حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
مقدمة ابن الصلاح

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الْمُعْضَلِ

تَفْرِيعَاتٌ : أَحَدُهَا : الْإِسْنَادُ الْمُعَنْعَنُ ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ : فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَدَّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ . وَالصَّحِيحُ - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ - أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ ، وَأَوْدَعَهُ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ فِي تَصَانِيفِهِمْ فِيهِ وَقَبِلُوهُ ، وَكَادَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَافِظُ يَدَّعِي إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ . وَادَّعَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ - الْمُقْرِئُ الْحَافِظُ - إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ .

وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُضِيفَتِ الْعَنْعَنَةُ إِلَيْهِمْ قَدْ ثَبَتَتْ مُلَاقَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، مَعَ بَرَاءَتِهِمْ مِنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ . فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِ الِاتِّصَالِ ، إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ . وَكَثُرَ فِي عَصْرِنَا وَمَا قَارَبَهُ بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْحَدِيثِ اسْتِعْمَالُ عَنْ فِي الْإِجَازَةِ ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ : قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَظُنَّ بِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الِاتِّصَالِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الثَّانِي : اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الرَّاوِي : أَنَّ فُلَانًا قَالَ كَذَا وَكَذَا هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ ( عَنْ ) فِي الْحَمْلِ عَلَى الِاتِّصَالِ ، إِذَا ثَبَتَ التَّلَاقِي بَيْنَهُمَا ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الِانْقِطَاعُ . مِثَالُهُ : ( مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ كَذَا ) . فَرُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ( عَنْ فُلَانٍ ) وَ ( أَنَّ فُلَانًا ) سَوَاءً .

وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُمَا لَيْسَا سَوَاءً . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ عَنْ وَ أَنَّ سَوَاءٌ ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْحُرُوفِ وَالْأَلْفَاظِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاللِّقَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ ، وَالسَّمَاعِ وَالْمُشَاهَدَةِ ، يَعْنِي مَعَ السَّلَامَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ ، فَإِذَا كَانَ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ صَحِيحًا كَانَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بِأَيِّ لَفْظٍ وَرَدَ مَحْمُولًا عَلَى الِاتِّصَالِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الِانْقِطَاعُ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْدِيجِيِّ أَنَّ حَرْفَ أَنَّ مَحْمُولٌ عَلَى الِانْقِطَاعِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّمَاعُ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ بِعَيْنِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى .

وَقَالَ : عِنْدِي لَا مَعْنَى لِهَذَا ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُتَّصِلَ بِالصَّحَابِيِّ سَوَاءٌ فِيهِ قَالَ : - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ، أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَوَجَدْتُ مِثْلَمَا حَكَاهُ عَنِ الْبَرْدِيجِيِّ أَبِي بَكْرٍ الْحَافِظِ لِلْحَافِظِ الْفَحْلِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ الْفَحْلِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ . وَجَعَلَهُ مُسْنَدًا مَوْصُولًا .

وَذَكَرَ رِوَايَةَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ لِذَلِكَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ عَمَّارًا مَرَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ وَهُوَ يُصَلِّي ] ، . فَجَعَلَهُ مُرْسَلًا ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَالَ : إِنَّ عَمَّارًا فَعَلَ وَلَمْ يَقُلْ : عَنْ عَمَّارٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ الْخَطِيبَ مَثَّلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِحَدِيثِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ .

الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . الْحَدِيثَ .

ثُمَّ قَالَ : ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالثَّانِيَةُ ظَاهِرُهَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : لَيْسَ هَذَا الْمِثَالُ مُمَاثِلًا لِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِيهِ فِي الْحُكْمِ بِالِاتِّصَالِ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى اللِّقَاءِ وَالْإِدْرَاكِ ، وَذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُشْتَرَكٌ مُتَرَدِّدٌ ، لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَبِصُحْبَةِ الرَّاوِي ابْنِ عُمَرَ لَهُمَا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ : كَوْنُهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى : كَوْنُهُ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثُ : قَدْ ذَكَرْنَا مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ تَعْمِيمِ الْحُكْمِ بِالِاتِّصَالِ فِيمَا يَذْكُرُهُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَقِيَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ ، وَهَكَذَا أَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ الصَّيْرَفِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ : كُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ إِنْسَانٍ ، فَحَدَّثَ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى السَّمَاعِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ مَا حَكَاهُ ، وَكُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ لِقَاءُ إِنْسَانٍ ، فَحَدَّثَ عَنْهُ فَحُكْمُهُ هَذَا الْحُكْمُ .

وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَظْهَرْ تَدْلِيسُهُ . وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ الْبَابِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُدَلِّسًا ، وَالظَّاهِرُ السَّلَامَةُ مِنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالتَّدْلِيسِ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ : قَوْلُهُ : قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ نَافِعٌ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ .

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَنْهُ : ذَكَرَ ، أَوْ فَعَلَ ، أَوْ حَدَّثَ ، أَوْ كَانَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا ، وَمَا جَانَسَ ذَلِكَ ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ ظَاهِرًا عَلَى الِاتِّصَالِ ، وَأَنَّهُ تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا ، مَهْمَا ثَبَتَ لِقَاؤُهُ لَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ فِي هَذَا الشَّرْطِ الْمَشْرُوطِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ عَلَى مُطْلَقِ اللِّقَاءِ ، أَوِ السَّمَاعِ ، كَمَا حَكَيْنَاهُ آنِفًا . وَقَالَ فِيهِ أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِئُ : إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ .

وَقَالَ فِيهِ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : إِذَا أَدْرَكَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ إِدْرَاكًا بَيِّنًا . وَذَكَرَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ فِي الْعَنْعَنَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ طُولُ الصُّحْبَةِ بَيْنَهُمْ . وَأَنْكَرَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي خُطْبَةٍ صَحِيحِهٍ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ عَصْرِهِ ، حَيْثُ اشْتَرَطَ فِي الْعَنْعَنَةِ ثُبُوتَ اللِّقَاءِ وَالِاجْتِمَاعِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ قَائِلُهُ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّهُ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا أَوْ تَشَافَهَا .

وَفِيمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ نَظَرٌ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي رَدَّهُ مُسْلِمٌ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا الْعِلْمِ : عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَهَذَا الْحُكْمُ لَا أَرَاهُ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، فِيمَا وُجِدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي تَصَانِيفِهِمْ ، مِمَّا ذَكَرُوهُ عَنْ مَشَايِخِهِمْ قَائِلِينَ فِيهِ : ذَكَرَ فُلَانٌ ، قَالَ فُلَانٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَافْهَمْ كُلَّ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ عَزِيزٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّابِعُ : التَّعْلِيقُ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ ، صَاحِبُ ( الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ) وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ ، فِي أَحَادِيثَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قُطِعَ إِسْنَادُهَا - وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ قَبْلُ - : صُورَتُهُ صُورَةُ الِانْقِطَاعِ ، وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ ، وَلَا خَارِجًا مَا وَجَدَ ذَلِكَ فِيهِ مِنْهُ مِنْ قَبِيلِ الصَّحِيحِ إِلَى قَبِيلِ الضَّعِيفِ ، وَذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنْ شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ ، عَلَى مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ .

وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ الْحَافِظِ فِي رَدِّهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ . الْحَدِيثَ . مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَهُ قَائِلًا فِيهِ : قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ ، فَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فِيمَا بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَهِشَامٍ ، وَجَعَلَهُ جَوَابًا عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ .

وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْرُوفُ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ . وَالْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ مَعْرُوفًا مِنْ جِهَةِ الثِّقَاتِ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي عَلَّقَهُ عَنْهُ ، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحُكْمِ فِي التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ فَذَلِكَ فِيمَا أَوْرَدَهُ مِنْهُ أَصْلًا وَمَقْصُودًا لَا فِيمَا أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِشْهَادِ ، فَإِنَّ الشَّوَاهِدَ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ ، مُعَلَّقًا كَانَ أَوْ مَوْصُولًا .

ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ التَّعْلِيقِ وَجَدْتُهُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا حُذِفَ مِنْ مُبْتَدَإ إِسْنَادُهُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ ، حَتَّى أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَعْمَلَهُ فِي حَذْفِ كُلِّ الْإِسْنَادِ . مِثَالُ ذَلِكَ : قَوْلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا وَكَذَا . رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ كَذَا وَكَذَا .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا . وَهَكَذَا إِلَى شُيُوخِ شُيُوخِهِ . وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا فِي الثَّالِثِ مِنْ هَذِهِ التَّفْرِيعَاتِ .

وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ جَعَلَهُ قِسْمًا مِنَ التَّعْلِيقِ ثَانِيًا ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ - : وَقَالَ لِي فُلَانٌ ، وَزَادَنَا فُلَانٌ فَوَسَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ ، الْمُنْفَصِلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَقَالَ : مَتَى رَأَيْتَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : وَقَالَ لِي ، وَقَالَ لَنَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِسْنَادٌ لَمْ يَذْكُرْهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرُهُ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ . وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الْمُحَدِّثُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْمُذَاكَرَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ ، وَأَحَادِيثُ الْمُذَاكَرَةِ قَلَّمَا يَحْتَجُّونَ بِهَا . قُلْتُ : وَمَا ادَّعَاهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ وَأَعْرَفُ بِالْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ لِي فُلَانٌ فَهُوَ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَةٌ .

قُلْتُ : وَلَمْ أَجِدْ لَفْظَ التَّعْلِيقِ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا سَقَطَ فِيهِ بَعْضُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ مِنْ وَسَطِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ ، وَلَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : يُرْوَى عَنْ فُلَانٍ ، وَيُذْكَرُ عَنْ فُلَانٍ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ جَزْمٌ عَلَى مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عنه بِأَنَّهُ قَالَهُ وَذَكَرَهُ . وَكَأَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ ، وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ ، لِمَا يَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ فِيهِ مِنْ قَطْعِ الِاتِّصَالِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْخَامِسُ : الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِقَبِيلِ الْمَوْصُولِ أَوْ بِقَبِيلِ الْمُرْسَلِ .

مِثَالُهُ : حَدِيثُ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ فِي آخَرِينَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدًا هَكَذَا مُتَّصِلًا . وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا هَكَذَا . فَحَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ فِي هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لِلْمُرْسَلِ .

وَعَنْ بَعْضِهِمْ : أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ . وَعَنْ بَعْضِهِمْ : أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ ، فَإِذَا كَانَ مَنْ أَرْسَلَهُ أَحْفَظَ مِمَّنْ وَصَلَهُ فَالْحُكْمُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ ، ثُمَّ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ مَنْ وَصَلَهُ وَأَهْلِيَّتِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَنْ أَسْنَدَ حَدِيثًا قَدْ أَرْسَلَهُ الْحُفَّاظُ فَإِرْسَالُهُمْ لَهُ يَقْدَحُ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي عَدَالَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ .

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْحُكْمُ لِمَنْ أَسْنَدَهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا ، فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً . قَالَ الْخَطِيبُ : هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ . قُلْتُ : وَمَا صَحَّحَهُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ ، وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَدِيثِ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ الْمَذْكُورِ ، فَحَكَمَ لِمَنْ وَصَلَهُ ، وَقَالَ : الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا ، مَعَ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ ، وَهُمَا جَبَلَانِ لَهُمَا مِنَ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ الدَّرَجَةُ الْعَالِيَةُ .

وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا إِذَا كَانَ الَّذِي وَصَلَهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ ، وَصَلَهُ فِي وَقْتٍ وَأَرْسَلَهُ فِي وَقْتٍ . وَهَكَذَا إِذَا رَفَعَ بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الصَّحَابِيِّ ، أَوْ رَفَعَهُ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَوَقَفَهُ هُوَ أَيْضًا فِي وَقْتٍ آخَرَ ، فَالْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي كُلِّ ذَلِكَ لِمَا زَادَهُ الثِّقَةُ مِنَ الْوَصْلِ وَالرَّفْعِ ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ وَغَيْرُهُ سَاكِتٌ ، وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ . وَلِهَذَا الْفَصْلِ تَعَلُقٌ بِفَصْلِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي الْحَدِيثِ ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ أَعْلَمُ .

مصطلحاتٌ يتناولُها هذا النصُّ2 مصطلح

هذا النصُّ من كتب علوم الحديث، يَشرحُ الاصطلاحاتِ التاليةَ. الأقوالُ المنسوبةُ هي كلامُ أهل الفنِّ في تعريفِ المصطلح، لا في الحُكمِ على هذا الحديثِ.

المرفوع· 6 أقوال للعلماء
  • مالك بن أنس

    أنه كان يرى ( عن فلان ) و ( أن فلانا ) سواء

  • البرديجي

    أن حرف " أن " محمول على الانقطاع ، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى . وقال : عندي لا معنى لهذا ، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه قال : "- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، أو " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ، أو " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " ، أو " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "

  • الخطيب البغدادي

    إن الخطيب مثل هذه المسألة بحديث نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر : " أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أينام أحدنا وهو جنب ؟ " . . . الحديث . وفي رواية أخرى : عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال : " يا رسول الله . . . " الحديث . ثم قال : " ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والثانية ظاهرها يوجب أن يكون من مسند ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم

  • الصيرفي

    كل من علم له سماع من إنسان ، فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه ، وكل من علم له لقاء إنسان ، فحدث عنه فحكمه هذا الحكم

  • أبو المظفر السمعاني

    في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم

  • مسلم

    وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة صحيحه على بعض أهل عصره ، حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع ، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه ، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد ، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها

المعلق· 3 أقوال للعلماء
  • أحمد بن حمدان الحيري

    كل ما قال البخاري : " قال لي فلان " فهو عرض ومناولة

  • الخطيب البغدادي

    أن أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في هذا وأشباهه للمرسل . وعن بعضهم : أن الحكم للأكثر . وعن بعضهم : أن الحكم للأحفظ ، فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله فالحكم لمن أرسله ، ثم لا يقدح ذلك في عدالة من وصله وأهليته . ومنهم من قال : " من أسند حديثا قد أرسله الحفاظ فإرسالهم له يقدح في مسنده وفي عدالته وأهليته " . ومنهم من قال : " الحكم لمن أسنده إذا كان عدلا ضابطا ، فيقبل خبره وإن خالفه غيره ، سواء كان المخالف له واحدا أو جماعة " . قال الخطيب : " هذا القول هو الصحيح

  • البخاري

    وسئل البخاري عن حديث : " لا نكاح إلا بولي " المذكور ، فحكم لمن وصله ، وقال : " الزيادة من الثقة مقبولة

موقع حَـدِيث