حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر

الموضوع

ثمَّ الطَّعْنُ يكونُ بعشرةِ أَشياءَ ، بعضُها أَشدُّ في القَدْحِ مِن بعضٍ : خمسةٌ منها تتعلَّقُ بالعدالَةِ ، وخمسةٌ تتعلَّقُ بالضَّبْطِ . ولم يَحْصُلِ الاعتناءُ بتمييزِ أَحدِ القِسمينِ مِن الآخَرِ لمصلحةٍ اقْتَضَتْ ذلك ، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في موجَبِ الرَّدَِّ على سَبيلِ التَّدلِّي ؛ لأنَّ الطَّعْنَ إِمَّا أَنْ يكونَ : - لِكَذِبِ الرَّاوِي في الحديثِ النبويِّ بأَنْ يرويَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما لمْ يَقُلْهُ متَعمِّدًا لذلك . - أو تُهْمَتِهِ بذلكَ بأَلا يُرْوى ذلك الحديثُ إِلَّا مِن جِهتِهِ ، ويكونَ مُخالِفًا للقواعِدِ المعلومةِ ، وكذا مَنْ عُرِفَ بالكذبِ في كلامِهِ ، وإِنْ لم يَظْهَرْ منهُ وقوعُ ذلك في الحَديثِ النبويِّ ، وهذا دُونَ الأوَّلِ .

- أَو فُحْشِ غَلَطِهِ ؛ أي : كَثْرَتِه . - أَو غَفْلَتِهِ عن الإِتْقانِ . - أَو فِسْقِهِ أي : بالفعلِ والقَوْلِ ممَّا لم يبلُغُ الكُفْرَ .

وبينَهُ وبينَ الأوَّلِ عُمومٌ ، وإِنَّما أُفْرِدَ الأوَّلُ لكونِ القَدْحِ بهِ أَشدَّ في هذا الفنِّ . وأَمَّا الفِسقُ بالمُعْتَقَدِ ؛ فسيأْتي بيانُه . - أَو وَهَمِهِ بأَنْ يَرْوِيَ على سبيلِ التوهُّمِ .

- أَو مُخالَفَتِه أَي : للثِّقاتِ . - أو جَهالَتِهِ بأَلا يُعْرَفَ فيهِ تعديلٌ ولا تَجريحٌ مُعيَّنٌ . - أَو بِدْعتِهِ ، وهي اعتقادُ ما أُحْدِثَ على خِلافِ المَعروفِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لا بِمعانَدَةٍ ، بل بنَوْعِ شبهةٍ .

- أَو سوءِ حِفْظهِ ، وهِيَ عبارةٌ عمن يكونَ غَلَطُهُ أَقلَّ مِن إِصابتِه . فالقسمُ الأوَّلُ ، وهُو الطَّعْنُ بكَذِبِ الرَّاوي في الحَديثِ النبويِّ هو المَوضوعُ . والحُكْمُ عليهِ بالوَضْعِ إِنَّما هُو بطريقِ الظَّنِّ الغالِبِ لا بالقَطْعِ ، إِذ قَدْ يَصْدُقُ الكَذوبُ ، لكنَّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ مَلَكَةً قويَّةً يميِّزون بها ذلك ، وإِنَّما يقومُ بذلك منهُم مَن يكونُ إِطِّلاعُهُ تامًّا ، وذهْنُهُ ثاقِبًا ، وفهمُهُ قويًّا ، ومعرِفتُهُ بالقرائنِ الدَّالَّةِ على ذلك متمَكِّنَةً .

وقد يُعْرَفُ الوضعُ بإِقرارِ واضِعِه ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ : لكنْ لا يُقْطَعُ بذلك ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإِقرارِ انتهى . وفهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلًا ، وليسَ ذلكَ مرادَهُ ، وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك ، ولا يلزَمُ مِن نفيِ القَطْعِ نفيُ الحُكْمِ ؛ لأنَّ الحُكْمَ يقعُ بالظَّنِّ الغالِبِ ، وهُو هُنا كذلك ، ولولا ذلك لَما ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ ، ولا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بالزِّنى ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به . ومِن القَرائنِ الَّتي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ ما يؤخَذُ مِن حالِ الرَّاوي ؛ كما وقَعَ للمأْمونِ بنِ أَحمدَ أَنَّه ذُكِرَ بحضرَتِه الخلافُ في كونِ الحسنِ سَمِعَ مِن أَبي هُريرةَ أَوْ لاَ ؟ فساقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّهُ قالَ : سمِعَ الحسنُ مِن أَبي هُريرة .

وكما وقعَ لِغياثِ بنِ إِبراهيمَ حيثُ دخَلَ على المَهْدي فوجَدَهُ يلعبُ بالحَمَام ، فساقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أَنَّه قالَ : لا سَبَقَ إِلَّا في نَصْلٍ أَو خُفٍّ أَو حافِرٍ أَو جَناحٍ ، فزادَ في الحديثِ : أَو جَناحٍ ، فَعَرَفَ المهديُّ أَنَّه كذبَ لأجلِهِ ، فأَمرَ بذَبْحِ الحَمَامِ . ومِنها ما يُؤخَذُ مِن حالِ المَرويِّ كأَنْ يكونَ مُناقِضًا لنَصِّ القُرآنِ أَو السُّنَّةِ المُتواتِرَةِ أَو الإِجماعِ القطعيِّ أَو صَريحِ العَقْلِ ، حيثُ لا يَقْبَلُ شيءٌ مِن ذلك التَّأْويلَ . ثمَّ المَرويُّ تارةً يختَرِعُهُ الواضِعُ ، وتارةً يأْخُذُ كلامِ غيرِهِ كبَعْضِ السَّلفِ الصَّالحِ أَو قُدماءِ الحُكماءِ أَو الإِسرائيليَّاتِ ، أَو يأْخُذُ حَديثًا ضَعيفَ الإِسنادِ ، فيُرَكِّبُ لَهُ إِسنادًا صحيحًا ليَرُوجَ .

والحامِلُ للواضِعِ على الوَضْعِ : إِمَّا عَدَمُ الدِّينِ ، كالزَّنادقةِ . أَو غَلَبَةُ الجَهلِ ، كبعضِ المتعبِّدينَ . أَو فَرْطُ العَصبيَّةِ ، كبعضِ المُقلِّدينَ .

أَو اتِّباعُ هوى بعضِ الرُّؤساءِ . أَو الإِغرابُ لقصدِ الاشتِهارِ . وكُلُّ ذلك حَرامٌ بإِجماعِ مَن يُعْتَدُّ بهِ ، إِلَّا أَنَّ بعضَ الكَرَّاميَّةِ وبعضَ المُتصوِّفةِ نُقِلَ عنهُم إِباحَةُ الوَضْعِ في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ ، وهو خطأ مِن فاعلِهِ ، نشَأَ عَن جَهْلٍ ؛ لأنَّ التَّرغيبَ والتَّرهيبَ مِن جُملةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ .

واتَّفقوا على أَنَّ تَعَمُّدَ الكذبِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِن الكَبائِرِ . وبالَغَ أَبو مُحمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ فكَفَّرَ مَن تعمَّدَ الكَذِبَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . واتَّفَقوا على تَحْريمِ روايةِ الموضوعِ إِلَّا مقرونًا ببيانِه لقولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : مَن حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يُرى أَنَّهُ كذبٌ ؛ فهُو أَحدُ الكاذِبَيْنِ ، أَخرجَهُ مسلمٌ .

موقع حَـدِيث