الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْمُنَاوَلَةُ
الْقَوْلُ فِي عِبَارَةِ الرَّاوِي بِطَرِيقِ الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ : حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ : أَنَّهُمْ جَوَّزُوا إِطْلَاقَ حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُنَاوَلَةِ ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَهُوَ لَائِقٌ بِمَذْهَبِ جَمِيعِ مَنْ سَبَقَتِ الْحِكَايَةُ عَنْهُمْ : أَنَّهُمْ جَعَلُوا عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْإِجَازَةِ سَمَاعًا . وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ قَوْمٍ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ . وَكَانَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ - صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ - يُطْلِقُ ( أَخْبَرَنَا ) فِيمَا يَرْوِيهِ بِالْإِجَازَةِ .
رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا إِذَا قُلْتُ : ( حَدَّثَنَا ) فَهُوَ سَمَاعِي ، وَإِذَا قُلْتُ : ( أَخْبَرَنَا ) عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهُوَ إِجَازَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَذْكُرَ فِيهِ ( إِجَازَةً ، أَوْ كِتَابَةً ، أَوْ كَتَبَ إِلَيَّ ، أَوْ أَذِنَ لِي فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ ) . وَكَانَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ الْأَخْبَارِيُّ - صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي عِلْمِ الْخَبَرِ - يَرْوِي أَكْثَرَ مَا فِي كُتُبِهِ إِجَازَةً مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ ، وَيَقُولُ فِي الْإِجَازَةِ : ( أَخْبَرَنَا ) ، وَلَا يُبَيِّنُهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ - فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ - مِمَّا عِيبَ بِهِ . وَالصَّحِيحُ - وَالْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْجُمْهُورِ ، وَإِيَّاهُ اخْتَارَ أَهْلُ التَّحَرِّي ، وَالْوَرَعِ - الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ مِنْ إِطْلَاقِ ( حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ) ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْعِبَارَاتِ ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ تُشْعِرُ بِهِ بِأَنْ يُقَيِّدَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فَيَقُولُ : ( أَخْبَرَنَا ، أَوْ حَدَّثَنَا فُلَانٌ مُنَاوَلَةً وَإِجَازَةً ، أَوْ أَخْبَرَنَا إِجَازَةً ، أَوْ أَخْبَرَنَا مُنَاوَلَةً ، أَوْ أَخْبَرَنَا إِذْنًا ، أَوْ فِي إِذْنِهِ ، أَوْ فِيمَا أَذِنَ لِي فِيهِ ، أَوْ فِيمَا أَطْلَقَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ ) .
أَوْ يَقُولُ : ( أَجَازَ لِي فُلَانٌ ، أَوْ أَجَازَنِي فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ نَاوَلَنِي فُلَانٌ ) ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ . وَخَصَّصَ قَوْمٌ الْإِجَازَةَ بِعِبَارَاتٍ لَمْ يَسْلَمُوا فِيهَا مِنَ التَّدْلِيسِ ، أَوْ طَرَفٍ مِنْهُ ، كَعِبَارَةِ مَنْ يَقُولُ فِي الْإِجَازَةِ ( أَخْبَرَنَا مُشَافَهَةً ) إِذَا كَانَ قَدْ شَافَهَهُ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا ، كَعِبَارَةِ مَنْ يَقُولُ : ( أَخْبَرَنَا فُلَانٌ كِتَابَةً ، أَوْ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ ، أَوْ فِي كِتَابِهِ ) إِذَا كَانَ قَدْ أَجَازَهُ بِخَطِّهِ . فَهَذَا - وَإِنْ تَعَارَفَهُ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ - فَلَا يَخْلُو عَنْ طَرَفٍ مِنَ التَّدْلِيسِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ ، وَالِاشْتِبَاهِ بِمَا إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ .
وَوَرَدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ خَصَّصَ الْإِجَازَةَ بِقَوْلِهِ : خَبَّرَنَا بِالتَّشْدِيدِ ، وَالْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا . وَاصْطَلَحَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إِطْلَاقِ ( أَنْبَأَنَا ) فِي الْإِجَازَةِ ، وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ بِكْرٍ صَاحِبُ ( الْوَجَازَةِ فِي الْإِجَازَةِ ) . وَقَدْ كَانَ ( أَنْبَأَنَا ) عِنْدَ الْقَوْمِ - فِيمَا تَقَدَّمَ - بِمَنْزِلَةِ ( أَخْبَرَنَا ) ، وَإِلَى هَذَا نَحَا الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ إِذْ كَانَ يَقُولُ : أَنْبَأَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً ، وَفِيهِ أَيْضًا رِعَايَةٌ لِاصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَرُوِّينَا عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي أَخْتَارُهُ ، وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي ، وَأَئِمَّةِ عَصْرِي أَنْ يَقُولَ فِيمَا عَرَضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ ، فَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتَهُ شِفَاهًا : أَنْبَأَنِي فُلَانٌ ، وَفِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ مَدِينَةٍ ، وَلَمْ يُشَافِهْهُ بِالْإِجَازَةِ : كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ . قَالَ : وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ لِي فُلَانٌ فَهُوَ عَرْضٌ ، وَمُنَاوَلَةٌ . قُلْتُ : وَوَرَدَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الرُّوَاةِ التَّعْبِيرُ عَنِ الْإِجَازَةِ بِقَوْلِ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ ، أَوْ أَخْبَرَهُ .
وَبَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ اخْتَارَهُ ، أَوْ حَكَاهُ ، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ بَعِيدٌ ، بعيد عَنِ الْإِشْعَارِ بِالْإِجَازَةِ ، وَهُوَ فِيمَا إِذَا سَمِعَ مِنْهُ الْإِسْنَادَ فَحَسْبُ وَأَجَازَ لَهُ مَا رَوَاهُ قَرِيبٌ ، فَإِنَّ كَلِمَةَ ( أَنَّ ) فِي قَوْلِهِ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا أَخْبَرَهُ ، فِيهَا إِشْعَارٌ بِوُجُودِ أَصْلِ الْإِخْبَارِ وَإِنْ أَجْمَلَ الْمُخْبَرَ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ تَفْصِيلًا . قُلْتُ : وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الرُّوَاةُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنِ الْإِجَازَةِ الْوَاقِعَةِ فِي رِوَايَةِ مَنْ فَوْقَ الشَّيْخِ الْمُسْمِعِ بِكَلِمَةِ ( عَنْ ) ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ إِذَا سَمِعَ عَلَى شَيْخٍ بِإِجَازَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ : ( قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ ، عَنْ فُلَانٍ ) ، وَذَلِكَ قَرِيبٌ فِيمَا إِذَا كَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ بِإِجَازَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا فَإِنَّهُ شَاكٌّ ، وَحَرْفُ ( عَنْ ) مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السَّمَاعِ ، وَالْإِجَازَةِ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ إِطْلَاقِ ( حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ) فِي الْإِجَازَةِ لَا يَزُولُ بِإِبَاحَةِ الْمُجِيزِ لِذَلِكَ ، كَمَا اعْتَادَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي إِجَازَتِهِمْ لِمَنْ يُجِيزُونَ لَهُ ، إِنْ شَاءَ قَالَ : ( حَدَّثَنَا ) ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ : ( أَخْبَرَنَا ) فَلْيَعْلَمْ ذَلِكَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .