عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ أَبُو حَرْمَلَةَ مَدَنِيٌّ صَالِحُ الْحَدِيثِ ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ ، وَكَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ يَغْمِزُهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ : كُنْتُ سَيِّئَ الْحِفْظِ ، فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَرَخَّصَ لِي فِي الْكِتَابِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِحَرْمَلَةَ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . لِمَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ هَذَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةُ أَحَادِيثَ ، أَحَدُهَا مُتَّصِلٌ ، وَالْأَرْبَعَةُ مُرْسَلَةٌ . 1831 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ - مُتَّصِلٌ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةُ الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ ، وَأَتَى هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الرَّاكِبِ وَيَدْخُلُ الرَّاجِلُ فِي مَعْنَاهُ - إِذَا كَانَ وَحْدَهُ ؛ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ فِي كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ لِلْوَاحِدِ ، وَاخْتَلَفَتْ فِي الِاثْنَيْنِ ؛ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي الثَّلَاثَةِ فَمَا زَادَ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا وَرَدَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْوَحِيدَ إِذَا مَرِضَ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُمَرِّضُهُ وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ وَلَا يُخْبِرُ عَنْهُ وَنَحْوَ هَذَا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ ، فَسَأَلَهُ - النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَحِبْتَ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى هَذَا ، وَقَوْلُنَا فِيهِ أَبْسُطُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - وَقَدْ كَانَ مُجَاهِدٌ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا ، وَيَجْعَلُهُ قَوْلَ عُمَرَ - وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مُجَاهِدٍ ; لِأَنَّ الثِّقَاتِ رَوَوْهُ مَرْفُوعًا ، وَخَبَرُ مُجَاهِدٍ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قِيلَ لَهُ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْوَاحِدُ فِي السَّفَرِ شَيْطَانٌ ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ . قَالَ : لَا ، لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، وَخَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ ، سَرِيَّةً ؛ وَبَعَثَ دَحْيَةَ سَرِيَّةً - وَحْدَهُ ؛ وَلَكِنْ قَالَ عُمَرُ - يَحْتَاطُ لِلْمُسْلِمِينَ : كُونُوا فِي أَسْفَارِكُمْ ثَلَاثَةً ، إِنْ مَاتَ وَاحِدٌ وَلِيَهُ اثْنَانِ ، الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى الشَّيْطَانِ هَاهُنَا : الْبَعِيدُ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْأُنْسِ وَالرِّفْقِ ، وَهَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : نَوَى شَطُونٌ ، أَيْ بَعِيدَةٌ ؛ وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ رَكْبٌ ، وَأَنَّ حُكْمَهُمْ نَحْوُ حُكْمِ الْعَسْكَرِ : مَا أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بِرِّيٍّ ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ ، قَالَ نَافِعٌ : فَقُلْنَا لِأَبِي سَلَمَةَ : فَأَنْتَ أَمِيرُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَا بِجَمَاعَةٍ ، فَتَدَبَّرْهُ تَجِدْهُ كَذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ · ص 325 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث الراكب شيطان · ص 265 1831 ( 14 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ 1837 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ . 1838 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ; أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ ، فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لم يَهُمُّ بِهِمْ . 41083 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فِي هَذَا الْبَابِ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ . 41084 - وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ - وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ - لَا يَهُمُّ بِهِمُ الشَّيْطَانُ ، وَيَبْعُدْ عَنْهُمْ - وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْوَاحِدُ شَيْطَانًا ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ ; لِأَنَّ الشَّيْطَانَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ ; هُوَ الْبَعِيدُ مِنَ الْخَيْرِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : نَوَى شَطُونٌ ، أَيْ بَائِنَةٌ بَعِيدَةٌ ، فَالْمُسَافِرُ وَحْدَهُ يَبْعُدُ عَنْ خَيْرِ الرَّفِيقِ وَعَوْنِهِ ، وَالْأُنْسِ بِهِ ، وَتَمْرِيضِهِ ، وَدَفْعِ وَسْوَسَةِ النَّفْسِ بِحَدِيثِهِ ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَحْدَهُ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَشْيِ بِاللَّيْلِ ، فَتَعْتَرِضُهُ الشَّيَاطِينُ الْمَرَدَةُ هَازِلِينَ وَمُتَلَاعِبِينَ وَمُفْزِعِينَ . 41085 - وَقَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسَافِرِينَ إِذَا سَافَرُوا مُنْفَرِدِينَ ، وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ ; لِأَنَّهُ إِذَا مَرَّ أَحَدُهُمَا فِي حَاجَتِهِمَا ، بَقِيَ الْآخَرُ وَحْدَهُ ، فَإِنْ شَرَدَتْ دَابَّتُهُ أَوْ نَفَرَتْ ، أَوْ عَرْضَ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ حَالِهِ شَيْءٌ ، لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ ، وَلَا مَنْ يَكْفِيهِ ، وَلَا مَنْ يُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا يَطْرُقُهُ ، فَكَأَنَّهُ قَدْ سَافَرَ وَحْدَهُ ، وَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً ، ارْتَفَعَتِ الْعِلَّةُ الْمُخُوفَةُ فِي الْأَغْلَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْوَاحِدُ مَرَّةً فِي الْحَاجَةِ ، وَيَبْقَى الِاثْنَانِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْآخَرُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَيَبْقَى الِاثْنَانِ ، يَكُونُ هَذَا دَأْبًا فِي الْأَغْلَبِ فِي أُمُورِهِمْ ، وَإِنْ خَرَجَ الِاثْنَانِ ، لَمْ يَطُلْ مُكْثُ الْوَاحِدِ وَحْدَهُ . هَذَا وَنَحْوُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 41086 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ ، وَبِالِاثْنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً ، لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ . فَوَصَلَهُ وَأَسْنَدَهُ . 41087 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 41088 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَرَادَ بَحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ . 41089 - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . 41090 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبْعَدُ هَاهُنَا بِمَعْنَى بَعِيدٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 41091 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّهُ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ أَبَدًا . 41092 - وَقَدْ عَرَضَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قِصَّةٌ شَنْعَاءُ فِي سَفَرٍ سَافَرَهُ وَحْدَهُ ، فَرَأَى رَجُلًا خَارِجًا مَنْ قَبْرٍ يَتَأَجَّجُ نَارًا ، فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يُنَادِيهِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، اسْقِنِي مَاءً ، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ بِإِثْرِهِ مِنَ الْقَبْرِ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، لَا تُسْقِهِ ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ ، ثُمَّ جَبَذَهُ بِالسِّلْسِلَةِ فَأَدْخَلَهُ الْقَبْرَ ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ . 41093 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ وَتَمَامِهِ فِي التَّمْهِيدِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ · ص 618 14 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ 1784 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ . 14 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْوَحْدَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتُكْسَرُ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ . 1831 1784 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ) بْنِ عَمْرِو الْأَسْلَمِيِّ الْمَدَنِيِّ صَالِحِ الْحَدِيثِ لَا بَأْسَ بِهِ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ . ( عَنْ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ شُعَيْبٍ ) الْقُرَشِيِّ صَدُوقٍ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، صَدُوقٍ ، ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جَدِّهِ ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ( عَنْ جَدِّهِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَلِشُعَيْبٍ وَإِنْ كَانَ لِعُمَرَ ، وَحُمِلَ عَلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيِّ هَذَا الْأَكْثَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، أَيْ : لَا احْتِجَاجَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرَّاكِبُ ) الْوَاحِدُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِي مَعْنَاهُ الرَّاجِلُ الْوَاحِدُ ، ( شَيْطَانٌ ) أَيْ : بَعِيدٌ عَنِ الْخَيْرِ فِي الْأُنْسِ وَالرِّفْقِ ، وَهَذَا أَصْلُ الْكَلِمَةِ لُغَةً ، يُقَالُ : بِئْرٌ شَطُونٌ ، أَيْ : بَعِيدَةٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : بِمَعْنَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَطْمَعُ فِي الْوَاحِدِ ، كَمَا يَطْمَعُ فِيهِ اللِّصُّ وَالسَّبُعُ ، فَإِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْبَلَاءِ بِهِ ، فَكَانَ شَيْطَانًا . ( وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَرِّضٌ لِذَلِكَ ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَبِيلَيْنِ يَسْلُكُ سَبِيلَ الشَّيْطَانِ فِي اخْتِيَارِهِ الْوَحْدَةُ فِي السَّفَرِ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : شَيْطَانٌ ، أَيْ : عَاصٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ ( سورة الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 112 ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ عُصَاتُهُمْ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : سُمِّيَ الْوَاحِدُ وَالْاثْنَيْنِ شَيْطَانًا لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ عَنِ التَّوَحُّدِ فِي السَّفَرِ ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْآفَاتِ الَّتِي لَا تَنْدَفِعُ إِلَّا بِالْكَثْرَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ تَنْبُو عَنْهُ الْجَمَاعَةُ ، وَتَعْسُرُ عَلَيْهِ الْمَعِيشَةُ ، وَلَعَلَّ الْمَوْتَ يُدْرِكُهُ فَلَا يَجِدُ مَنْ يُوصِي إِلَيْهِ بِإِيفَاءِ دُيُونِ النَّاسِ وَأَمَانَاتِهِمْ وَسَائِرِ مَا يَجِبُ ، أَوْ يُسَنُّ عَلَى الْمُحْتَضِرِ أَنْ يُوصِيَ بِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مِنْ يَقُومُ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : هَذَا زَجْرُ أَدَبٍ وَإِرْشَادٍ لِمَا يَخَافُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ الْوَحْشَةِ ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ ، فَالسَّائِرُ وَحْدَهُ بِفَلَاةٍ وَالْبَايِتُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ ، لَا يَأْمَنُ الِاسْتِيحَاشَ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ ذَا فِكْرَةٍ رِدِيَّةٍ ، وَقَلْبٍ ضَعِيفٍ ، وَالْحَقُّ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ ، فَوَقَعَ الزَّجْرُ لِحَسْمِ الْمَادَّةِ ، فَيُكْرَهُ الِانْفِرَادُ سَدًّا لِلْبَابِ ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الِاثْنَيْنِ أَخَفُّ مِنْهَا فِي الْوَاحِدِ . وَعَنْ مَالِكٍ : أَنَّ ذَلِكَ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ ، فَأَمَّا مَنْ قَصُرَ عَنْهُ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ فِي كَرَاهَةِ السَّفَرِ لِلْوَاحِدِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الِاثْنَيْنِ ، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ الْوَاحِدَ إِنْ مَرِضَ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُمَرِّضُهُ ، وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُخْبِرُ عَنْهُ وَنَحْوُ هَذَا . ( وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ ) لِزَوَالِ الْوَحْشَةِ ، وَحُصُولِ الْأُنْسِ ، وَانْقِطَاعِ الْأَطْمَاعِ عَنْهُمْ ، وَخُرُوجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَبِي بَكْرٍ مُهَاجِرِينَ لِضَرُورَةِ الْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، أَوْ لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَمُ كَرَاهَةِ الِانْفِرَادِ فِي السَّفَرِ وَحْدَهُ ، لِأَمْنِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ . وَأَنْكَرَ مُجَاهِدٌ رَفْعَ الْحَدِيثِ وَقَالَ : لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَعَثَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَخَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ سِرِّيَّةً ، وَبَعْثَ دِحْيَةَ سِرِّيَّةً وَحْدَهُ ، وَلَكِنْ قَالَ عُمَرُ يَحْتَاطُ لِلْمُسْلِمِينَ : كُونُوا فِي أَسْفَارِكُمْ ثَلَاثَةً ، إِنْ مَاتَ وَاحِدٌ وَلِيَهُ اثْنَانِ ، الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ : لَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ ؛ لِأَنَّ الثِّقَاتَ نَقَلُوهُ مَرْفُوعًا ، انْتَهَى . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ الْبَرِيدَ وَحْدَهُ لِضَرُورَةِ طَلَبِ السُّرْعَةِ فِي إِبْلَاغِ مَا أُرْسِلَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْضَمَّ فِي الطَّرِيقِ بِالرُّفَقَاءِ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَصَحَّحَهُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا .