حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر

خطبة المصنف

﴿بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

قال الشيخ العلامة الرحلة شيخ الإسلام علم الأعلام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشهير بابن حجر ، الشافعي ، فسح الله في مدته ، وأعاد على المسلمين من بركته : الحمدُ للهِ الذي لَمْ يَزَلْ عَالمًا قديرًا حيًّا قيُّومًا سَميعًا بَصيرًا ، وأَشهدُ أَنْ لا إِله إِلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ، وأُكبِّرُه تَكبيرًا . وصلّى اللهُ عَلى سَيدِنا مُحَمَّدٍ الذي أَرْسَلَهُ إِلى النَّاسِ كافةً بَشيرًا ونَذيرًا ، وعلى آلِ محمدٍ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْليمًا كثيرًا . أَمَّا بَعْدُ : فإِنَّ التَّصانيفَ في اصْطِلاحِ أَهلِ الحَديثِ قَدْ كَثُرَتْ للأئمةِ في القديمِ والحَديثِ : فَمِن أَوَّلِ مَن صَنَّفَ في ذلك القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيّ في كتابه المحدِّث الفاصل ، لكنَّه لم يَسْتَوْعِبْ .

والحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ النَّيْسَابوريُّ ، لكنَّه لم يُهَذِّبْ ولم يُرَتِّبْ . وتلاه أَبو نُعَيْم الأصبهانِيُّ ، فعَمِل على كتابهِ مُسْتَخْرَجًا ، وأَبقى أَشياءَ للمُتَعَقِّبِ . ثمَّ جاءَ بعدَهم الخطيبُ أبو بكرٍ البَغْدَاديُّ ، فصنَّفَ في قوانينِ الروايةِ كتابًا سمَّاه الكفايةَ ، وفي آدابِها كتابًا سمَّاه الجامعَ لآدابِ الشَّيْخِ والسَّامِع .

وقلَّ فنٌّ مِن فُنونِ الحَديثِ إِلَّا وقد صَنَّفَ فيهِ كتابًا مُفْرَدًا ، فكانَ كما قال الحَافظُ أبو بكرِ بنُ نُقْطَةَ : كلُّ مَن أَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ المحَدِّثينَ بعدَ الخَطيبِ عِيالٌ على كُتُبِهِ . ثمَّ جاءَ بعضُ مَن تَأَخَّرَ عنِ الخطيبِ فأَخَذَ مِن هذا العلمِ بنَصيبٍ ، فجمَع القاضي عِياضٌ كتابًا لطيفًا سمَّاهُ الإِلْماع ، وأبو حفْصٍ المَيَّانِجيُّ جُزءًا سمَّاه ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُه . وأَمثالُ ذَلك مِنَ التَّصانيفِ الَّتي اشتُهِرَتْ وبُسِطَتْ ليتوفَّرَ عِلْمُها ، واخْتُصِرَتْ ليتيسَّرَ فهْمُها .

إِلى أَنْ جاءَ الحافِظُ الفقيهُ تقيُّ الدِّينِ أَبو عَمْرٍو عُثْمانُ بنُ الصَّلاحِ عبدِ الرحمنِ الشَّهْرَزُوريُّ نزيلُ دمشقَ فجَمَعَ لما وَلِيَ تدريسَ الحديثِ بالمدرَسَةِ الأشرفيَّةِ كتابَه المَشهورَ ، فهَذَّبَ فنونَهُ ، وأَملاهُ شيئًا بعدَ شيءٍ ، فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُهُ على الوضعِ المُناسِبِ ، واعتنى بتصانيفِ الخَطيبِ المُفرِّقةِ ، فجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها ، وضمَّ إِليها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها ، فاجتَمَعَ في كتابِه ما تفرَّقَ في غيرهِ ، فلهذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ وساروا بسَيْرِهِ ، فلا يُحْصى كم ناظِمٍ له ومُختَصِر ، ومستَدْرِكٍ عليهِ ومُقْتَصِر ، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِر . فسأَلَني بَعْضُ الإِخوانِ أَنْ أُلَخِصَ لهُ المُهِمَّ مِنْ ذَلكَ فلخَّصْتُهُ في أوراقٍ لطيفةٍ سمَّيْتُها نُخْبَةَ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر على ترتيبٍ ابْتَكَرْتُهُ وسبيلٍ انْتَهَجْتُهُ ، مع ما ضمَمْتُ إِليهِ مِن شوارِدِ الفرائِدِ وزَوائدِ الفوائدِ . فرَغِبَ إِليَّ ثانيًا أَنْ أَضعَ عَليها شرحًا يحُلُّ رموزَها ، ويفتحُ كنوزَها ، ويوضِحُ ما خَفِيَ على المُبْتَدئ من ذلك ، فأَجَبْتُه إِلى سُؤالِهِ ؛ رجاءَ الاندِراجِ في تلكَ المسالِكِ .

فبالغتُ في شَرْحِها في الإِيضاحِ والتَّوجيهِ ، ونبَّهْتُ عَلى خَفايا زواياها ؛ لأنَّ صاحِبَ البَيْتِ أَدْرَى بِما فيهِ ، وظَهَرَ لي أَنَّ إِيرادَهُ على صُورةِ البَسْطِ أليقُ ، ودَمْجَها ضِمْنَ تَوضيحِها أَوْفَقُ ، فسلكْتُ هذهِ الطَّريقَةَ القَليلةَ السالِكِ . فأقولُ طالِِبًا مِن اللهِ التَّوفيقَ فيما هُنالِك :

موقع حَـدِيث