1846 حَدِيثٌ ثَالِثَ عَشَرَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ إِسْنَادُ الْمُوَطَّأِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ ، حَدَّثَنَا مَلِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . وَفِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ وَقَالَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ هَاشِمٍ بِإِسْنَادِ الْمُوَطَّأِ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَاشِمٍ الْفَيُّومِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى : فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ ، وَغَيْرُهُ كُلُّهُمْ يَقُولُ : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ ابن أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي ، وَشَتَمَنِي ، وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي ، يَقُولُ : وَادَهْرَهُ ، وَادَهْرَهُ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، وَأَنَا الدَّهْرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ أَلْفَاظٌ إِنْ صَحَّتْ فَمَخْرَجُهَا عَلَى مَعَانٍ سَنُبَيِّنُهَا ، وَالصَّحِيحُ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الْأَلْبَابِ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ السَّرْحِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . هَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَهُمَا جَمِيعًا صَحِيحَانِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ ، وَزَيْدُ بْنُ الْبِشْرِ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَرْوِي هَذَا الْخَبَرَ بِنَصْبِ الدَّهْرِ عَلَى الظَّرْفِ يَقُولُ : أَنَا الدَّهْرَ كُلَّهُ بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَذُمُّونَ الدَّهْرَ فِي أَشْعَارِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ ، وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ كُلَّ مَا يَصْنَعُهُ اللَّهُ بِهِمْ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ قَوْلَهُمْ مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ فَنَهَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، يَعْنِي لِأَنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُوهُ وَذَمَمْتُمُوهُ لِمَا يُصِيبُكُمْ فِيهِ مِنَ الْمِحَنِ ، وَالْآفَاتِ ، وَالْمَصَائِبِ ، وَقَعَ السَّبُّ وَالذَّمُّ عَلَى اللَّهِ ; لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَهَذَا مَا لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ ، وَالْوُقُوفُ عَلَى مَعْنَاهُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّهْرِيَّةُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ وَالْإِلْحَادِ ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ وَصَحَّتِ السُّنَّةُ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ مِنْ شَأْنِهَا ذَمُّ الدَّهْرِ عِنْدَمَا يَنْزِلُ بِهَا مِنَ الْمَكَارِهِ ، فَيَقُولُونَ : أَصَابَتْنَا قَوَارِعُ الدَّهْرِ ، وَأَبَادَنَا الدَّهْرُ ، وَأَتَى عَلَيْنَا الدَّهْرُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ شَاعِرِهِمْ : رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامٍ فَلَوْ أَنَّهَا نَبْلٌ إِذًا لَاتَّقَيْتُهَا وَلَكِنَّنِي أُرْمَى بِغَيْرِ سِهَامِ فَأَفْنَى وَمَا أَفْنَيْتُ لِلدَّهْرِ لَيْلَةً وَلَمْ يُغْنِ مَا أَفْنَيْتُ سِلْكَ نِظَامِ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ - فَذَكَرَ الزَّمَانَ وَالدَّهْرَ وَهُمَا سَوَاءٌ وَمُرَادُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يُحْدِثُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَرِ فِيهَا لِمَنِ اعْتَبَرَ - : إِنَّ الزَّمَانَ إِذَا رَمَى لَمُصِيبُ وَالْعَوْدُ مِنْهُ إِذَا عَجَمْتَ صَلِيبُ إِنَّ الزَّمَانَ لِأَهْلِهِ لَمُؤَدِّبٌ لَوْ كَانَ يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّأْدِيبُ كَيْفَ اغْتَرَرْتَ بِصَرْفِ دَهْرِكَ يَا أَخِي كَيْفَ اغْتَرَرْتَ بِهِ وَأَنْتَ لَبِيبُ وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ لِلزَّمَانِ مُجَرِّبًا لَوْ كَانَ يَحْكُمُ رَأْيَكَ التَّجْرِيبُ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي شِعْرِهِ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَقَالَ غَيْرُهُ - وَهُوَ الْمُسَاوِرُ بْنُ هِنْدٍ - : بَلِيتُ وَعِلْمِي فِي الْبِلَادِ مَكَانَهُ وَأَفْنَى شَبَابِي الدَّهْرُ وَهُوَ جَدِيدُ وَقَالَ غَيْرُهُ : حَنَتْنِي حَانِيَاتُ الدَّهْرِ حَتَّى كَأَنِّي خَاتِلٌ أَدْنُو لِصَيْدِ قَرِيبُ الْخَطْوِ يَحْسَبُ مَنْ يَرَانِي وَلَسْتُ مُقَيَّدًا أنِّي بِقَيْدِ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : أَلَا إِنَّ هَذَا الدَّهْرَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرِّ وَقَالَ أَيْضًا : أُرَجِّي مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ لِينًا وَلَمْ تَغْفَلْ عَنِ الصُّمِّ الْهِضَابُ وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ : أَمِنَ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَفَجَّعُ وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ سُهَيَّةَ : عَنِ الدَّهْرِ فَاصْفَحْ إِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبِ وَفِي غَيْرِ مَنْ قَدْ وَارَتِ الْأَرْضُ فَاطْمَعِ وَقَالَ الرَّاجِزُ : أَلْقَى عَلَيَّ الدَّهْرُ رِجْلًا وَيَدَا وَالدَّهْرُ مَا أَصْلَحَ يَوْمًا أَفْسَدَا يُصْلِحُهُ الْيَوْمَ وَيُفْنِيهِ غَدَا وَيُسْعِدُ الْمَوْتَ إِذَا الْمَوْتُ عَدَا وَأَشْعَارُهُمْ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى خَرَجَتْ كُلُّهَا عَلَى الْمَجَازِ ، وَالِاسْتِعَارَةِ ، وَالْمَعْرُوفِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعَرَبِ فِي كَلَامِهَا ; لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الشَّيْءَ وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَبِمَا هُوَ فِيهِ ، فَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا يَنْزِلُ بِهِمْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ مَصَائِبِ الْأَيَّامِ ، فَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِلَّهِ ; لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَجَرَى ذَلِكَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْخِيَارَ الْفُضَلَاءَ قَدِ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ جَرْيًا فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ ، وَعِلْمًا بِالْمُرَادِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مَعْلُومٌ لَا يُشْكِلُ عَلَى ذِي لُبٍّ ، هَذَا سَابِقٌ الْبَرْبَرِيُّ عَلَى فَضْلِهِ يَقُولُ : الْمَرْءُ يَجْمَعُ وَالزَّمَانُ يُفَرِّقُ وَيَظَلُّ يَرْقَعُ وَالْخُطُوبُ تُمَزِّقُ وَيُرْوَى أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِصَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ . وَهَذَا سُلَيْمَانُ الْعَدَوِيُّ ، وَكَانَ خَيِّرًا مُتَدَيِّنًا يَقُولُ : أَيَا دَهْرًا عَمِلْتَ فِينَا أَذَاكَا وَوَلَّيْتَنَا بَعْدَ وَجْهٍ قَفَاكَا جَعَلْتَ الشِّرَارَ عَلَيْنَا رُءُوسًا وَأَجْلَسْتَ سُفْلَتَنَا مُسْتَوَاكَا فَيَا دَهْرُ إِنْ كُنْتَ عَادَيْتَنَا فَهَا قَدْ صَنَعْتَ بِنَا مَا كَفَاكَا وَقَالَتْ صَفِيَّةُ الْبَاهِلِيَّةُ : أَخْنَى عَلَيَّ وَاحِدِي رَيْبَ الْمَنُونِ وَمَا يُبْقِي الزَّمَانُ عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَذَرُ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ - وَمَوْضِعُهُ مِنَ الْخَيْرِ مَوْضِعُهُ - : يَا دَهْرُ تُؤْمِنُنَا الْخُطُوبَ وَقَدْ نَرَى فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ لَهُنَّ شِبَاكَا يَا دَهْرُ قَدْ أَعْظَمْتَ عِبْرَتَنَا بِمَنْ دَارَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرُونِ رَحَاكَا وَرُوِّينَا أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يُنْشِدُ لِبَعْضِ صَالِحِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ : أَخِي لَا تَعْتَقِدْ دُنْيَا قَلِيلًا مَا تُوَاتِيكَا فَكَمْ قَدْ أَهْلَكْتَ خِلًّا أَلِيفًا لَوْ تُنْبِيكَا وَلَا تَغْرُرْكَ زَهْرَتُهَا فَتُلْقِي السُّمَّ فِي فِيكَا فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، فَمَرَّةً يُضِيفُونَ ذَلِكَ إِلَى الدَّهْرِ ، وَمَرَّةً إِلَى الزَّمَانِ ، وَمَرَّةً إِلَى الْأَيَّامِ ، وَمَرَّةً إِلَى الدُّنْيَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَفْهُومٌ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَفَسَّرْنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : أَيا عَجَبًا لِلدَّهْرِ لَا بَلْ لِرَيْبِهِ تَضْرِمُ رَيْبُ الدَّهْرِ كُلَّ إِخَاءِ وَمَزَّقَ رَيْبُ الدَّهْرِ كُلَّ جَمَاعَةٍ وَكَدَّرَ رَيْبُ الدَّهْرِ كُلَّ صَفَاءِ وَقَالَ آخَرُ : يَا دَهْرُ وَيْحَكَ مَا أَبْقَيْتَ لِي أَحَدًا وَأَنْتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الْوَلَدَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بَلْ ذَا كُلُّهُ قَدَرٌ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَاحِدًا صَمَدَا لَا شَيْءَ يَبْقَى سِوَى خَيْرٍ تُقَدِّمُهُ مَا دَامَ مُلْكٌ لِإِنْسَانٍ وَلَا خُلِّدَا وَمِمَّا يُنْشَدُ لِلْمَأْمُونِ وَيُرْوَى لَهُ مِنْ قَوْلِهِ : أَنَا فِي عِلْمِي بِالدَّهْرِ أَبُو الدَّهْرِ وَأُمُّهُ لَيْسَ يَأْتِي الدَّهْرُ يَوْمًا بِسُرُورٍ فَيُتِمُّهُ فَكَمَا سَرَّ أَخَاهُ فَكَذَا سَوْفَ يَغُمُّهُ لَيْسَ لِلدَّهْرِ صَدِيقٌ حَامِدُ الدَّهْرِ يَذُمُّهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ فِي شِعْرٍ يَرْثِي بِهِ أَبَاهُ : أَيْنَ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ صَرْفِ الرَّدَى حَكَمَ الْمَوْتُ عَلَيْنَا فَعَدَلْ فَكَأَنَّا لَا نَرَى مَا قَدْ نَرَى وَخُطُوبُ الدَّهْرِ فِينَا تَنْتَضِلْ وَقَالَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ : كَأَنَّمَا الدَّهْرُ قَدْ أَغْرَى بِنَا حَسَدًا وَنِعْمَةُ اللَّهِ مَقْرُونٌ بِهَا الْحَسَدُ وَقَالَ جَحْظَةُ : أَيَا دَهْرُ وَيْحَكَ كَمْ ذَا الْغَلَطْ وَضِيعٌ عَلَا وَكَرِيمٌ سَقَطْ وَعِيرٌ تَسَيَّبُ فِي جَنَّةٍ وَطَرَفٌ بِلَا عَلَفٍ يُرْتَبَطْ وَجَهْلٌ بِرُءُوسٍ وَعَقْلٌ بِرَأْسٍ وَذَاكَ مُشْتَبَهٌ مُخْتَلَطْ وَأَهْلُ الْقَرْنِ كُلُّهُمْ يَنْتَمُونَ إِلَى آلِ كِسْرَى فَأَيْنَ النَّبَطْ وَقَالَ غَيْرُهُ : رَأَيْتُ الدَّهْرَ بِالْأَشْرَافِ يَكْبُو وَيَرْفَعُ رَايَةَ الْقَوْمِ اللِّئَامِ كَأَنَّ الدَّهْرَ مَوْتُورٌ حَقُودٌ يُطَالِبُ ثَأْرَهُ عِنْدَ الْكِرَامِ وَالْأَشْعَارُ فِي هَذَا لَا يُحَاطُ بِهَا كَثْرَةٌ ، وَفِيمَا لَوَّحْنَا بِهِ مِنْهَا كِفَايَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ · ص 151 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ · ص 303 1846 1852 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . 41242 - هَكَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ . 41243 - وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ الصُّوفِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ فِيهِ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ; فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ . 41244 - وَالْجَمَاعَةُ يَرْوُونَ : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . 41245 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا نَقَلَهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ وَخِلَاسٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . 41246 - وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي ; يَقُولُ : وَادَهْرَاهُ وَادَهْرَاهُ ، وَأَنَا الدَّهْرُ وَأَنَا الدَّهْرُ . 41247 - وَأَمَّا ابْنُ شِهَابٍ ; فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . 41248 - وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الْأَمْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . 41249 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَرْوِي حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا وَأَنَا الدَّهْرُ بِالرَّفْعِ ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ . 41250 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ بِنَصْبِ الدَّهْرِ عَلَى الصَّرْفِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَنَا الدَّهْرَ كُلُّهُ بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَمَا فِيهِمَا . 41251 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 41252 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَعْنَى عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، أَنَّهُ وَرَدَ نَهْيًا عَنْ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَهُ ، مِنْ ذَمِّ الدَّهْرِ وَسَبِّهِ ; لِمَا يَنْزِلُ مِنَ الْمَصَائِبِ فِي الْأُمُوال وَالْأَنْفُسِ ، وَكَانُوا يُضِيفُونَ ذَلِكَ إِلَى الدَّهْرِ ، وَيَسُبُّونَهُ وَيَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ ذَلِكَ بِهِمْ ، وَإِذَا وَقَعَ سَبُّهُمْ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ، وَقَعَ عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، فَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِلَّهِ - تَعَالَى - ، وَإِجْلَالًا لَهُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُضَارَعَةِ سَبِّ اللَّهِ وَذَمِّهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَاهِلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . 41253 - قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : أَلَا إِنَّمَا ذَا للدَّهْرُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرِّ 41254 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ أَشْعَارِهِمْ فِي التَّمْهِيدِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِتَوْفِيقِهِ وَيُسْرِهِ لِلْعَمَلِ بِعِلْمِهِ ، بَلْ هُوَ كَثِيرٌ جَارٍ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ; يُذَمُّ الدَّهْرُ مَرَّةً ، وَيُذَمُّ الزَّمَانُ تَارَةً ، وَتُذَمُّ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ مَرَّةً ، وَتُذَمُّ الدُّنْيَا أَيْضًا . 41255 - وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَعْنَى مَا وَصَفْنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ إِذَا ذَمُّوا الدَّهْرَ وَالزَّمَانَ ، لَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ إِلَّا الدَّهْرَ عَلَى قَبِيحِ مَا يُرَى مِنْهُمْ ، كَمَا قَالَ حَكِيمٌ مِنْ شُعَرَائِهِمْ : يَذُمُّ النَّاسُ كُلُّهُمُ الْزَّمَانَا وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا نَذُمُّ زَمَانَنَا وَالْعَيْبُ فِينَا وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ بِنَا هَجَانَا وإن الذي لحم ذِّئْبُ وَيَأْكُلُ بَعْضُنَا بَعْضًا عِيَانًا 41256 - وَرُبَّمَا كَانَ ذَمُّهُمْ لِلدَّهْرِ عَلَى مَعْنَى الِاعْتِبَارِ بِمَا تَأْتِي بِهِ الْمَقَادِيرُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، كَمَا قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : سَلِ الْقَصْرَ أَوْدَى أَهْلَهُ : أَيْنَ أَهْلُهُ ؟ أَكُلُّهُمُ عَنْهُ تَبَدَّدَ شَمْلُهُ أَكُلُّهُمُ قَضَتْ يَدُ الدَّهْرِ جَمْعَهُ وَأَفْنَاهُ قَصُّ الدَّهْرِ يَوْمًا وَقَتْلُهُ أُخَيَّ أَرَى لِلدَّهْرِ نَبْلًا مُصِيبَةً إِذَا مَا رَمَانَا الدَّهْرُ لَمْ تُخْطِ نَبْلُهُ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الدَّهْرِ فِي طُولِ عَدْوِهِ وَلَا مِثْلَ رَيْبِ الدَّهْرِ يُؤْمَنُ خَتْلُهُ 41257 - وَقَالَ أَيْضًا : إِنَّ الزَّمَانَ يُغْرِينِي بِأَمَانِهِ وَيُذِيقُنِي الْمَكْرُوهَ مِنْ حِدْثَانِهِ فَأَنَا النَّذِيرُ مِنَ الزَّمَانِ لِكُلِّ مَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَاثِقًا بِزَمَانِهِ 41258 - [ وَقَالَ : إِنَّ الْفَتَى مِنَ الْفَنَاءِ قَرِيبُ إِنَّ الزَّمَانَ إِذَا رَمَى لَمُصِيبُ إِنَّ الزَّمَانَ لِأَهْلِهِ لَمُؤَدِّبٌ لَوْ كَانَ فِيهِمْ يَنْفَعُ التَّأْدِيبُ صِفَةُ الزَّمَانِ حَكِيمَةٌ وَبَلِيغَةٌ إِنَّ الزَّمَانَ لَشَاعِرٌ وَخَطِيبُ وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ لِلزَّمَانِ مُجَرِّبًا لَوْ كَانَ يُحْكِمُ رَأْيَكَ التَّجْرِيبُ وَلَقَدْ يُكَلِّمُكُ بِالْسُنٍ غريمة وَأَرَاكَ لَسْتَ تُجِيبُ لَوْ كُنْتَ تَفَهَمُ ما بك قَوْلُهُ لَعَرَاكَ مِنْهُ تعجم وَنَحِيبُ كَيْفَ اغْتَرَرْتَ بِصَرْفِ دَهْرِكَ يَا أَخِي كَيْفَ اغْتَرَرْتَ بِهِ وَأَنْتَ لَبِيبُ وَلَقَدْ حسبت الدَّهْرَ بك حفيا وَأَنْتَ مُجَرِّبٌ وَأَرِيبُ 41259 - وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ : يَا حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّيَالِي أَمَا تَرَاهَا كَيْفَ تَفْعَلُ يَضْحَكُ هَذَا ، وَذَاكَ يَبْكِي تَنْصُرُ هَذَا وَذَاكَ يخْذُلُ ذَاكَ مُعَافًى ، وَذَاكَ مُبْتَلًى وَذَاكَ تُوَلِّي ، وَذَاكَ تَعْزِلُ أَمْ أَنْتَ عَنْ مَا تَرَاهُ مَنْ ذَا وَذَاكَ مِنْ فِعْلِهَا بِمَعْزِلٍ 41260 - وَالْمُرَادُ بِهَذَا مِنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ ; أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . 41261 - وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا : لِلدَّهْرِ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ وَكُلُّ حَالٍ بَعْدَهَا حَالُ وَآمِنُ الْأَيَّامِ فِي غَفْلَةٍ وَلَيْسَ لِلْأَيَّامِ إِغْفَالُ 41262 - وَقَدْ أَنْشَدَنَا فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، مِنْ كِتَابِ التَّمْهِيدِ أَشْعَارًا كَثِيرَةً مِنْ أَشْعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَشْعَارًا أَيْضًا كَثِيرَةً إِسْلَامِيَّةً ، فِيهَا ذَمُّ الزَّمَانِ ، وَذَمُّ الدُّنْيَا ، وَذَمُّ الدَّهْرِ ، إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ ، الْعَالِمَ بِالتَّوْحِيدِ يُنَزِّهُ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَنْ كُلِّ سُوءٍ ، يَنْوِي ذَلِكَ وَيَعْتَقِدُهُ ، فَإِنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ شَيْءٌ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ ، اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَرَاجَعَ الْحَقَّ ، وَرَاضَ نَفْسَهُ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْعُقَلَاءِ : يَا دَهْرُ وَيْحَكَ مَا أَبْقَيْتَ لِي أَحَدًا وَأَنْتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الْوَلَدَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، بَلْ ذَا كُلُّهُ قَدَرُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَاحِدَا صَمَدَا لَا شَيْءَ يَبْقَى سِوَى خَيْرٍ تُقَدِّمُهُ مَا دَامَ مُلْكٌ لِإِنْسَانٍ وَلَا خَلَدَا 41263 - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ قُبَّةَ الْعَدَوِيُّ : وَكَانَ مُؤْمِنًا صَالِحًا : أَيَّا دَهْرُ أَعْمَلْتَ فِينَا أَذْكَاكَ وَوَلَّيْتَنَا بَعْدَ وَجْهٍ قَفَاكَا جَعَلْتَ الشِّرَارَ عَلَيْنَا رُءُوسًا وَأَجْلَسْتَ سِفْلَتَنَا مُسْتَوَاكَا فَيَا دَهْرُ إِنْ كُنْتَ عَادَيْتَنَا فَهَا قَدْ صَنَعْتَ بِنَا مَا كَفَاكَا 41264 - وَقَالَ الْمُسَاوِرُ بْنُ هِنْدٍ : بَلِيتُ وَعِلْمِي فِي الْبِلَادِ مَكَانَهُ وَأَفَنَا شَبَابِي الدَّهْرُ وَهْوَ جَدِيدُ 41265 - وَالْأَشْعَارُ فِي هَذَا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا كِتَابٌ لَوْ أُفْرِدَ لَهَا ، وَأَكْثَرُ مَا يَعْنِي الْمُسْلِمَ إِذَا ذَمَّ دَهْرَهُ وَدُنْيَاهُ وَزَمَانَهُ ، خَتْلُ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ وَسُلْطَانِهِ . 41266 - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ; قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ، إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ ، أَوْ آوَى إِلَى اللَّهِ . 41267 - وَأَمَّا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا مِنْهُمْ دَهْرِيَّةٌ زَنَادِقَةٌ ، لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ، وَلَا يُؤْمِنُونَ ، وَفِي قُرَيْشٍ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَصَفَهُمْ أَهْلُ الْأَخْبَارِ ، كَرِهْتُ ذِكْرَهُمْ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُمْ ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُمْ : مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ 41268 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا قَالَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ : 41269 - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ الزُّبَيْديُّ ، بِمِصْرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ ; يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَخِي حَرْمَلَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ; حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ; فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - هُوَ الدَّهْرُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَسُبَّ الدَّهْرَ وَتَذُمَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوْتٍ ، أَوْ هَدْمٍ ، أَوْ ذَهَابِ مَالٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَائِبِ ، وَتَقُولُ : أَصَابَتْنَا قَوَارِعُ الدَّهْرِ ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ ، وَأَنَا عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ ، فَيَذُمُّونَ الدَّهْرَ بِذَلِكَ وَيَسُبُّونَهُ . 41270 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ ذَلِكَ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ ذَلِكَ وَقْعَ سَبَّكُمْ عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَهُوَ الْفَاعِلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهُوَ فَاعِلُ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا شَيْءَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ · ص 636 1799 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . 1846 1799 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَقُلْ ) بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَقُولَنَّ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ ، ( أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ) بِمُعْجَمَةٍ ، وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، وَهِيَ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ . ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ) أَيِ : الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ الْفَاعِلُ مَا تَنْسُبُونَهُ إِلَى الدَّهْرِ مِنْ جَلْبِ الْحَوَادِثِ وَدَفْعِهَا ، كَانَ شَأْنُ الْجَاهِلِيَّةِ ذَمَّ الدَّهْرِ عِنْدَ الْحَوَادِثِ ، أَوْ عَدَمِ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ ، فَقَالَ ذَلِكَ رَدًّا لِاعْتِقَادِهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ ، أَيْ : فَإِنَّ جَالِبَ الْحَوَادِثِ وَمُتَوَلِّيهَا هُوَ اللَّهُ لَا غَيْرُهُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، أَيْ : صَاحِبُ الدَّهْرِ ، أَيِ الْخَالِقُ لَهُ ، وَقِيلَ : تَقْدِيرُهُ مَقَلِّبُ الدَّهْرِ ، وَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ : بِيَدَيِ اللَّهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، فَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلْمَكْرُوهِ فَسَبَّهُ أَخْطَأَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ ، فَإِذَا سَبَّهُ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ . كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ يُخَاطِبُنِي مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ مَنْ يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّأَذِّي ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْأَذَى ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِسُخْطِ اللَّهِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا ، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتٍ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا ، أَوْ فِعْلُهُ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ ، قَالَ : وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ ، وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ ، وَأَمَدُ الْعَالَمِ ، وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ ، وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ : أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ، فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ ؛ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا . قَالَ الْمُحَقِّقُونَ : مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ ، وَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِتَشَبُّهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ فِي الْإِطْلَاقِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ صَانِعَهَا ، فَمَنْ سَبَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى ، وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ ، وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ ، حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِيرَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَاسِطَةِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ ، فَهَذَا يُضَافُ شَرْعًا وَلُغَةً إِلَى الَّذِي أُجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنَ اكْتِسَابِهِمْ ، وَلِذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ ، وَهِيَ فِي الِابْتِدَاءِ خَلْقُ اللَّهِ ، وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِلَا وَاسِطَةٍ ، فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قُدْرَةِ الْقَادِرِ ، وَلَيْسَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَلَا عَقْلًا ، وَهُوَ الْمَعْنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ مَا يَجْرِي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْعَاقِلِ ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى ، فَلَا يَسُبُّ شَيْئًا مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ الْحِيلَةِ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ الْعِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ لِمَا يَؤولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ ، انْتَهَى . وَتَابَعَ مَالِكًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ .