1725 حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِإِسْحَاقَ ، عَنْ أَنَسٍ مُسْنَدٌ أَيْضًا مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ : لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا ثُمَّ لَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي ، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . قَالَ : فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : بِطَعَامٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ مَعَهُ : قُومُوا . فَانْطَلَقُوا ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ ، فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخَبْزِ ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عَكَّةً لَهَا ، فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ قَالَ : ائذن لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائذن لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائذن لِعَشَرَةٍ ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا ، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ أَثْبَتِ مَا يُرْوَى مِنَ الْحَدِيثِ وَأَحْسَنِهِ اتِّصَالًا ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ حَدِيثِ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي جَوَازِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى الصَّوْتِ ، وَقَالَ : لَمْ يَمْنَعْ أَبَا طَلْحَةَ ضَعْفُ صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - عَنْ تَمْيِيزِهِ لِعِلْمِهِ بِهِ ، فَكَذَلِكَ الْأَعْمَى إِذَا عَرَفَ الصَّوْتَ . وَعَارَضَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى شَهَادَةَ الْأَعْمَى جَائِزَةً عَلَى الْكَلَامِ - بِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَهُ صَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - مَعَ عِلْمِهِ بِصَوْتِهِ وَلَوْلَا رُؤْيَتُهُ لَهُ لَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ فِي حِينِ سَمَاعِهِ مِنْهُ وَمَا عَرَفَهُ ، وَالتَّشْغِيبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ ، وَشَظَفِ الْعَيْشِ ، وَأَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - يَجُوعُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ الْجُوعُ وَالْجَهْدُ إِلَى ضَعْفِ الصَّوْتِ وَهُوَ غَيْرُ صَائِمٍ . وَفِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي لِمِثْلِهِ يُدْعَى الضَّيْفُ - وَلَا يُدْعَى إِلَّا لِأَرْفَعِ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ - كَانَ عِنْدَهُمُ الشَّعِيرُ ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرَ طَعَامِهِمِ التَّمْرُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ يَمُرُّ بِهِمُ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ مَا تُوقَدُ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمْ نَارٌ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَغَيْرِهَا . وَفِيهِ قَبُولُ مُوَاسَاةِ الصَّدِيقِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ صِلَةً وَهَدِيَّةً ، وَلَوْ كَانَ صَدَقَةً مَا أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ جَازَ لِجُلَسَائِهِ أَنْ يَأْتُوا مَعَهُ إِذَا دَعَاهُمُ الرَّجُلُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُهُمْ صَاحِبُ الطَّعَامِ ، وَذَلِكَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ تَطِيبُ لَهُمْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ يَكْفِيهِمْ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِمَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَ نَفْسِهِ غَيْرَهُ إِذْ لَا يَدْرِي هَلْ يُسَرُّ بِذَلِكَ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَمْ لَا ، قَالَ مَالِكٌ : إِلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ : ادْعُ مَنْ لَقِيتَ . وَفِيهِ اكْتِرَاثُ الْمُومِنِ عِنْدَ ضِيقِ الْحَالِ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الطَّعَامِ . وَفِيهِ فَضْلُ فِطْنَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ ; لِحُسْنِ جَوَابِهَا زَوْجَهَا حِينَ شَكَى إِلَيْهَا كَثْرَةَ مَنْ حَلَّ بِهِ مَعَ قِلَّةِ طَعَامِهِ ، فَقَالَتْ لَهُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، أَيْ لَمْ يَأْتِ بِهِمْ إِلَّا وَسَيُطْعِمُهُمْ . وَفِيهِ الْخُرُوجُ إِلَى الطَّرِيقِ لِمَنْ قَصَدَ لَهُ إِذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْبِرِّ . وَفِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ لَا يُسْتَأْذَنُ فِي دَارِهِ ، وَأَنَّ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِذْنِ . وَفِيهِ أَنَّ الصَّدِيقَ الْمُلَاطِفَ يَأْمُرُ فِي دَارِ صَدِيقِهِ بِمَا يُحِبُّ ، وَيُظْهِرُ دَالَّتَهُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحَكُّمِ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفُتَّ الْخُبْزَ وَهُوَ فِعْلٌ يَرْضَاهُ أَهْلُ الْكَرَمِ مِنَ الضَّيْفِ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : يَسْتَأْنِسُ الضَّيْفُ فِي أَبْيَاتِنَا أَبَدًا فَلَيْسَ يَعْرِفُ خَلْقٌ أَيَّنَا الضَّيْفُ وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ بَيْتُهُ إِلَّا مَعَهُ أَوْ بِإِذْنِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - : ائذن لِعَشَرَةٍ ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْخِوَانِ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الثَّرِيدَ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ أَنَّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُقَدِّمَ إِلَى طَعَامِهِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَعَاهُمْ جَمِيعًا إِذَا عَلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَصِلُ مِنَ الطَّعَامِ إِلَى مَا يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ الشِّبَعِ لِلصَّالِحِينَ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ آخِرَهُمْ أَكْلًا ، وَذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - أَنَّهُ قَالَ : سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا . وَفِيهِ الْعِلْمُ السَّاطِعُ النَّيِّرُ ، وَالْبُرْهَانُ الْوَاضِحُ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى وَشِبْهُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا مَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْوِيهِ عَنْكَ ، قَالَ : فَقَالَ جَابِرٌ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُهُ ، فَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَعَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ ، فَرَشَشْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ - أَوِ الْمِسْحَاةَ - ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ فَعَادَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : ائذن لِي ، فَأَذِنَ لِي ، فَجِئْتُ امْرَأَتِي فَقُلْتُ : ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - شَيْئًا لَا صَبْرَ لِي عَلَيْهِ ، فَمَا عِنْدَكِ ؟ قَالَتْ : عِنْدِي صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ، قَالَ : فَطَحَنَّا الشَّعِيرَ وَذَبَحْنَا الْعَنَاقَ وَأَصْلَحْنَاهَا وَجَعَلْنَاهَا فِي الْبُرْمَةِ وَعَجَنْتُ الشَّعِيرَ ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - فَلَبِثْتُ سَاعَةً ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ الثَّانِيَةَ فَأَذِنَ لِي ، فَجِئْتُ فَإِذَا الْعَجِينُ قَدْ أَمْكَنَ ، فَأَمَرْتُهَا بِالْخَبْزِ وَجَعَلْتُ الْقِدْرَ عَلَى الْأَثَافِيِّ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - فَسَارَرْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا طَعَامًا لَنَا ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقُومَ مَعِي أَنْتَ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مَعَكَ فَعَلْتَ ، فَقَالَ : كَمْ هُوَ ؟ وَمَا هُوَ ؟ فَقُلْتُ : صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٌ ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَقُلْ لَهَا : لَا تَنْزِعِ الْقِدْرَ مِنَ الْأَثَافِيِّ ، وَلَا تُخْرِجِ الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : قُومُوا إِلَى بَيْتِ جَابِرٍ ، فَاسْتَحْيَيْتُ حَيَاءً لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي : ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ بِأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ ، فَقَالَتْ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - سَأَلَكَ كَمِ الطَّعَامُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَتِ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَدْ أَخْبَرْتَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَنَا ، قَالَ : فَذَهَبَ عَنِّي بَعْضُ مَا أَجِدُ وَقُلْتُ : لَقَدْ صَدَقْتِ . قَالَ : فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - فَدَخَلَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : لَا تَضَاغَطُوا ، قَالَ : ثُمَّ بَرَّكَ عَلَى التَّنُّورِ وَعَلَى الْبُرْمَةِ ، فَجَعَلْنَا نَأْخُذُ مِنَ التَّنُّورِ الْخُبْزَ وَنَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ فَنَثْرُدُ وَنَغْرِفُ وَنُقَرِّبُ إِلَيْهِمْ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لِيَجْلِسْ عَلَى الصَّحْفَةِ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ ، فَلَمَّا أَكَلُوا كَشَفْنَا التَّنُّورَ وَالْبُرْمَةَ ، فَإِذَا هُمَا قَدْ عَادَا إِلَى أَمْلَأِ مِمَّا كَانَا ، فَنَثْرُدُ ، وَنَغْرِفُ وَنُقَرِّبُ إِلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كُلَّمَا فَتَحْنَا عَنِ التَّنُّورِ وَكَشَفْنَا عَنِ الْبُرْمَةِ وَجَدْنَاهُمَا أَمْلَأَ مِمَّا كَانَا ، حَتَّى شَبِعَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ ، وَبَقِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الطَّعَامِ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - : إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا ، قَالَ : فَلَمْ نَزَلْ يَوْمَنَا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِمِائَةٍ ، أَوْ ثَلَاثِمَائَةٍ ، شَكَّ أَيْمَنُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ الْمُفَسِّرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْوَرْدِ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : صَنَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِأَبِي بَكْرٍ طَعَامًا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمَا وَأَتَيْتُهُمَا بِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - : اذْهَبْ فَادْعُ لِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ ، وَقُلْتُ : مَا عِنْدِي شَيْءٌ أَزِيدُهُ ، قَالَ : فَكَأَنِّي تَغَافَلْتُ ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَادْعُ لِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا فَقَالَ : اطْعَمُوا ، فَأَكَلُوا ثُمَّ صَدَرُوا ثُمَّ شَهِدُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ بَايَعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا ، ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَادْعُ لِي بِسِتِّينَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : فَوَاللَّهِ لَأَنَا بِالسِّتِّينَ أَجْوَدُ مِنِّي بِالثَّلَاثِينَ ، قَالَ : فَدَعَوْتُهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - كُلُوا ، فَأَكَلُوا حَتَّى صَدَرُوا ، وَشَهِدُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَبَايَعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا ، ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَادْعُ لِي بِتِسْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : فَلَأَنَا أَجْوَدُ بِالتِّسْعِينَ وَالسِّتِّينَ مِنِّي بِالثَّلَاثِينَ ، قَالَ : فَدَعَوْتُهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى صَدَرُوا ، وَشَهِدُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَايَعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا ، قَالَ : فَأَكَلَ مِنْ طَعَامِي ذَلِكَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ التَّاسِعُ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ · ص 288 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث إطعام الملأ الكثير ببركة النبي · ص 287 1725 ( 10 ) بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ 1726 - مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ : لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا ، أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَها ، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي ، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَذَهَبْتُ بِهِ ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ لِلطَّعَامِ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِمَنْ مَعَهُ : قُومُوا قَالَ : فَانْطَلَقَ ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ ، فَقَالَتِ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، مَا عِنْدَكِ ؟ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفُتَّ ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ ، عُكَّةً لَهَا فَآدَمَتْهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ بِالدُّخُولِ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ بِالدُّخُولِ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا ، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا ، أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا . 39654 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ مُوَاسَاةِ الصَّدِيقِ ، وَقَبُولُ صَدَقَتِهِ وَهَدِيَّتِهِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ . 39655 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصِّلَةَ وَالْهَدِيَّةَ لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ صَدَقَةً مَا أَكَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَقَالَ : إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا آلِ مُحَمَّدٍ وَفِيهِ أَنَّ خُبْزَ الشَّعِيرِ عِنْدَهُمْ مِنْ رَفِيعِ الطَّعَامِ الَّذِي يُتَهَادَى وَيُدْعَى لَهُ الْجِلَّةُ الْفُضَلَاءُ . 39656 - وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ [ أَكْثَرُ ] طَعَامِهِمُ التَّمْرَ . 39657 - وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تُزْوَى عَنْهُمُ الدُّنْيَا حَتَّى لَيُدْرِكُونِ الْقُوتَ ، وَيَبْلُغُ بِهِمُ الْجَهْدُ إِلَى شِدَّةِ الْجُوعِ حَتَّى يَضْعُفَ مِنْهُمُ الصَّوْتُ مِنْ غَيْرِ صِيَامٍ ، كَمَا وُصِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 396658 - وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ جُلَسَاءَهُ ، وَجَازَ لَهُمُ الْإِقْبَالُ مَعَهُ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُنْذِرْهُمْ صَاحِبُ الطَّعَامِ ، وَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ الدَّاعِي لَهُمْ أَنَّ الطَّعَامَ يَحْمِلُهُمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَسُرُّ صَاحِبَ الطَّعَامِ وَيَرْضَاهُ ، وَإِلَّا فَلَا . 396659 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُسَرُّ بِذَلِكَ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَمْ لَا ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ : ادْعُ مَنْ لَقِيتَ ، فَإِنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ : كَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَهُ . 39660 - وَفِيهِ أَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الِاكْتِرَاثُ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُكْرِمُهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ أَخْلَاقِ الْكِرَامِ . 39661 - وَفِيهِ مِنْ فَضْلِ فِطْنَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِحُسْنِ جَوَابِهَا [ زَوْجَهَا ] حِينَ شَكَا إِلَيْهَا كَثْرَةَ مَنْ حَلَّ بِهِ مِنَ النَّاسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِلَّةَ طَعَامِهِ فَقَالَتْ لَهُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِمْ إِلَّا وَسَيُطْعِمُهُمْ . 39662 - وَفِيهِ الْخُرُوجُ إِلَى الطَّرِيقِ لِمَنْ قَصَدَ إِكْرَامًا لَهُ إِذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ لَا يَسْتَأْذِنُ فِي دَارِهِ ، وَأَنَّ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ اسْتَغْنَى عَنِ الْإِذْنِ . 39663 - وَفِيهِ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الصَّدِيقِ أَنْ يَأْمُرَ فِي دَارِ صَدِيقِهِ بِمَا شَاءَ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُسَرُّ بِهِ وَلَا يَسُوؤُهُ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفُتُّوا الْخُبْزَ وَقَالَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ : هَاتِ مَا عِنْدَكِ . 39664 - وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُفْتَخِرًا بِذَلِكَ : يَسْتَأْنِسُ الضَّيْفُ فِي أَبْيَاتِنَا أَبَدًا فَلَيْسَ يَعْرِفُ خَلْقٌ أَيُّنَا الضَّيْفُ 39665 - وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الثَّرِيدَ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ غَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 39666 - وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ بَيْتُهُ إِلَّا مَعَهُ أَوْ بِإِذْنِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، ثُمَّ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، ثُمَّ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى اسْتَوْفَى جَمِيعَهُمْ ، عَشَرَةً عَشَرَةً ، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَجُلًا . 39667 - وَفِيهِ الْعِلْمُ الْوَاضِحُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَالْبُرْهَانُ السَّاطِعُ مِنْ بَرَاهِينِهَا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ الْكَبِيرُ يَأْكُلُونَ حَتَّى يَشْبَعُوا مِنَ الطَّعَامِ الْيَسِيرِ . 39668 - وَكَمْ لَهُ مِنْ مِثْلِهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ كَثِيرًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِنَا كِتَابِ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
شرح الزرقاني على الموطأباب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ · ص 467 10 - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ 1675 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ : لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ ، وَمَعَهُ النَّاسُ ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : لِلطَّعَامِ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ : قُومُوا ، قَالَ : فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ ، فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَآدَمَتْهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ بِالدُّخُولِ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ ، وَشَبِعُوا ، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا . 10 - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ 1725 1675 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ : ( أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ ) زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ ، زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةِ أَنَسٍ ( لِأُمِّ سُلَيْمٍ ) - بِضَمِّ السِّينِ - بِنْتِ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّةِ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ الْفَاضِلَاتِ اسْمُهَا : سَهْلَةُ ، أَوْ رُمَيْلَةُ ، أَوْ رُمَيْثَةُ ، أَوْ مُلَيْكَةُ ، أَوْ أُنَيْفَةُ ، اشْتَهَرَتْ بِكُنْيَتِهَا ، مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، قَالَ الْحَافِظُ : اتَّفَقَتِ الطَّرْقُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ أَخُوهُ لِأُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُوعَ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ : الْمَوْضِعُ الَّذِي أَعَدَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّلَاةِ فِيهِ حِينَ مُحَاصَرَةِ الْأَحْزَابِ لِلْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ ، ( لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ ) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ صَوْتِهِ حِينَ تَكَلَّمَ الْفَخَامَةَ الْمَأْلُوفَةَ ، فَحَمَلَهُ عَلَى الْجُوعِ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى دَعْوَى ابْنِ حِبَّانَ ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِجُوعٍ ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ رَبْطِ الْحَجَرِ مِنَ الْجُوعِ تَصْحِيفٌ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ : أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ صَحِيحَةٌ ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالِ ، فَكَانَ أَحْيَانًا يَجُوعُ إِذَا لَمْ يُوَاصِلْ لِيَتَأَسَّى بِهِ أَصْحَابُهُ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ ، وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مِنَ الْجُوعِ ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَ : هَلْ مِنْ شَيْءٍ ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ جَاءَ فَسَمِعَ صَوْتَهُ وَرَآهُ . وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ رَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَاوِيًا . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَ : أَعِنَدَكَ شَيْءٌ ؟ فَإِنِّي مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُقْرِئُ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ سُورَةَ النِّسَاءِ ، وَقَدْ رَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ ، ( فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ ) يَأْكُلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ( فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ) جَمْعُ قُرْصٍ بِالضَّمِّ قِطْعَةُ عَجِينٍ مَقْطُوعٍ مِنْهُ . وَلِأَحْمَدَ : عَمَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْفِ مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ ، فَطَحَنَتْهُ ، وَلِلْبُخَارِيِّ : عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ ، ثُمَّ عَمِلَتْهُ عَصِيدَةً ، وَفِي لَفْظٍ : خَطِيفَةً بِمُعْجَمَةٍ وَمُهْمَلَةٍ الْعَصِيدَةُ وَزْنًا وَمَعْنَى . وَلِمُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ : أَتَى أَبُو طَلْحَةَ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ ، فَأَمَرَ فَصَنَعَ طَعَامًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا مُنَافَاةَ لِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا بِأَنَّ الشَّعِيرَ فِي الْأَصْلِيِّ صَاعٌ ، فَأَفْرَدَتْ نِصْفَهُ لِعِيَالِهِمْ ، وَنِصْفَهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ مَا بَيْنَ الْعَصِيدَةِ وَالْخُبْزِ الْمَفْتُوتِ الْمَلْتُوتِ بِالسَّمْنِ مِنَ الْمُغَايَرَةِ . ( ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا ) - بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - لَهَا ، ( فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بَعْضَهُ ) أَيِ الْخِمَارَ ، ( ثُمَّ دَسَّتْهُ ) أَيْ أَدْخَلَتْهُ بِقُوَّةٍ ( تَحْتَ يَدِي ) - بِكَسْرِ الدَّالِ - أَيْ إِبِطِي ، ( وَرَدَّتْنِي ) - بِشَدِّ الدَّالِ - ( بِبَعْضِهِ ) أَيْ جَعَلَتْهُ رِدَاءً لِي ، وَلِلتِّنِّيسِيِّ : وَلَاثَتْنِي بَعْضَهُ بِمُثَلَّثَةٍ ، فَفَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ، فَنُونٍ مَكْسُورَةٍ ، أَيْ : لَفَّتْنِي ، ( ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ) أَنَسٌ : ( فَذَهَبْتُ بِهِ ) بِالَّذِي أَرْسَلَتْنِي ، ( فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ ) الْمَوْضِعِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ الْخَنْدَقِ ، ( وَمَعَهُ نَاسٌ ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آرْسَلَكَ ) - بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ لِلِاسْتِفْهَامِ - ( أَبُو طَلْحَةَ ؟ قَالَ ) أَنَسٌ : ( فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : لِلطَّعَامِ ؟ ) أَيْ لِأَجْلِهِ ( قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُومُوا ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلِذَا قَالَ لِمَنْ عِنْدُهُ : قُومُوا . وَأَوَّلُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ ، وَأَبَا طَلْحَةَ أَرْسَلَا الْخُبْزَ مَعَ أَنَسٍ ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا أَرَادا بِإِرْسَالِ الْخُبْزِ مَعَ أَنَسٍ أَنْ يَأْخُذَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْكُلَهُ ، فَلَمَّا وَصَلَ أَنَسٌ وَرَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ حَوْلَهُ اسْتَحَى ، وَأَظْهَرُهُ أَنَّهُ يَدْعُوهُ لِيَقُومَ مَعَهُ وَحْدَهُ إِلَى الْمَنْزِلِ لِيَحْصُلَ قَصْدُهُ مِنْ إِطْعَامِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ مَنْ أَرْسَلَهُ ، عَهِدَ إِلَيْهِ إِذَا رَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ أَنْ يَسْتَدْعِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَكْفِيَهُمْ ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ ، وَقَدْ عَرَفُوا إِيثَارَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَاهُ ، فَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْعُوهُ ، وَقَدْ جَعَلَ طَعَامًا ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَنَسٍ : أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ خَاصَّةً ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي ، فَقَالَ : هَلْ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ . وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ : اعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ عَسَى أَنْ نَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْكُلَ عِنْدَنَا فَفَعَلَتْ فَقَالَتِ : ادْعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : يَا أَنَسُ اذْهَبْ فَقُمْ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا قَامَ فَدَعْهُ حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ ، ثُمَّ اتْبَعْهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عِنْدَ عَتَبَةِ بَابِهِ ، فَقُلْ لَهُ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ، وَلِأَبِي يَعْلَى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اذْهَبْ فَادْعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ : ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ : اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْ لَهُ : إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَغَدَّى عِنْدَنَا فَافْعَلْ ، وَلِلْبَغَوَيِّ ، عَنْ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : اذْهَبْ يَا بُنَيَّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَادْعُهُ ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَقَالَ : يَا بُنَيَّ اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَادْعُهُ وَلَا تَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ ، وَلَا تَفْضَحْنِي ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَلَمْ يَتَنَزَّلْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْعَشْرِ وَبَيْنَ مُقْتَضَى أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ لِسُهُولَتِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ يَدْعُوهُ وَحْدَهُ وَأَرْسَلَ مَعَهُ الْخُبْزَ فَإِنْ جَاءَ قَدَّمُوهُ لَهُ ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ لِمُحَاصَرَةِ الْأَحْزَابِ أَعْطَاهُ الْخُبْزَ سِرًّا . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي أَنَّهُ أَقْرَاصٌ ، أَوْ كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّهَا كَانَتْ أَقْرَاصًا مُكَسَّرَةً . وَقَوْلُهُ : اعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ يُحْمَلُ عَلَى تَلْيِينِهِ بِنَحْوِ مَاءٍ ، أَوْ سَمْنٍ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ ، كَأَنَّهُ كَانَ يَابِسًا ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْكِسَرِ غَالِبًا . ( قَالَ : فَانْطَلَقَ ) هُوَ وَمَنْ مَعَهُ ، ( وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَلَمَّا قُلْتُ لَهُ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ : تَعَالَوْا ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَشَدَّهَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا أَرْسَلَ يدي فدخلت وَأَنَا حَزِينٌ لِكَثْرَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهُ ، ( حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ) بِمَجِيئِهِمْ . وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ : فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَأَنَا مُنْدَهِشٌ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ : يَا أَنَسُ فَضَحْتَنَا . وَلِلطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ : فَجَعَلَ يَرْمِينِي بِالْحِجَارَةِ . ( فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ ) أَيْ قَدْرُ مَا يَكْفِيهِمْ ، ( فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِمْ إِلَّا وَسَيُطْعِمُهُمْ ، كَأَنَّهَا عَرَفَتْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لِيُظْهِرَ الْكَرَامَةَ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَرُجْحَانِ عَقْلِهَا . ( قَالَ : فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُرْصٌ عَمِلَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ ، وَفِي أُخْرَى : إِنَّمَا أَرْسَلْتُ أَنَسًا يَدْعُوكَ وَحْدَكَ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَا يُشْبِعُ مَنْ أَرَى ، فَقَالَ : ادْخُلْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُبَارِكُ فِيمَا عِنْدَكَ ، ( فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا ) وَقَعَدَ مَنْ مَعَهُ عَلَى الْبَابِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلُمِّي ) - بِالْيَاءِ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ - وَفِي رِوَايَةٍ : هَلُمَّ بِلَا يَاءٍ عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِ لَا يُثَنَّى ، وَلَا يُجْمَعُ ، وَلَا يُؤَنَّثُ ، وَمِنْهُ : هَلُمَّ إِلَيْنَا ، وَالْمُرَادُ : الطَّلَبُ ، أَيْ هَاتِ ( يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ ) وَفِيهِ أَنَّ الصَّدِيقَ يَأْمُرُ فِي دَارِ صَدِيقِهِ بِمَا يُحِبُّ وَيُظْهِرُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ . وَالتَّحَكُّمُ لِآمِرِهِ بِفَتِّ الْخُبْزِ ، وَقَوْلُ : هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ ، وَهَذَا خُلُقٌ كَرِيمٌ رَفِيعٌ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْعَلَوِيُّ حِينَ افْتَخَرَ فَقَالَ : يَسْتَأْنِسُ الضَّيْفُ فِي أَبْيَاتِنَا أَبَدًا فَلَيْسَ يَعْرِفُ خَلْقٌ أَيَّنَا الضَّيْفُ ( فَأَتَتْ ) بِذَلِكَ الْخُبْزِ الَّذِي كَانَتْ أَرْسَلَتْهُ مَعَ أَنَسٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهَا أَخَذَتْهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ كَانَ بَاقِيًا مَعَهُ وَخَاطَبَهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْمُتَصَرِّفَةُ ، ( فَأَمَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفُتَّ ) - بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ - أَيْ كُسِرَ ، ( وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا ) - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ، وَشَدِّ الْكَافِ - : إِنَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مُسْتَدِيرٌ يُجْعَلُ فِيهِ السَّمْنُ غَالِبًا وَالْعَسَلُ . وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ مِنْ سَمْنٍ ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : قَدْ كَانَ فِي الْعُكَّةِ شَيْءٌ فَجَاءَ بِهَا فَجَعَلَا يَعْصِرَانِهَا حَتَّى خَرَجَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عَصَرَتْهَا لَمَّا أَتَتْ بِهَا ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهَا وَعَصَرَاهَا اسْتِفْرَاغًا لِمَا بَقِيَ فِيهَا ، أَوْ أَنَّهُمَا ابْتَدَآ عَصْرَهَا ، ثُمَّ حَاوَلَتْ بَعْدَ عَصْرِهِمَا إِخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْهَا ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ، أَوْ ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ فِي : عَصَرَاهَا لَهَا وَلِأَبِي طَلْحَةَ ، وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى أَنَّهَا الَّتِي عَصَرَتْ لِابْتِدَائِهَا بِالْعَصْرِ وَسَاعَدَهَا زَوْجُهَا ، ( فَأَدَمَتْهُ ) أَيْ صَيَّرَتْ مَا خَرَجَ مِنَ الْعُكَّةِ أُدْمًا لَهُ ، ( ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَمَسَحَهَا وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ ، وَلِأَحْمَدَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ أَحْمَدَ : فَجِئْتُ بِهَا ، أَيِ الْعُكَّةِ فَفَتَحَ رِبَاطَهَا ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهَا الْبَرَكَةَ ، وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : ثُمَّ مَسَحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْصَ فَانْتَفَخَ ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَالْقُرْصُ يَنْتَفِخُ حَتَّى رَأَيْتُ الْقُرْصَ فِي الْجَفْنَةِ يَتَّسِعُ ، وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْخُبْزَ فُتَّ وَجُعِلَ عَلَيْهِ السَّمْنُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُضِعَ عَلَى الْفَتِّ اجْتَمَعَ فَصَارَ كَالْقُرْصِ الْوَاحِدِ . وَمَرَّ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ عَبَّرَ عَنْهَا بِقُرْصٍ قَبْلَ فَتِّهَا لِقِلَّتِهَا ، وَهَذَا غَيْرُ ذَلِكَ ، ( ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ بِالدُّخُولِ ) ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ ، وَلِضِيقِ الْبَيْتِ أَوْ لَهُمَا مَعًا ، ( فَأُذِنَ لَهُمْ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ وَحْدَهُ وَبِهِ صَرَّحَ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ : فَلَمَّا انْتَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْبَابِ قَالَ لَهُمُ : اقْعُدُوا وَدَخَلَ ، ( فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : فَوَضَعَ يَدَهُ وَبَسَطَ الْقُرْصَ ، وَقَالَ : كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ فَأَكَلُوا مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ حَتَّى شَبِعُوا ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ لَهُمْ : كُلُوا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي ، ( ثُمَّ خَرَجُوا ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : قُومُوا ، وَلْيَدْخُلْ عَشَرَةٌ مَكَانَكُمْ ، ( ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ) ثَانِيَةٍ ، ( فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ) ثَالِثَةٍ ، ( فَأَذِنَ لَهُمْ ) فَدَخَلُوا ( فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ) رَابِعَةٍ فَمَا زَالَ يُدْخِلُهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً ( حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا ) . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِالْبَرَكَةِ ، فَعَادَ كَمَا كَانَ ، ( وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا ، أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي . وَفِي مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَنَسٍ : حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا بِالْجَزْمِ ، وَزَادَ : ثُمَّ أَكَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُ الْبَيْتِ ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا ، أَيْ فَضْلًا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ ، قَالَ : وَأَفْضَلَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مَا يُشْبِعُهُمْ . وَلَا مُنَافَاةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَلْغَى الْكِسَرَ . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : وَأُفْضَلُوا مَا بَلَّغُوا جِيرَانَهُمْ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ فِي مُسْلِمٍ : وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : حَتَّى أَهْدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ لِجِيرَانِهَا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً لِأَنَّهَا كَانَتْ قَصْعَةً وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ الْجَمَاعَةَ الْكَثِيرَةَ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّنَاوُلِ مِنْهَا مَعَ قِلَّةِ الطَّعَامِ ، فَجُعِلُوا كَذَلِكَ لِيَنَالُوا مِنَ الْأَكْلِ ، وَلَا يَزْدَحِمُوا ، أَوْ لِضِيقِ الْبَيْتِ أَوْ لَهُمَا . وَقَالَ الْحَافِظُ : سُئِلْتُ فِي مَجْلِسِ الْإِمْلَاءِ عَنْ حِكْمَةِ تَبْعِيضِهِمْ فَقُلْتُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَرَفَ قِلَّةَ الطَّعَامِ ، وَأَنَّهُ فِي صَحْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَحَلَّقَهَا ذَلِكَ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ ، فَقِيلَ : لِمَ لَا أَدْخَلَ الْكُلَّ وَيُنْظَرُ مَنْ لَمْ يَسَعْهُ التَّحَلُّقُ ، وَكَانَ أَبْلَغَ فِي اشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُعْجِزَةِ بِخِلَافِ التَّبْعِيضِ بِطَرْقِهِ احْتِمَالَ تَكَرُّرِ وَضْعٍ فِي الطَّعَامِ لِصِغَرِ الصَّحْفَةِ ؟ فَقُلْتُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ لِضِيقِ الْبَيْتِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أُمَّهُ عَمَدَتْ إِلَى مُدِّ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ ، وَجَعَلَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً ، وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَهَا ، ثُمَّ بَعَثَتْنِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ ، فَدَعَوْتُهُ قَالَ : وَمَنْ مَعِي ؟ فَجِئْتُ فَقُلْتُ أنَّهُ يَقُولُ وَمَنْ مَعِي ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ ، فَدَخَلَ وَجِيءَ بِهِ وَقَالَ : أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ أَكَلَ ، ثُمَّ قَامَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَلِأَحْمَدَ : حَتَّى أَكَلَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَبَقِيَتْ كَمَا هِيَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَدْخِلْ عَلَيَّ ثَمَانِيَةً ثَمَانِيَةً ، فَمَا زَالَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ ، ثُمَّ دَعَانِي وَدَعَا أُمِّي ، وَأَبَا طَلْحَةَ فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً سِوَى هَذِهِ . وَلِأَبِي يَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ بَلَغَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامٌ فَآجَرَ نَفْسَهُ بِصَاعٍ غَيْرِ شَعِيرٍ ، فَعَمِلَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ . . . الْحَدِيثَ ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ سِيرِينَ غَيْرُ الْقِصَّةِ الَّتِي رَوَاهَا غَيْرُهُ ، وَكَذَا مَا بَيْنَ الْخُبْزِ الْمَفْتُوتِ الْمَلْتُوتِ بِالسَّمْنِ وَالْعَصِيدَةِ مِنَ الْمُغَايَرَةِ ، انْتَهَى ، مُلَخَّصًا . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَعَدَّدَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً سَأَلَهَا فَوَجَدَ الْخُبْزَ فَفَعَلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَكَانُوا ثَمَانِينَ وَأَدْخَلَهُمْ عشرة عَشَرَةً ، وَمَرَّةً لَمْ يَسْأَلْهَا بَلْ آجَرَ نَفْسَهُ بِصَاعٍ ، وَأَتَى بِهِ إِلَيْهَا ، وَقَالَ : اعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ فَجَعَلَتْهُ عَصِيدَةً وَدَعَاهُ فَجَاءَ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ ، وَأَدْخَلَهُمْ ثَمَانِيَةً ثَمَانِيَةً ، وَبِهَذَا تَتَّضِحُ الرِّوَايَاتُ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ رِوَايَةَ يَعْقُوبَ الَّتِي قَالَ فِيهَا : أَدْخَلَهُمْ ثَمَانِيَةً ثَمَانِيَةً ، فَفِيهَا أَنَّهُمْ ثَمَانُونَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ شَاذَّةً ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ : أَنَّهُمْ أَرْبَعُونَ لَكِنْ فِيهَا : أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً ، وَفِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْأَطْعِمَةِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ .