فصل غسل العائن
فصل غسل العائن ومنها : أن يُؤمر العائِنُ بغسل مَغابنِهِ وأطرافه وداخِلَةِ إزاره ، وفيه قولان ؛ أحدهما : أنه فرجُه . والثاني : أنه طرفُ إزاره الداخل الذي يلي جسدَه من الجانب الأيمن ، ثم يُصَبُّ على رأس المَعِين مِن خلفه بغتة ، وهذا مما لا ينالُه عِلاجُ الأطباء ، ولا ينتفِعُ به مَن أنكره ، أو سَخِرَ منه ، أو شَكَّ فيه ، أو فعله مجرِّبا لا يعتقد أنَّ ذلك ينفعُه . وإذا كان في الطبيعة خواصٌ لا تَعْرِفُ الأطباءُ عِلَلَها البتةَ ، بل هي عندهم خارجةٌ عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصِّية ، فما الذي يُنكره زنادقتهم وجهلتُهم من الخواص الشرعية ، هذا مع أنَّ في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهدُ له العقولُ الصحيحة ، وتُقِرُّ لمناسبته ، فاعلم أنَّ تِرياق سُمِّ الحيَّة في لحمها ، وأنَّ علاجَ تأثير النفس الغضَبية في تسكين غضبها ، وإطفاء ناره بوضع يَدِكَ عليه ، والمسح عليه ، وتسكينِ غضبه ، وذلك بمنزلة رجل معه شُعلة من نار ، وقد أراد أن يَقذِفَك بها ، فصببتَ عليها الماء ، وهي في يده حتى طُفئتْ ، ولذلك أُمِرَ العائِنُ أن يقول : اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْه ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسانٌ إلى المَعِين ، فإنَّ دواء الشيء بضِدِّه .
ولما كانت هذه الكيفيةُ الخبيثة تظهر في المواضِع الرقيقة من الجسد ، لأنها تطلب النفوذَ ، فلا تجد أرقَّ مِن المغابن ، وداخِلَةِ الإزار ، ولا سِيَّما إن كان كنايةً عن الفَرْج ، فإذا غُسِلَتْ بالماء ، بطل تأثيرها وعملها ، وأيضا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص . والمقصود : أنَّ غسلها بالماء يُطفئ تلك النارية ، ويَذهبُ بتلك السُّمِّية . وفيه أمر آخر ، وهو وُصول أثرِ الغسل إلى القلب من أرقِّ المواضع وأسرعها تنفيذا ، فيُطفئ تلك النارية والسُّمِّية بالماء ، فيشفى المَعِين ، وهذا كما أنَّ ذواتِ السموم إذا قُتِلت بعد لَسعها ، خَفَّ أثرُ اللسعة عن الملسوع ، ووَجد راحة ، فإن أنفسَها تمدُّ أذاها بعد لَسعها ، وتُوصِله إلى الملسوع .
فإذا قُتِلَتْ ، خَفَّ الألم ، وهذا مُشَاهَد . وإن كان من أسبابه فرحُ المَلسوع ، واشتفاءُ نفسه بقتل عدوِّه ، فتقوى الطبيعة على الألم ، فتدفعه . وبالجملة ، غسل العائن يُذهِبُ تلك الكيفية التي ظهرت منه ، وإنما ينفع غسلُه عند تكيُّفِ نفسه بتلك الكيفية .
فإن قيل : فقد ظهرت مناسبةُ الغسل ، فما مناسبةُ صبِّ ذلك الماء على المَعِين ؟ قيل : هو في غاية المناسبة ، فإنَّ ذلك الماء ماء طُفئ به تلك النارية ، وأبطل تلك الكيفية الرديئة من الفاعل ، فكما طُفئت به النارية القائمة بالفاعِل طُفئت به ، وأبطلت عن المحل المتأثر بعد ملابسته للمؤثر العائِن ، والماءُ الذي يُطفأ به الحديدُ يدخُل في أدوية عِدَّة طبيعية ذكرها الأطباء ، فهذا الذي طُفئ به نارية العائِن ، لا يُستنكر أن يدخل في دواء يُناسب هذا الداء . وبالجملة ، فطب الطبائعية وعلاجُهم بالنسبة إلى العلاج النبوي ، كطب الطُّرقية بالنسبة إلى طبهم ، بل أقل ، فإنَّ التفاوتَ الذي بينهم وبين الأنبياء أعظمُ ، وأعظمُ من التفاوت الذي بينهم وبين الطُّرقية بما لا يُدرِكُ الإنسان مقداره ، فقد ظهر لك عقدُ الإخاء الذي بين الحِكمة والشرع ، وعدمُ مناقضة أحدهما للآخر ، واللهُ يهدي مَن يشاء إلى الصواب ، ويفتحُ لمن أدام قرعَ باب التوفيق منه كُلَّ باب ، وله النعمة السابغة ، والحُجَّة البالغة .