title: 'كتاب أمثال الحديث كاملاً' canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-77' content_type: 'book_full' book_id: 77 hadiths_shown: 123

كتاب أمثال الحديث كاملاً

المؤلف: أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي

عدد الأحاديث: 123

الأحاديث

1

بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن قال الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني- رضي الله عنه -: أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم الأنماطي بالإسكندرية: أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البغدادي، حدثني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي برامهرمز بقراءته علي في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، قال : هذا ذكر الأمثال المروية عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وهي على خلاف ما رويناه من كلامه المشاكل للأمثال المذكورة عن متقدمي العرب. فإن تلك مواقع الإفهام باللفظ الموجز المجمل، وهذه بيان وشرح وتمثيل يوافق أمثال التنزيل التي وعد الله عز وجل بها وأوعد وأحل وحرم ورجا وخوف وقرع بها المشركين، وجعلها موعظة وتذكيرا، ودل على قدرته مشاهدة وعيانا، وعاجلا وآجلا وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

2

حدثنا عبدان، حدثنا دحيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك كما يخلص الكير خبث الحديد .

3

حدثنا عثمان بن نضرة، حدثنا سوار القاضي، حدثنا عبد الوهاب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه .

4

حدثنا أبو شعيب، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا الأوزاعي، حدثني عروة بن محمد السعدي، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ثلاث إذا رأيتهن فعند ذلك : إخراب العامر، وإعمار الخراب، وأن يتمرس الرجل بأمانته تمرس البعير بالشجر . وحدثنا البراثي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن محمد بن خراشة، عن عروة بن محمد، عن أبيه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - مثله.

5

حدثنا الحسين بن بيان، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكثروا من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من الباقيات الصالحات، وهن يحططن الخطايا كما تحطط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة .

6

حدثنا هاشم بن القاسم الهاشمي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا ابن نافع، عن عطية بن رفاعة المري، عن عمه، عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يوشك أن ينطوي الإسلام في كل بلد إلى المدينة، كما تنطوي الحية إلى جحرها .

7

حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا إسماعيل بن عبد الله ابن الحارث عن عمار بن محمد، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تقارب الزمان انتقى الموت خيار أمتي، كما ينتقي أحدكم خيار الرطب من الطبق .

8

حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق بن يحيى بن زكرياء المكي ، حدثنا أبو خالد يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب ، حدثنا مسروح أبو شهاب الحدثي ، عن سفيان الثوري ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم ، والحسن والحسين على ظهره وهو يقول : ( نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما ). قال أبو محمد رحمه الله : هذا من مزاح النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو منقبة تفرد بها الحسن والحسين رضوان الله عليهما . ويتضمن من الفقه إطلاق تشبيه الإنسان بالبهيمة إذا شاركها في بعض فعلها.

9

باب التشبيه حدثنا أبي، وأحمد بن يحيى بن زهير قالا: حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا حماد بن مسعدة، عن سليمان التيمي، عن أنس، عن أم سليم: أنها كانت في نسوة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائق يسوق بهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أنجشة رويدا سوقك بالقوارير . حدثنا ابن قضاء ، حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو ، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( يا أنجشة رويدا ، سوقك بالقوارير ). قال أبو محمد : يقول صلى الله عليه وسلم : اجعل سيرك على مهل ، فإنك تسير بالقوارير، فكنى عن ذكر النساء بالقوارير ، شبههن بها لرقتهن ، وضعفهن عن الحركة . ورويد : تصغير رود . والرود : مصدر فعل الرائد ، وهو المبعوث ، ولم يستعمل في معنى المهلة في السير والحركة إلا مصغرا منونا . ومعناه أرود . وذكر صاحب كتاب العين : أنه إن أريد به ترديد الوعيد لم ينون، وأنشد ( من الطويل ) : رويد تصاهل بالعراق جيادنا كأنك بالضحاك قد قام نادبه وهذا قول أكثر العلماء ، أعني أنه كنى بالقوارير عن ذكر النساء ، وهو قول أبي عبيد . وقال آخرون : معناه : سقهن كسوقك بالقوارير . والتشبيه تشبيهان : مطلق ومقيد . فالمطلق : أن يسمى الشيء باسم ما أشبهه ، أو يجعل له فعله بعينه ، كما سميت النساء قوارير؛ لأنهن أشبهنها بالرقة واللطافة وضعف البنية . والمقيد : أن يظهر حرف التشبيه فيقول : كالقوارير ، أو مثل القوارير ، أو كأنهن القوارير ، وفي التنزيل : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فجاء مطلقا ومقيدا . وقال : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، و كأنهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ، وهذا وأشباهه من المقيد ومن المطلق وقوله : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فأوجب مرور السحاب للجبال وهما متغايران، وقال الشاعر ( من الكامل ) : النشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكف عنم واعتل بعض الفقهاء بقول النبي - صلى الله عليه وسلم- : ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) بهذا المعنى ، ونصب الهاء من قوله : ( ذكاة أمه ) قال : ومعناه ذكاته كذكاة أمه ، ولو تركتها مرفوعة على هذا التعليل لصح الاعتبار. حدثنا أبو خليفة، حدثنا شعيب، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد عن علي بن زيد بن جدعان، عن خالد بن الحويرث، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع السلك اتبعها بعضها بعضا .

10

حدثنا محمد بن خلف بن حيان، حدثنا زيد بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا معاوية بن أبي مزرد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد الحسن بن علي وجعل رجليه على ركبتيه، وهو يقول: ترق عين بقة . حدثنا محمد بن خلف، حدثنا علي بن شعيب، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثني عبد القاهر بن السري السلمي، حدثني جميل بن سنان السلمي، قال: رأيت علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يصعد المنبر ويقول: حزقة حزقة ترق عين بقة .

11

حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد الرقيقي ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن العزواني ، حدثنا عيسى بن يونس بإسناده نحوه ، وحدثنيه الحسن بن سهل بن النزال القرشي ، حدثنا عبد الرحمن بن المسور الزهري ، حدثنا سليمان بن داود العتكي ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن أخيه ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ( اجتمعت إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ، فقالت الأولى : زوجي لحم جمل غث ، على رأس جبل وعث ، لا سهل فيرتقى ، ولا سمين فينتقى . وقالت الثانية : زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره . وقالت الثالثة : زوجي العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق. قالت الرابعة : زوجي إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ، ولا يولج الكف ، ليعلم البث . وقالت الخامسة : زوجي عيايا ، طباقا ، كل داء له داء ، شجك ، أو فلك ، أو جمع كلا لك . قالت السادسة : زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب . وقالت السابعة : زوجي كليل تهامة ، لا حر ، ولا قر ، ولا مخافة ، ولا سآمة . قالت الثامنة : زوجي إن دخل فهد ، وإن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد قالت التاسعة : زوجي رفيع العماد ، عظيم الرماد ، طويل النجاد ، قريب البيت من الناد. قالت العاشرة : زوجي مالك ، فما مالك ؟ مالك خير من ذلك ، له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسالك ، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك . قالت الحادية عشرة : زوجي أبو زرع ، وما أبو زرع ؟ أناس من حلي أذني ، وملأ من شحم عضدي ، وبجحني إلي نفسي فبجحت ، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق ، فعنده أقول فلا أقبح ، وأشرب فأتقمح ، وأرقد فأتصبح . أم أبي زرع ، فما أم أبي زرع ؟ عكومها رداح ، وبيتها فساح . ابن أبي زرع ، وما ابن أبي زرع ؟ مضجعه كمسل الشطبة ، ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع ، فما بنت أبي زرع ؟ طوع أبيها ، وطوع أمها ، وملء كسائها ، وغيظ جارتها . جارية أبي زرع ، وما جارية أبي زرع ؟ لا تبث حديثا تبثيثا ، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ، ولا تملأ بيتنا تعشيشا . خرج أبو زرع والوطاب تمخض ، فمر بامرأة معها ولدان يلعبان من تحت خصرها برمانتين فطلقني ونكحها ، فتزوجت بعده رجلا سريا ، ركب شريا ، وأخذ خطيا ، وأراح علي نعما ثريا ، وقال : كلي أم زرع ، وميري أهلك ، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة : فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كنت لك كأبي زرع لأم زرع) . قال أبو محمد رحمه الله : فسر لنا هذا الحديث القرشي ، وحكاه عن حميد بن الربيع اللخمي، قال : أما قول الأولى : زوجي لحم جمل غث ، فإنها تصف قلة خيره ، وبعد متناوله مع القلة كالشيء في قلة الجبل الصعب ، لا ينال إلا بمشقة ، والغث : المهزول . وقولها : لا ينتقى ، يعني : ليس فيه نقي ، والنقي : المخ ، تقول : نقيت العظم ونقيته إذا استخرجت النقي منه. وقول الثانية : زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره ، فالبث : الإفشاء ، تقول : لا أفشي سره ، فالعجر : أن يتعقد العصب أو العروق حتى تراها ناتية من الجسد ، والبجر نحوها ، إلا أنها في البطن خاصة ، واحدتها بجرة . وقد قيل : رجل أبجر ، إذا كان ناتي السرة عظيمها، حدثني أبو الطيب الناقد حدثنا نصر بن علي قال : قلت للأصمعي : ما معنى قول علي - رضي الله عنه - حين وقف على طلحة يوم الجمل وهو مقتول : أشكو إلى الله عجري وبجري ؟ فقال الأصمعي : يعني همومي وأحزاني. وقول الثالثة : زوجي العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق ، فالعشنق : الطويل، تقول : ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع ، فإن ذكرت ما فيه من العيوب طلقني ، وإن سكت تركني معلقة لا أيما ، ولا ذات بعل ، ومنه قول الله عز وجل: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ . وقول الرابعة : زوجي كليل تهامة لا حر ، ولا قر ، ولا مخافة، ولا سأمة ، تقول : ليس عنده أذى ، ولا مكروه ، وهذا مثل لأن الحر والقر مؤذيان إذا اشتدا ، ولا مخافة : تعني لا غائلة عنده، ولا شر فأخافه ، ولا سأمة : تقول : لا يسأمني ، أي لا يمل صحبتي ، ومنه قول الله جل وعلا: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ (41|49) أي لا يمل . وقول الخامسة : إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ، اللف في المطعم : الإكثار منه مع التخليط من الصنوف حتى لا يبقي منه شيء ، والاشتفاف : أن يستقصي ما في الإناء ، وإنما أخذ من الشفافة ، وهي البقية تبقى في الإناء من الشراب ، فإذا شربها صاحبها قيل اشتفها وتشافها تشافا. وقولها : لا يولج الكف ليعلم البث : أراه كان بجسدها عيب وداء تكتئب له ؛ لأن البث هو الحزن ، فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك العيب ، وليعيب فيشقق عليها ، تصفه بالكرم . وقول السادسة : زوجي عيايا ، طباقاء ، فالعيايا من الإبل : التي لا يضرب ولا يلقح ، وكذلك هو في الرجال ، والطباقاء : العيي الأحمق الفدم، وقولها : كل داء له داء ، أي كل شيء من أدواء الناس فيه من أدوائه . وقول السابعة : زوجي إن دخل فهد ، وإن خرج أسد ، فإنها تصفه بكثرة النوم والغفلة في منزله على وجه المدح له ، وذلك أن الفهد يكثر النوم ، يقال : أنوم من فهد ، والذي أرادت أنه ليس يتفقد ما ذهب من ماله ، ولا يلتفت إلى معائب البيت وما فيه ، وهو كأنه ساه عن ذلك ، ومما يبين ذلك قولها : ولا يسأل عما عهد ، تعني عما كان عندي. وقولها : إن خرج أسد ، تصفه بالشجاعة ، تقول : إذا خرج إلى الناس في مباشرة الحروب أسد ، يقال: أسد الرجل واستأسد . وقول الثامنة : زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب، فإن فيه معنيين ، فإنها تصفه بحسن الخلق ، ولين الجانب كمس الأرنب إذا وضعت يدك على ظهرها. وقولها : الريح ريح زرنب ، فإن فيه معنيين: يجوز أن تريد طيب روح جسده ، ويجوز أن تريد طيب الثناء في الناس ، وانتشاره فيهم كريح الزرنب ، وهو نوع من أنواع الطيب معروف ، والثنا والثناء واحد، إلا أن الثناء ممدود ، والثنا مقصور . وقول التاسعة : زوجي رفيع العماد ، تعني عماد البيت ، وجمعه عمد ، ومنه قوله عز وجل : رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ، والعمد : العيدان التي تعمد بها البيوت، وتعني أن بيته في حسبه رفيع في قومه وقولها : طويل النجاد : تصفه بامتداد القامة ، والنجاد : حمائل السيف ، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله ، وأما قولها : عظيم الرماد فكأنها تصفه بالجود وكثرة الضيافة ؛ لأن ناره تعظم ويكثر وقودها ، ويكون الرماد في الكثرة على قدر ذلك ، وقولها : قريب البيت من الناد : تعني أنه ينزل بين ظهراني الناس ليعلموا مكانه فينزل به الأضياف ، ولا يستبعد منهم فرارا من نزول النوائب والأضياف . وقول العاشرة : زوجي مالك ، فما مالك ؟ مالك خير من ذلك ، له إبل قليلات المسارح ، كثيرات المبارك ، تقول : إنه لا يوجههن لسرحهن نهارا إلا قليلا ، ولكن يبركن في فنائه ، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه ليقري من ألبانها ولحومها . وقولها : إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك ، فالمزهر : العود الذي يضرب به، فإذا سمعن صوته أيقن أنهن منحورات . وقول الحادية عشرة : زوجي أبو زرع ، وما أبو زرع ؟ أناس من حلي أذني ، تقول : وحلاني قرطة وشنوفا تنوس بأذني ، والنوس : الحركة في كل شيء متدل . قال أبو محمد رحمه الله : وسمعت أبا موسى الحامض يقول : سمي الإنسان من النوس ، وهو فعلان منه . وقولها : ملأ من شحم عضدي : لم ترد العضد خاصة ، أرادت الجسد كله ، تقول : إنه سمنني بإحسانه ، وإذا سمنت العضد سمن سائر جسدها ، وقولها : وبجحني فبجحت إلي نفسي ، أي فرحني ، وقد تبجح الرجل إذا فرح . وقولها : وجدني في أهل غنيمة بشق ، تقول : إن أهلها كانوا أصحاب غنم ، ليسوا أصحاب خيل ولا إبل ، وشق موضع . وقولها : جعلني في أهل صهيل وأطيط ، تعني أنه ذهب بي إلى أهله ، وهم أصحاب خيل وإبل ، والصهيل: أصوات الخيل ، والأطيط: أصوات الإبل، وقولها: ودائس ، فإن بعض الناس يتأوله دياس الطعام ، وأهل الشام يسمونه الدراس ، فأرادت أنهم أصحاب زرع . وهذا أشبه بكلام العرب. وقولها: منق فهو من تنقية الطعام إذا ديس ، وقولها : عنده أقول فلا أقبح ، وأشرب فأتقمح ، فإنها تريد : لا يقبح قولي ، ويسمع مني ، وأما قولها : أتقمح أي أروى حتى أدع الشرب من شدة الري ، وهذا من عزة الماء عندهم ، وكل رافع رأسه فهو مقامح . قال الله عز وجل : إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وقولها : عكومها رداح ، فالعكوم الأحمال والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع ، وقولها: رداح تعني عظاما كثيرة الحشو ، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الأكفال : رداح ، وقولها : كمسل الشطبة ، فإن أصلها ما شطب من جريد النخل وهو سعفه ، وذلك أنه تشقق منه قضبان فتدق ، وتنسج منه الحصر ، يقال منه للمرأة التي تفعل ذلك : شاطبة . وقولها : يشبعه ذراع الجفرة ، فإن الجفرة الأنثى من أولاد الغنم ، والذكر جفر ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المحرم: يصيب الأرنب جفرة، والعرب تمدح الرجل بقلة المطعم والمشرب . وقولها : لا تبث حديثا تبثيثا ، تعني لا تظهر سرنا ، وقولها : لا تنقث ميرتنا تنقيثا ، تعني الطعام لا تأخذه فتذهب به ، تصفها بالأمانة ، والتنقيث : الإسراع في السير وقولها : والوطاب تمخض ، الوطاب : أسقية اللبن ، واحدها وطب . وقولها : معها ولدان كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين ، تعني أنها ذات كفل عظيم ، فإذا استلقت نتأ الكفل من الأرض حتى تصير تحتها فجوة تجري فيها الرمان . وقولها : ركب شريا ، تعني فرسا يستشري في سيره ، أي يلج ويمضي فيه بلا فتور ولا انكسار ، ومن هذا قيل للرجل إذا لح في الأمر: قد شري ، واستشرى ، وقولها : أخذ خطيا : فالخطي : الرمح منسوب إلى ناحية من البحرين، يقال لها: الخط ، وأصل الرماح من الهند ، ولكنها تحمل إلى الخط ثم تفرق في البلاد ، وقولها : نعما ثريا ، تعني بالنعم الإبل ، والثري : الكثير ، يقال: ثرى بنو فلان بني فلان إذا كثروهم ، فكانوا أكثر منهم. آخر الجزء السادس، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه، ويتلوه في السابع: حدثنا حامد بن محمد بن شعيب، حدثنا عبد الله بن عون الخراز، والحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد وآله. الجزء السابع وهو آخر كتاب أمثال الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تصنيف القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي

12

حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا عمي عبيد الله، حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني أبي عن عروة، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة، كنت لك كأبي زرع لأم زرع . حدثنا محمد بن أحمد بن هلال الشطوي، حدثنا نصر بن داود، حدثنا يحيى بن يعلى، حدثنا أبي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كنت لك كأبي زرع لأم زرع . وذكر الحديث . حدثنا موسى بن هارون، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن داود بن سابور، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة أنها ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر أبي زرع وأم زرع . حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا صالح بن مالك ، حدثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، عن هشام بن عروة ، عن أخيه ، عن أبيه ، عن عائشة . وحدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام بن عروة ، عن أخيه ، عن أبيه ، عن عائشة - رضوان الله عليها - قالت : جلس إحدى عشرة امرأة وذكر حديث أم زرع بطوله، قالت : فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي : ( كنت لك كأبي زرع لأم زرع ). قال عيسى : إنما يراد من هذا الحديث هذا. حدثني محمد بن فردحت السيرافي ، حدثنا محمد بن منصور الجواز ، حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي ، حدثنا محمد بن محمد الطائفي ، عن القاسم بن عبد الواحد بن أيمن ، حدثني عمر بن عبد الرحمن بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : فخرت بمال أبي في الجاهلية ، وكان ألف ألف أوقية ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسكتي يا عائشة ، فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع ) ثم أنشأ يحدثنا أن إحدى عشرة امرأة اجتمعن فتعاقدن وتعاهدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا . وذكر الحديث وزاد فيه : قالت عائشة : يا رسول الله ، بل أنت خير من أبي زرع.

13

حدثنا إبراهيم بن أيوب، حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا خالد بن عبد الله، عن بيان، عن قيس، عن مرداس الأسلمي، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : يذهب الصالحون أسلافا، الأول فالأول، حتى لا يبقى إلا حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يبالي الله بهم . قال أبو محمد: الحثالة من كل شيء رذالته.

14

حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي مطين: حدثنا عبد الله بن براد، حدثني زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن عمرو المعافري: أنه سمع شفيا الأصبحي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: حفظت عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ألف مثل .

15

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام الأجل الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني : أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف المصري ، حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البغدادي ، حدثني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي. في نعت الجنة حدثنا حامد بن محمد بن شعيب ، حدثنا عبد الله بن عون الخراز ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا محمد بن المهاجر الأنصاري ، حدثنا سليمان بن موسى ، حدثنا كريب ، حدثنا أسامة بن زيد ، قال : سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وذكر الجنة فقال : ( ألا مشمر لها ؟ هي ورب الكعبة ريحانة تهتز ، ونور يتلألأ ، ونهر يطرد ، وزوجة لا تموت ، في حبور ونعيم ، ومقام أبدا ). قال أبو محمد رحمه الله : هذا أوجز ما يكون من الكلام وأحسنه ، وتقديره أن ريحانتها نضرة أبدا غضة ، ونورها مشرق لا يتغاير ، وأنهارها جارية ، ولأهلها أزواج لا يموتون ، ولا يهرمون ، ولا ينفد نعيمهم ، وهم فيها خالدون .

16

حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف ، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وحدثنا عبد الله بن أحمد موسى عبدان، حدثنا عبد ربه بن خالد النميري: حدثنا الفضيل بن سليمان النميري عن موسى بن عقبة، عن أبي حازم التمار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي مثل رجل بنى بنيانا، فأحسنه وأجمله وأكمله، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون به ويقولون: ما رأينا أحسن من هذا، لولا موضع هذه اللبنة، ألا فكنت أنا تلك اللبنة . قال أبو محمد: هذا مثل في نبوته صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم الأنبياء، وبه تتم حجة الله على خلقه، ومثل ذلك بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا، وهو ناقص الكمال بنقصان بعضه، فأكمل الله به دينه وختم به وحيه. والعرب تمثل ما يبالغون فيه من الوثاقة والأصالة وعقد المكارم والمفاخر وأشباه ذلك بالبنيان، قال الله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ يعني لا يزول ولا يتخلخل. وأخبر أنه بنى السماء ورفع سمكها، وهو بناء القدرة، لا أن ثم شيئا من آلة الصنعة، قال عبدة بن الطبيب: يذكر قيس بن عاصم (من الطويل): فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما وقال آخر (من الطويل): أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا البنا: مقصور بضم الباء جمع بنية، هكذا قال لنا إبراهيم بن السري، كما تقول: لحية ولحى، وحليلة وحلى. وأنشد ابن دريد (من الطويل): تبوأت بيتا في المكارم والعلى رفيع البنا بين المجرة والنجم وقال زياد بن حمل التميمي ( من البسيط): غمر الندى لا يبيت الحق يثمده إلا غدا وهو سامي الطرف يبتسم إن المكارم يبنيها ويعمرها حتى ينال أمورا دونه قحم يعنى لا يلج عليه الحق إلا سر به، وقحم تكلف وتعب. وأخبرنا أبو خليفة عن ابن سلام قال : لما أراد الوليد بن عبد الملك -وإنما هو عبد الملك وليس هو الوليد- أن يبايع لابنه يزيد قال جرير ( من الوافر): وماذا تنظرون بها وفيكم نهوض بالعظائم واعتلاء ولو قد بايعوك ولي عهد لقام الوزن واعتدل البناء وقال آخر من العرب يمدح قوما ( من الوافر): هم حلوا من الشرف المعلى ومن حسب العشيرة حيث شاءوا بناة مكارم وأساة كلم دماؤهم من الكلب الشفاء فأما بيتكم إن عد بيت فطال السمك واتسع الفناء وأما أسه فعلى قديم من العادي إن ذكر البناء فلو أن السماء دنت لمجد ومكرمة دنت لكم السماء قوله: دماؤهم من الكلب الشفاء، الكلب داء يأخد الكلب، وكانت العرب تزعم أن الكلب الكلب، وهو الذي يأخذه هذا الداء إذا عض تلف المعضوض، وإذا استشفى المعضوض بدم الشريف برأ.

17

في نعت النار حدثنا عبدان ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا ابن جابر ، حدثنا أبو سعيد ، قال : سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه- يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ( إن الصراط بين أظهر جهنم ، دحض مزلة ، والأنبياء عليه يقولون : رب سلم سلم ! والناس عليه كالبرق ، وكطرفة العين ، وكأجاود الخيل والركاب ، وشدا على الأقدام ، فناج مسلم ، ومخدوش مرسل ، ومطروح فيها ، ولها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم ).

18

حدثنا أبي: حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سور فيه أبواب مفتحة، وعلى تلك الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، ومن فوق الصراط داع ينادي، فمن أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال : ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي القرآن، والداعي من فوق واعظ الله . قال لنا أبو محمد: الصراط الطريق، والسور الحائط يقال: سرت الحائط وتسورته إذا صرت في أعلاه، وجنبتا الصراط ناحيتاه، والجمع جنبات، والحد المقدار، والتناهي الممنوع من تجاوزه، كما قال الله عز وجل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا . وأصل الحد المنع، ومنه ضرب الحد، وهو عدد، ومقدار منع الله من تجاوزه، وحدود الدار هو المقدار والتناهي التي لا يتجاوزها صاحب الدار، ويسمى البواب حدادا؛ لأنه يمنع من الدخول، وتقول: دون ذلك الأمر حدد، أي: مانع. قال زيد بن عمرو بن نفيل ( من البسيط ) : سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد لا تعبدن إلها غير خالقكم وإن دعيتم فقولوا دونه حدد وهذا مثل في وضوح الحق وظهور معالم الإسلام لمن أراد قصدها، وعدل عن طريق الشبه والريب مفارقا لها، وبيانه في حديث النعمان بن بشير: الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استترن منه وأعرضن عنه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى فيوشك أن يقع فيه، ولكل ملك حمى، وحمى الله محارمه . قال لنا أبو محمد: الحمى: المكان المعشب الذي يمنع مالكه من تطرقه، وقوله: فمن اتقى الشبهات استترن منه وأعرضن عنه تمثيل، ومعناه ترك الإنسان ما يريبه إلى ما لا يريبه، وجعل الفعل للشبه على التوسعة، ومثله في كلام العرب كثير، قال الشاعر ( من الوافر ) : وفارقني قرين السوء لما رأيت الرشد فارقت القرينا أراد جهل الشباب فأوجب له الفعل في حال ولنفسه في حال، والجهل لا فعل له، وإنما الفعل للجاهل.

19

في نعت الدنيا حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا يحيى بن أيوب المقابري، حدثنا عبد الجبار بن وهب، حدثنا سعد بن طارق عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعمت الدار الدنيا لمن تزود فيها خيرا لآخرته ما يرضي ربه، وبئست الدار الدنيا لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضى ربه، فإذا قال العبد: قبح الله الدنيا، قالت الدنيا: قبح الله أعصانا لربه .

20

حدثنا أحمد بن محمد الشافعي، حدثنا عمي إبراهيم بن محمد الشافعي، حدثنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحلال بين والحرام بين، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك . تقول: رابني الأمر يريبني، إذا أدخل عليك شكا، وسمعت إبراهيم بن السري يحكي عن أبي عبيدة أنه قال : رابني وأرابني بمعنى واحد، وأنشدني محمد بن عطية السامي، عن الزيادي ( من الرجز ) : يا قوم ما لي وأبا ذؤيب كنت إذا أتوته من غيب يشم عطفي ويبز ثوبي كأنما أربته بريب قال الزيادي: أتوته بمعنى أتيته، وربته وأربته جميعا، وربته هو المعروف، ويقال: أراب الرجل، إذا كان صاحب ريبة، والريب أيضا حادثة من حوادث الدهر، والريب الشك. وأنشدنا وكيع ( من الكامل ) : دع ما يريبك وانتقل عنه إلى ما لا يريبك واقنع بما رزق الإله فليس تعدو ما يصيبك وليأتينك أين كنت موفرا منه نصيبك

21

حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا زاهر بن نوح، حدثنا هدبة بن المنهال، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: صنفان من أهل النار لم أرهما، ناس معهم سياط كأنها أذناب البقر، يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يرين الجنة ولا يجدن ريحها . أنشدنا ابن المرزبان للمتوكل الليثي ( من الطويل ) : يعطلن إلا من محاسن أوجه فهن حوال في الصفات عواطل كواس عوار صامتات نواطق بغث الكلام باخلات بواذل

22

حدثنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا الحسين بن السميدع الأنطاكي، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا الجراح بن مليح، عن أرطاة بن المنذر، عن عبد الله بن دينار البهراني، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: النساء على ثلاثة أصناف، صنف كالعر وهو الجرب، وصنف كالوعاء تحمل وتضع، وصنف ودود ولود، مسلمة تعين زوجها على إيمانه، وهي خير له من الكنز .

23

حدثنا هارون بن يوسف، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا مروان الفزاري، عن جويبر، عن الضحاك أو غيره، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بينا أنا بين النائم واليقظان، إذ أتاني ملكان، فقال أحدهما: إن له مثلا فاضرب له مثلا، فقال: سيد بني دارا، وأعد مأدبة، وبعث مناديا، فالسيد الله، والدار الجنة، والمأدبة الإسلام، والداعي محمد - صلى الله عليه وسلم ورواه يزيد بن هارون، عن سليمان بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نائما، فأتاه ملكان، فقال أحدهما: العين نائمة والقلب يقظان، وقال الآخر: إن له مثلا، وذكر نحوا من الكلام الأول . قال لنا أبو محمد: المأدبة الوليمة. وفي حديث ابن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله. ويروى: مأدبة الله بفتح الدال، قال لي أبو موسى الحامض: من رواها بضم الدال فإنما أراد الوليمة، ومن رواها بفتح الدال أراد أدب الله عز وجل الذي أدب به عباده. قال أبو محمد: وقوله: القلب يقظان، تمثيل ويراد به حياة القلب وصحة خواطره، ويقال: رجل يقظ ويقظ إذا كان حديد القلب ذكيه، وهذا مثل لدعوة النبي- صلى الله عليه وسلم - والفوز بالاستجابة لها والوصول إلى الجنة وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (10/25) .

