فصل في عشقُ الصُّوَر
فصل وعشقُ الصُّوَر إنما تُبتلى به القلوبُ الفارغة مِن محبة الله تعالى ، المُعْرِضةُ عنه ، المتعوِّضةُ بغيره عنه ، فإذا امتلأَ القلبُ من محبة الله والشوق إلى لقائه ، دفَع ذلك عنه مرضَ عشق الصور ، ولهذا قال تعالى في حقِّ يوسف : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ فدلَّ على أن الإخلاص سببٌ لدفع العشق وما يترتَّبُ عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرتُه ونتيجتُه ، فصرفُ المسبب صرفٌ لسببه ، ولهذا قال بعضُ السَّلَف : العشقُ حركة قلب فارغ ، يعني فارغا مما سوى معشوقه . قال تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي : فارغا من كل شيء إلا من موسى لفرطِ محبتها له ، وتعلُّقِ قلبها به والعشق مُرَكَّب من أمرين : استحسانٍ للمعشوق ، وطمع في الوصول إليه ، فمتى انتفى أحدهُما انتفى العشقُ ، وقد أعيتْ عِلَّةُ العشق على كثير من العقلاء ، وتكلم فيها بعضهم بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب . فنقول : قد استقرت حكمة الله - عز وجل - في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه ، وانجذابِ الشيء إلى مُوافقه ومجانسه بالطبعِ ، وهُروبه من مخالفه ، ونُفرته عنه بالطبع ، فسِرُّ التمازج والاتصال في العالم العُلوي والسُّفلي ، إنما هو التناسبُ والتشاكلُ ، والتوافقُ ، وسِرُّ التباين والانفصال ، إنما هو بعدم التشاكل والتناسب ، وعلى ذلك قام الخلق والأمر ، فالمِثْلُ إلى مثلِه مائلٌ ، وإليه صائرٌ ، والضِّدُّ عن ضده هارب ، وعنه نافرٌ ، وقد قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فجعل سُبحانه عِلَّةَ سكون الرَّجل إلى امرأته كونَها مِن جنسه وجوهره ، فعِلَّةُ السكون المذكور وهو الحب كونُها منه ، فدل على أن العِلَّة ليست بحُسن الصورة ، ولا الموافقة في القصد والإرادة ، ولا في الخلق والهدي ، وإن كانت هذه أيضا من أسباب السكون والمحبة .
وقد ثبت في ( الصحيح ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ ، فما تَعارَفَ منها ائْتلَف ، وما تَناكَرَ منها اخْتَلَفَ . وفي ( مسند الإمام أحمد ) وغيره في سبب هذا الحديث : أنَّ امرأة بمكةَ كانت تُضِحكُ الناسَ ، فجاءت إلى المدينة ، فنزلتْ على امرأة تُضِحكُ الناسَ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الأرواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، الحديثَ . وقد استقرتْ شريعتُه سُبحانه أنَّ حُكم الشيء حُكْمُ مثله ، فلا تُفَرِّقُ شريعته بين متماثلين أبدا ، ولا تجمعُ بين متضادَّين ، ومَن ظنَّ خِلاف ذلك ، فإمَّا لِقلَّة علمه بالشريعة ، وإما لِتقصيره في معرفة التماثُل والاختلاف ، وإمَّا لنسبته إلى شريعته ما لم يُنزلْ به سلطانا ، بل يكونُ من آراء الرجال ، فبحكمتِه وعدلِه ظهر خلقه وشرعُه ، وبالعدل والميزان قام الخلقُ والشرع ، وهو التسويةُ بين المتماثلَيْن ، والتفريق بين المختلفَيْن .
وهذا كما أنه ثابت في الدنيا ، فهو كذلك يومَ القيامة . قال تعالى : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ٢٢ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبعدَه الإمامُ أحمد رحمه الله : أزواجهم أشباهُهم ونُظراؤهم . وقال تعالى : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾أي : قُرِن كلُّ صاحب عملٍ بشكله ونظيره ، فقُرِن بين المتحابِّين في الله في الجَنَّة ، وقُرِن بين المتحابِّين في طاعة الشيطان في الجحيم ، فالمرءُ مع مَن أَحَبَّ شاء أو أبي ، وفي ( مستدرك الحاكم ) وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يُحِبُّ المَرءُ قَوْما إلا حُشِرَ مَعَهُم .
والمحبة أنواع متعددة ؛ فأفضلها وأجلُّها : المحبةُ في الله ولله ؛ وهي تستلزِمُ محبةَ ما أحبَّ اللهُ ، وتستلزِمُ محبةَ الله ورسوله . ومنها : محبة الاتفاق في طريقةٍ ، أو دين ، أو مذهب ، أو نِحْلة ، أو قرابة ، أو صناعة ، أو مرادٍ ما . ومنها : محبةٌ لنَيْل غرض من المحبوب ، إمَّا مِن جاهه أو من ماله أو مِن تعليمه وإرشاده ، أو قضاء وطر منه ، وهذه هي المحبة العَرَضية التي تزول بزوال مُوجِبها ، فإنَّ مَن وَدَّك لأمر ، ولَّى عنك عند انقضائه .
وأمَّا محبةُ المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب ، فمحبةٌ لازمة لا تزولُ إلا لعارض يُزيلها ، ومحبةُ العشق مِن هذا النوع ، فإنها استحسانٌ روحاني ، وامتزاج نفساني ، ولا يَعرِض في شيء من أنواع المحبةِ من الوَسْواس والنُّحول ، وشَغْلِ البال ، والتلفِ ما يعرضُ مِن العشق . فإن قيل : فإذا كان سببُ العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني ، فما بالُه لا يكون دائما مِنَ الطرَفين ، بل تجدُه كثيرا من طرف العاشق وحده ، فلو كان سببُه الاتصالَ النفسي والامتزاجَ الروحاني ، لكانت المحبةُ مشتركة بينهما . فالجواب : أنَّ السبب قد يتخلَّفُ عنه مسبِّبه لفوات شرط ، أو لوجود مانع ، وتخلُّف المحبة من الجانب الآخر لا بد أن يكون لأحد ثلاثة أسباب : الأول : عِلَّةٌ في المحبة ، وأنها محبة عَرَضية لا ذاتية ، ولا يجب الاشتراكُ في المحبة العَرَضية ، بل قد يلزمها نُفرةٌ من المحبوب .
الثاني : مانعٌ يقوم بالمحِب يمنع محبة محبوبه له ، إما في خُلُقه ، أو في خَلْقِهِ أو هَدْيه أو فعله ، أو هيئته أو غير ذلك . الثالث : مانعٌ يقوم بالمحبوب يمنعُ مشاركته للمحبِ في محبته ، ولولا ذلك المانعُ ، لقام به من المحبة مثلَ ما قام به بالآخر ، فإذا انتفتْ هذه الموانعُ ، وكانت المحبة ذاتيةً ، فلا يكون قَطُّ إلا من الجانبين ، ولولا مانعُ الكِبْر والحسد ، والرياسة والمعاداة في الكفار ، لكانت الرُّسُلُ أحبَّ إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، ولما زال هذا المانعُ من قلوب أتباعهم ، كانت محبتُهم لهم فوقَ محبة الأنفس والأهل والمال .