رحم الله قسا إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم
رحم الله قسا؛ إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط ، عن عامر بن أبجر - رضي الله عنه - . ( سببه ) ورد من طرق أن وفد إياد لما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلموا ، سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قس ، فقال : أيكم يعرف قس بن ساعدة الإيادي ؟ قالوا : كلنا . قال : كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أحمر أورق ، وهو يخطب الناس ، وهو يقول كلاما ما أراني أحفظه .
فقال بعض القوم : نحن نحفظه يا رسول الله . فقال : هاتوا . فقال قائلهم : إنه قال : يا أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، وإذا وعيتم فانتفعوا ، إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت ، مطر ونبات ، وأرزاق وأقوات ، وآباء وأمهات ، أحياء وأموات ، جمع وأشتات ، وآيات بعد آيات ، إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وبحار ذات أمواج ، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ، أرضوا بالمقام فقاموا ، أم تركوا هناك فناموا ؟ أقسم قس قسما حتما لا حنث فيه ولا إثما ، أن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ونبيا حان حينه وأظلكم أوانه ، وأدرككم إبّانه ، فطوبى لمن آمن به فهداه ، وويل لمن خالفه وعصاه ، ثم قال : تبا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية ، يا معشر إياد أين الآباء والأجداد ؟ وأين المرضى والعواد ؟ وأين الفراعنة الشداد ؟ أين من بنى وشيد ؟ وزخرف ونجد؟ وغره المال والولد ؟ أين من بغى وطغى ؟ وجمع فأوعى ؟ وقال : أنا ربكم الأعلى ، ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأولادا ؟ وأبعد منكم آمالا وأطول منكم آجالا ؟ طحنهم الثرى بكلكله ، ومزقهم بتطاوله ، فتلك عظامهم بالية ، وبيوتهم خالية ، عمرتها الذئاب العادية ، كلا بل هو الله الواحد المعبود ، ليس بوالد ولا مولود .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأيكم يروي شعره ؟ قال : فأنشده أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وقال : في الذاهبين الأولي ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر أيقنت أني لا محا لة حيث صار القوم صائر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رحم الله قسا . قيل : يا رسول الله تترحم على قس ؟ قال : نعم . إنه كان .
فذكره . وفي السيرة اليعمرية وغيرها أن سبب الحديث : أن رجلا أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أنه ضلت له ضالة فطلبها ، فرأى قسا في ظل شجرة فسلم فرد ، فإذا هو بعين خرارة في أرض خوارة ، ومسجد بين قبرين وأسدين عظيمين ، فإذا سبق أحدهما للماء فتبعه الآخر ضربه بقضيب في يده وقال : ارجع حتى يشرب من قبلك ، فقلت : ما هذان القبران ؟ قال : أخوان لي كانا يعبدان الله لا يشركان به ، فأدركهما الموت فقبرتهما ، وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما . ثم نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدموع فأكب عليهما يقول : خليلي هبا طال ما قد رقدتما أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أني بسمعان مفرد وما لي فيها من خليل سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا طوال الليالي أو يجيب صداكما أمن طول نوم لا تجيبان داعيا كأن الذي يسقي العقار سقاكما ويبكيكما طول الحياة وما الذي يرد على ذي لوعة أن بكاكما كأنكما والموت أقرب غائب بروحي في قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية لجدت بنفسي أن تكون فداكما فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رحم الله قسا .
فذكره .