النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ
فَصْلٌ وَأَمَّا النُّزُولُ فَهُوَ ضِدُّ الْعُلُوِّ ، وَمَا مِنْ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ الْعُلُوِّ الْخَمْسَةِ إِلَّا وَضِدُّهُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ النُّزُولِ ، فَهُوَ إِذًا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ ، وَتَفْصِيلُهَا يُدْرَكُ مِنْ تَفْصِيلِ أَقْسَامِ الْعُلُوِّ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ : لَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ : النُّزُولُ ضِدُّ الْعُلُوِّ ، فَمَنْ عَرَفَ الْعُلُوَّ فَقَدْ عَرَفَ ضِدَّهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ لِلنُّزُولِ مَرَاتِبَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا أَهْلُ الصَّنْعَةِ . إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، فَهَذَا لَيْسَ نَفْيًا لِكَوْنِ النُّزُولِ ضِدًّا لِلْعُلُوِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ ، بَلْ نَفْيًا لِكَوْنِهِ يُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ الْعُلُوِّ ، وَذَلِكَ يَلِيقُ بِمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي مَعْرِفَةِ الْعُلُوِّ ، فَإِنَّهُ قَصَّرَ فِي بَيَانِهِ وَتَفْصِيلِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ فِي مَعْرِفَةِ الْعُلُوِّ ، فَإِنَّهُ مُفَصَّلٌ تَفْصِيلًا مُفْهِمًا لِمَرَاتِبِ النُّزُولِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
ثُمَّ إِنَّ النُّزُولَ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ ، وَالْفَضِيلَةُ لِلْعُلُوِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَدَلِيلُهُ . وَحَكَى ابْنُ خَلَّادٍ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّهُ قَالَ : التَّنَزُّلُ فِي الْإِسْنَادِ أَفْضَلُ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِهَادُ ، وَالنَّظَرُ فِي تَعْدِيلِ كُلِّ رَاوٍ وَتَجْرِيحِهِ ، فَكُلَّمَا زَادُوا كَانَ الِاجْتِهَادُ أَكْثَرَ فكان الأجر أكثر . وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ ضَعِيفُ الْحُجَّةِ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيّ ، وَأَبِي عَمْرٍو الْمُسْتَمْلِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : النُّزُولُ شُؤْمٌ .
وَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا جَاءَ فِي ذَمِّ النُّزُولِ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ النُّزُولِ ، فَإِنَّ النُّزُولَ إِذَا تَعَيَّنَ - دُونَ الْعُلُوِّ - طَرِيقًا إِلَى فَائِدَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى فَائِدَةِ الْعُلُوِّ فَهُوَ مُخْتَارٌ غَيْرُ مَرْذُولٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .