ثانيا العزيز
والثَّالِثُ : العَزيزُ : وهُو أَلا يَرْويَهُ أَقَلُّ مِن اثْنَيْنِ عنِ اثْنَيْنِ ، وسُمِّيَ بذلك إِمَّا لِقِلَّةِ وُجودِهِ ، وإِمَّا لكونِهِ عَزَّ – أَي : قَوِيَ – بمَجيئِهِ مِن طَريقٍ أُخْرى . ولَيْسَ شَرْطًا للصَّحيحِ ؛ خِلافًا لمَنْ زعَمَهُ ، وهو أَبو عَليٍّ الجُبَّائيُّ مِن المُعْتزلةِ ، وإِليهِ يُومِئُ كلامُ الحاكِمِ أَبي عبد اللهِ في علومِ الحديثِ حيثُ قال : الصَّحيحُ أَنْ يَرْوِيَهُ الصَّحابِيُّ الزَّائِلُ عنهُ اسمُ الجَهالةِ ؛ بأَنْ يكونَ لهُ راوِيانِ ، ثمَّ يتداوَلَهُ أَهلُ الحَديثِ إِلى وَقْتِنِا كالشَّهادَةِ عَلى الشَّهادَةِ . وصَرَّحَ القاضي أَبو بَكْرٍ بنُ العربيِّ في شَرْحِ البُخاريّ بأَنَّ ذلك شَرْطُ البُخاريِّ ، وأَجاب عمَّا أُورِدَ عليهِ مِنْ ذلك بِجوابٍ فيهِ نَظرٌ ؛ لأَنَّهُ قال فإِنْ قيلَ : حديثُ الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ فَرْدٌ ؛ لم يَرْوِهِ عَنْ عُمرَ إِلَّا عَلْقَمَةُ ؟ قالَ : قُلْنا : قَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ عَلى المِنْبَرِ بحَضْرةِ الصَّحابَةِ ، فلولا أَنَّهُمْ يَعْرِفونَهُ لأنْكروهُ كذا قالَ .
وتُعُقِّبَ عليه بأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِم سَكَتُوا عنهُ أَنْ يَكُونوا سَمِعوهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وبأَنَّ هذا لو سُلِّمَ في عُمَرَ مُنِعَ في تَفَرُّدِ عَلْقَمَةَ ، ثمَّ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْراهيمَ بِه عَنْ عَلْقَمَةَ ، ثُمَّ تَفَرُّدِ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ بهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ؛ عَلى ما هُو الصَّحيحُ المُعْروفُ عِنْدَ المُحَدِّثينَ . وقَدْ وَرَدَتْ لُهْم مُتابعاتٌ لا يُعْتَبَرُ بِها . وكَذا لا يُسَلِّمُ جَوابَهُ في غَيْرِ حَديثِ عُمَرَ .
قالَ ابنُ رُشَيْدٍ : ولَقَدْ كانَ يَكْفي القاضيَ في بُطْلانِ ما ادَّعَى أَنَّهُ شَرْطُ البُخاريِّ أَوَّلُ حَديثٍ مَذكورٍ فيهِ . وادَّعَى ابنُ حِبَّانَ نقيضَ دَعْواهُ ، فقالَ : إِنَّ رِوايَةَ اثنَيْنِ عَنِ اثنَيْنِ إِلى أَنْ يَنْتَهِيَ لا تُوجَدُ أَصْلًا . قُلْتُ : إِنْ أرادَ أَنَّ رِوايَةَ اثْنَيْنِ فَقَطْ عَنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ لا تُوجَدُ أَصْلًا ؛ فيُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ ، وأَمَّا صُورَةُ العَزيزِ الَّتي حَرَّرْناها فمَوْجودَةٌ بأَلا يَرْوِيَهُ أَقَلُّ مِن اثْنَيْنِ عَنْ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ .
مثالُهُ : ما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن حَديثِ أَنَسٍ ، والبُخاريُّ مِن حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِليهِ مِنْ والدِهِ وولَدِهِ .. . الحديث . ورواهُ عَنْ أَنَسٍ : قَتادَةُ وعبدُ العزيزِ بنُ صُهَيْبٍ ، ورواهُ عَنْ قتادَةَ : شُعْبَةُ وسعيدٌ ، ورواهُ عَنْ عبدِ العزيزِ : إِسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ وعبدُ الوارِثِ ، ورواهُ عن كُلٍّ جَماعةٌ .