فصل استحبابُ التداوي واستحبابُ الحِجَامة
فصل وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمَةِ استحبابُ التداوي ، واستحبابُ الحِجَامة ، وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحالُ ؛ وجوازُ احتجامِ الْمُحْرِم ، وإنْ آل إلى قطع شيء من الشَّعر ، فإن ذلك جائز . وفي وجوب الفديةِ عليه نظر ، ولا يَقوَى الوجوبُ ، وجوازُ احتجامِ الصائم ، فإنَّ في ( صحيح البخاري ) أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم – احْتَجَمَ وهو صائم . ولكن : هل يُفطِرُ بذلك ، أم لا ؟ مسألة أُخرى ، الصوابُ : الفِطرُ بالحِجامة ، لصحته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير معارضٍ ، وأصحُّ ما يعارَضُ به حديثُ حِجَامته وهو صائم ، ولكنْ لا يَدلُّ على عدم الفِطر إلا بعد أربعة أُمور .
أحدها : أنَّ الصوم كان فرضا . الثاني : أنه كان مقيما . الثالث : أنه لم يكن به مرضٌ احتاج معه إلى الحِجَامة .
الرابع : أنَّ هذا الحديث متأخرٌ عن قوله : أفطَرَ الحاجِمُ والمحجُومُ . فإذا ثبتَتْ هذه المقدِّمات الأربعُ ، أمكن الاستدلالُ بفعله - صلى الله عليه وسلم - على بقاء الصوم مع الحِجَامة ، وإلا فما المانعُ أن يكونَ الصومُ نفلا يجوز الخروجُ منه بالحِجَامة وغيرها ، أو مِن رمضان لكنه في السَّفر ، أو مِن رمضان في الحَضَر ، لكن دعت الحاجةُ إليها كما تدعو حاجة مَن بِهِ مرضٌ إلى الفِطر ، أو يكونَ فرضا من رمضانَ في الحَضَر من غير حاجة إليها ، لكنه مُبقى على الأصل . وقوله : ( أَفْطَر الحاجمُ والمحجومُ ) ، ناقل ومتأخِّر .
فيتعيَّن المصيرُ إليه ، ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع ؛ فكيف بإثباتها كلها . وفيها دليلٌ على استئجار الطبيبِ وغيره مِن غير عقد إجارة ، بل يُعطيه أُجرة المِثل ، أو ما يُرضيه . وفيها دليلٌ على جواز التكسُّبِ بصناعة الحِجَامة ، وإن كان لا يَطيب للحُرِّ أكلُ أُجرتِهِ من غير تحريم عليه ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه أجرَه ، ولم يَمْنَعه من أكله ، وتسميتُهُ إياه خبيثا كَتسميته للثوم والبصل خبيثين ، ولم يلزم مِن ذلك تحريمُهما .
وفيها : دليلٌ على جواز ضرب الرجلُ الخراجَ على عبده كُلَّ يومٍ شيئا معلوما بقدر طاقته ، وأنَّ للعبد أن يتصرَّف فيما زاد على خراجه ، ولو مُنِع من التصرف ، لكان كسْبُه كلُّه خراجا ، ولم يكن لتقديره فائدة ، بل ما زاد على خراجه ، فهو تمليكٌ من سيده له يتصرَّف فيه كما أراد . والله أعلم .