ، وَأَنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ ، رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ ، فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ، وَتَهْلِكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ ، وَيَهْلِكُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ السَّكَنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عِلَّاتٍ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا . وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ ذَكَرَ الدَّجَّالَ ، وَذَكَرَ مُكْثَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ : يَنْزِلُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بِشَرْقِيِّ دِمَشْقَ ، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ ، فَيَقْتُلُهُ . وَمِنْ صَحِيحِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فيكم ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ الْآيَةَ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ صَاحِبُ مَالِكٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : يُدْفَنُ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَاحِبَيْهِ ثَمَّ مَوْضِعُ قَبْرٍ رَابِعٍ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَرَادَ إِنِّي رَافِعُكَ ، وَمُتَوَفِّيكَ ; قَالُوا : وَهَذَا جَائِزٌ فِي الْوَاوِ ، وَالْمَعْنَى عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٌ : مُتَوَفِّيكَ قَابِضُكَ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ ، مِثْلُ تَوَفَّيْتُ الْمَالَ وَاسْتَوْفَيْتُهُ أَيْ قَبَضْتُهُ ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَعْنِي : وَفَاةَ مَنَامٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَهُ فِي مَنَامِهِ . وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مُتَوَفِّيكَ أَيْ مُمِيتُكَ ، وَقَالَ وَهْبٌ : تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مُتَوَفِّيكَ قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ ، لِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ نُزُولِهِ ; وَإِذَا حُمِلَتْ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، أَيْ رَافِعُكَ وَمُمِيتُكَ ، لَمْ يَكُنْ بِخِلَافٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ : قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، هَذِهِ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَبْلَ مَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِ الْكِتَابِ ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ ؟ فَقَالَ : وَإِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : رُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ وَخُفَّا رَاعٍ ، وَحَذَّافَةٍ يَحْذِفُ بِهَا الطَّيْرَ وَهَذَا لَا أَدْرِي مَا هُوَ ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَتْ تِلْكَ هَيْئَتَهُ وَلِبَاسَهُ إِلَى أَنْ رُفِعَ ، وَرُفِعَ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ بَعْدُ ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْخَبَرِ رَفْعُهُ حَيًّا لَا غَيْرَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَذَكَرَ سُنَيْدٍ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ قَالَ : صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْسَبُونَهُ إِيَّاهُ ، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى حَيًّا ، قَالَ سُنَيْدٌ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قَالَ : قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَحَيٌّ - الْآنَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ إِذَا نَزَلَ ، آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : الْآيَةُ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ خَاصَّةً فِي أَهْلِ زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ - دُونَ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رِجُلًا آدَمَ · ص 187 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر في صفة المسيح وفي صفة الدجال · ص 232 1708 ( 2 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالدَّجَّالِ 1709 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ، لَهُ لُمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً ، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ، يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ ، فَسَأَلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بَرْجَلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى . كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ . 39396 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي لَفْظِهِ . 39397 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 39398 - وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي صِفَةِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ ، وَقَالَ : ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ ، فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ ، جَعْدُ الرَّأْسِ ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ، قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : الدَّجَّالُ ، وَإِذَا أَقْرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بِهِ ابْنُ قَطَنٍ ، رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ . 39399 - وَفِي حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ : قَصِيرٌ أَفْحَجُ ، جَعْدٌ ، أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ . 39400 - وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، حَدِيثُ الْجَسَّاسَةِ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ : أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ خَلْقًا ، وَأَشَدُّهُ وَثَاقًا . 39401 - وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي ذَلِكَ : فَإِذَا رَجُلٌ يَجُرُّ شَعْرَهُ مُسَلْسَلٌ فِي الْأَغْلَالِ ، يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . 39402 - وَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ ثَابِتَةٌ صِحَاحٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَالنَّقْلِ . 39403 - وَالْآثَارُ مُخْتَلِفَةٌ فِي نُتُوءِ عَيْنِهِ ، وَفِي أَيِّ عَيْنَيْهِ هِيَ الْعَوْرَاءُ ؟ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ أَعْوَرُ . 39404 - وَالْعِنَبَةُ الطَّافِيَةُ الْمُمْتَلِئَةُ الْمُنْتَفِخَةُ الَّتِي طَفَتْ عَلَى وَجْهِهِ . 39405 - وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ كَمَا رَآهُ فِي مَنَامِهِ ، وَرُؤْيَاهُ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهُ وَحْيٌ ، وَوَصَفَ عِيسَى بِأَنَّهُ آدَمُ ، وَالْأُدْمَةُ لَوْنُ الْعَرَبِ وَهِيَ السُّمْرَةُ فِي الرِّجَالِ . 39406 - وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلْأَبْيَضِ مِنَ الْإِبِلِ : الْآدَمُ . وَالْآدَمُ مِنَ الظِّبَاءِ عِنْدَهُمْ هُوَ لَوْنُ التُّرَابِ وَاللَّمَّةِ : وَاللَّمَّةُ هِيَ أَكْمَلُ مِنَ الْوَفْرَةِ ، وَالْوَفْرَةُ مَا بَلَغَتِ الْأُذُنَيْنِ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ . 39407 - وَرَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ أَحْمَرُ ، جَعْدٌ ، عَرِيضُ الصَّدْرِ . 39408 - وَالْأَحْمَرُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْأَبْيَضُ . 39409 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ . 39410 - وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ : أُرِيَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فَذَكَرَ أَنَّ عِيسَى رَجُلٌ أَبْيَضُ ، نَحِيفٌ مُبَطَّنٌ ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ . 39411 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا هَاهُنَا فِي التَّمْهِيدِ بِأَسَانِيدِهَا وَمُتُونِهَا ، وَذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُنَاكَ فِي رَفْعِهِ ، وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ ، وَمَعْنَى تَوَفِّيهِ ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، وَقَتْلُهُ لِلدَّجَّالِ ، بِبَابِ لُدٍّ بَعْدَ نُزُولِهِ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بِدِمَشْقَ أَخْبَارًا حِسَانًا ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 39412 - وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُصَدِّقُونَ بِنُزُولِ عِيسَى فِي الْآثَارِ الثَّابِتَةِ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِ . 39413 - وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيُهِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا . 39414 - وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَتَكُونُ الدَّعْوَةُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . 39415 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ وَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الشِّمَالِ ، عَلَيْهَا ظِفْرَةٌ غَلِيظَةٌ ، وَإِنَّهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَمَنْ قَالَ : أَنْتَ رَبِّي ، فَقَدْ فُتِنَ ، وَمَنْ قَالَ : رَبِّيَ اللَّهُ ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ عُصِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ ، وَلَا فِتْنَةَ عَلَيْهِ ، فَيَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَجِيءُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ مُصَدِّقًا لِمُحَمَّدٍ ، وَعَلَى مِلَّتِهِ ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ، ثُمَّ إِنَّمَا هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ . 39416 - فَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ هَذَا : أَعْوَرُ الْعَيْنِ الشِّمَالِ . 39417 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى . فَاللَّهُ أَعْلَمُ . 39418 - وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : عَيْنُ الدَّجَّالِ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ . يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ ما جاء في صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالدَّجَّالِ · ص 444 2 - بَابُ ما جاء في صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام وَالدَّجَّالِ 1658 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ، يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَسَأَلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ، فَسَأَلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ . 2 - بَابُ صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالدَّجَّالِ 1708 1658 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَرَانِي ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ ، أَيْ : أَرَى نَفْسِيَ ( اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ) فِي الْمَنَامِ ( فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ ) بِالْمَدِّ اسْمٌ ( كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ وَالْأَحْمَرُ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ مَعَ الْحُمْرَةِ ، وَالْآدَمُ الْأَسْمَرُ ، وَجُمِعَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنَّهُ احْمَرَّ لَوْنُهُ بِسَبَبٍ كَالتَّعَبِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَسْمَرُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَأَنَّ الْأُدْمَةَ تَصِيرُ سُمْرَةً تَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ وَهُوَ غَالِبُ أَلْوَانِ الْعَرَبِ ، وَبِهِ تُجْمَعُ الرِّوَايَتَانِ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِيسَى : أَحْمَرُ ، وَلَكِنْ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ الْحَدِيثَ . قَالَ الْحَافِظُ : أَقْسَمَ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ الْوَصْفَ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ أَحْمَرُ إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّالُ لَا عِيسَى ، وَقَرُبَ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ ، صِفَةُ مَدْحٍ لِعِيسَى وَذَمٍّ لِلدَّجَّالِ ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ ذَلِكَ جَزْمًا فِي وَصْفِ عِيسَى أَنَّهُ آدَمُ فَسَاغَ لَهُ الْحَلِفُ لِغَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ بِأَحْمَرَ فَقَدْ وَهِمَ ، لَكِنْ قَدْ وَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّ عِيسَى أَحْمَرُ فَظَهَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَنْكَرَ شَيْئًا حَفِظَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا . وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ : رِوَايَةُ مَنْ قَالَ : آدَمُ - أَثْبَتُ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ اتِّفَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مُخَالَفَةِ ابْنِ عُمَرَ . ( لَهُ لِمَّةٌ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْمِيمِ : شَعْرٌ جَاوَزَ شَحْمَةَ الْأُذُنَيْنِ وَأَلَمَّ بِالْمَنْكِبَيْنِ فَإِنْ جَاوَزَهُمَا فَجُمَّةٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِنْ قَصُرَ عَنْهَا فَوَفْرَةٌ ( كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ ) جَمْعُ لِمَّةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ : تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ ( قَدْ رَجَّلَهَا ) أَيْ : سَرَّحَهَا ( فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً ) مِنَ الْمَاءِ الَّذِي سَرَّحَهَا بِهِ أَوْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ كَنَّى بِهَا عَنْ مَزِيدِ النَّظَافَةِ وَالنَّضَارَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعْرِ وَلَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ : جَعْدٌ ، وَالْجُعُودَةُ ضِدُّ السُّبُوطَةِ ، فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ سَبْطُ الشَّعْرِ جَعْدُ الْجِسْمِ وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُهُ وَاكْتِثَارُهُ ، وَهَذَا نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي لَوْنِهِ . ( مُتَّكِئًا ) حَالٌ ( عَلَى رَجُلَيْنِ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا ( أَوْ ) لِلشَّكِّ قَالَ ( عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ) جَمْعُ عَاتِقٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ( يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ ) حَالٌ ( فَسَأَلْتُ ) الْمَلَكَ ( مَنْ هَذَا ؟ ) الطَّائِفُ ( قِيلَ : هَذَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُشَدَّدُ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَصَحَّفَ مَنْ أَعْجَمَهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، أَوْ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، أَوْ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ ، أَوْ لِأَنَّ رِجْلَهُ لَا أُخْمُصَ لَهَا ، أَوْ لِلُبْسِهِ الْمُسُوحَ ، أَقْوَالٌ . وَقِيلَ : هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاسِحٌ فَعُرِّبَ الْمَسِيحَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الصِّدِّيقُ ( ثُمَّ إِذَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ شَعْرُهُ ( قَطَطٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُكْسَرُ ، أَيْ : شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ ( أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الْفَاءِ ، أَيْ : بَارِزَةٍ مِنْ طَفِئَ الشَّيْءُ يَطْفُو بِغَيْرِ هَمْزٍ إِذَا عَلَا عَلَى غَيْرِهِ ، شَبَّهَهَا بِالْعِنَبَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعُنْقُودِ بَارِزَةً عَنْ نَظَائِرِهَا وَبِالْهَمْزِ ، أَيْ : ذَهَبَ ضَوْءُهَا . قَالَ عِيَاضٌ : رَوَيْنَاهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا وَصَحَّحُوهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الْهَمْزِ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهَا ، وَيُصَحِّحُهَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ حَجْرَاءَ وَلَا نَاتِئَةً وَأَنَّهَا مَطْمُوسَةٌ ، وَهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إِذَا طُفِيَتْ وَزَالَ مَاؤُهَا ، وَيُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْيَاءِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ ، وَأَنَّهَا جَاحِظَةٌ ، وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ وَأَنَّهَا عَوْرَاءُ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ مَا صُحِّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الْيَاءِ يَكُونُ فِي عَيْنٍ ، وَمَا صُحِّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الْهَمْزِ يَكُونُ فِي الْأُخْرَى ، وَبِهِ أَيْضًا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرِّوَايَاتُ ، فَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعْوَرُ الْيُسْرَى لِأَنَّ الْعَوَرَ الْعَيْبُ وَكِلْتَا عَيْنَيْهِ مَعِيبَةٌ ، أَحَدُهُمَا بِالطَّمْسِ وَهِيَ الْيُمْنَى ، وَالْأُخْرَى بِالْبُرُوزِ ، انْتَهَى كَلَامُ عِيَاضٍ مُلَخَّصًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ : يَطُوفُ بِالْبَيْتِ . ( فَسَأَلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ) لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَنْ خَفَّفَهُ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ ، وَمَنْ شَدَّدَ فَلِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ ، أَيْ : فِي زَمَنِ خُرُوجِهِ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِي دُخُولِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي . وَهَذِهِ الرُّؤْيَا مَنَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ : رَأَيْتُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى وَذَكَرَ صِفَتَهُمْ . قَالَ عِيَاضٌ : رُؤْيَتُهُ لَهُمْ إِنْ كَانَ مَنَامًا فَلَا إِشْكَالَ وَإِنْ كَانَ يَقَظَةً فَمُشْكِلٌ ، وَيُقَوِّيهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُصَلُّوا وَيَحُجُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا مَا دَامَتِ الدُّنْيَا وَهِيَ دَارُ التَّكْلِيفِ بَاقِيَةً وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ حَالَهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِمْ ، فَمُثِّلُوا لَهُ كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ كَانَ حَجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ ، وَلِذَا قَالَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ ، فَلِذَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّثْنِيَةِ فِي رِوَايَةٍ وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ . وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ وَرَوَى فِيهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ : إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ وَمُحَمَّدٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ . وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا : أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَلَيْسَ الْأَخْذُ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَتْ حَيَاةُ الْأَنْبِيَاءِ ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَوَجْهُ إِشْكَالِهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ عَوْدَ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ يَقْتَضِي انْفِصَالَهَا عَنْهُ وَهُوَ الْمَوْتُ . وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ رُوحَهُ كَانَتْ سَابِقَةً عَقِبَ دَفْنِهِ لِأَنَّهَا تُعَادُ ثُمَّ تُنْزَعُ ثُمَّ تُعَادُ سَلَّمْنَا لَكِنْ لَيْسَ بِنَزْعِ مَوْتٍ بَلْ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ أَوِ النُّطْقُ ، فَتَجُوزُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ خِطَابِنَا بِمَا نَفْهَمُهُ وَبِأَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ فِي أُمُورِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ لِيُجِيبَ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ اسْتِلْزَامُ اسْتِغْرَاقِ الزَّمَانِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ لِاتِّصَالِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِمَّنْ لَا يُحْصَرُ كَثْرَةً . وَأُجِيبُ بِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَأَحْوَالُ الْبَرْزَخِ أَشْبَهُ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي الْإِيمَانِ عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَهُ طُرُقٌ .