24

حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد بن موسى: حدثنا سماك بن عبد الصمد أبو القاسم الأنصاري من ولد سماك بن رافع، من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، عن وهب بن تميم، عن الشعبي، عن خيفان بن عرابة العبسي، عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الإيمان يمان، والحكمة يمانية رحا الإيمان دائرة في ولد قحطان، والقسوة والجفوة فيما ولد عدنان، حمير رأس العرب ونابها، ومدحج هامتها وغلصمتها، والأزد كاهلها وجمجمتها، والأنصار مني وأنا منهم، اللهم أعز الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، اللهم أعز غسان، غسان أكرم العرب في الجاهلية، وأفضل الناس في الإسلام .

25

في نعت القبائل حدثنا أبي، حدثنا حوترة ، حدثنا أبو مدين، حدثنا حماد بن زيد المنقري، عن الوضين بن مسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قريش سادة العرب، وقيس فرسانها، وتميم رحاها .

26

حدثنا هارون بن يوسف، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا عمر بن خالد القرشي، حدثنا أبو عبد الله الحلبي، عن عبد الله بن فرات، عن عثمان بن الضحاك، رفع الحديث إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: عبد مناف عز قريش، وأسد بن عبد العزى ركنها وعضدها، وعبد الدار قادتها وأوائلها، وزهرة الكبد وبنو تميم وعدي زينتها، ومخزوم فيها كالأراكة في نضرتها، وسهم وجمح جناحاها، وعامر ليوثها وفرسانها، وقريش تبع لولد قصي، والناس تبع لقريش .

27

حدثنا موسى بن زكرياء، حدثنا عمرو بن الحصين، حدثنا ابن علاثة، حدثنا غالب بن عبيد الله الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ذكرت بنو تميم عند النبي- صلى الله عليه وسلم - فنال منها الأشعث بن قيس، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : مهلا يا أشعث، فإن تميما رحانا، وقيسا فرساننا، إن تميما صخرة صماء لا تفل، ولا تضيرها عداوة من عاداها، وهم عظام الهام، رجح الأحلام، ثبت الأقدام، وهم قتلة الدجال، وأنصار الدين في آخر الزمان .

28

حدثنا علي بن محمد بن الحسين : حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، حدثنا أبو معاوية، عن سلام بن صبيح، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: ذكرت القبائل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، ما تقول في هوازن؟ قال: زهرة تينع. قالوا: فما تقول في بني عامر؟ قال: جمل أزهر، يأكل من أطراف الشجر. قالوا: فما تقول في تميم؟ قال: يأبى الله لتميم إلا خيرا، ثبت الأقدام، عظام الهام، رجح الأحلام، هضبة حمراء، لا يضرها من ناواها، أشد الناس على الدجال في آخر الزمان .

29

حدثنا موسى بن زكرياء، حدثنا عمرو وحدثنا ابن علاثة، حدثنا ثوبر عن خالد، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الاحتباء حيطان العرب، والاتكاء رهبانية العرب، والعمائم تيجان العرب، فاعتموا تزدادوا حلما، ومن اعتم فله بكل كور حسنة، فإذا حط فله بكل حطة حط خطيئة .

30

حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا سليم بن عامر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم –: نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وأوتيت الحكمة، وضرب لي من الأمثال مثل القرآن، وإني بينا أنا نائم إذ أتاني ملكان، فقام أحدهما عند رأسي، وقام الآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي: اضرب مثلا، فقال الذي عند رجلي: بل اضرب مثلا وأنا أفسره، فقال الذي عند رأسي وأهوى إلي: لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليع قلبك. قال: فكنت كذلك، أما الأذن فتسمع، وأما القلب فيعي، وأما العين فتنام. قال: فضرب مثلا فقال: بركة فيها شجرة نابتة، وفي الشجرة غصن خارج، فجاء ضارب فضرب الشجرة فوقع الغصن ووقع معه ورق كثير، كل ذلك في البركة، لم يعدها، ثم ضرب الثانية فوقع ورق كثير، كل ذلك في البركة لم يعدها، ثم ضرب الثالثة فوقع ورق كثير، لا أدري ما وقع فيها أكثر أو ما خرج منها. قال : ففسر الذي عند رجلي فقال: أما البركة فهي الجنة، وأما الشجرة فهي الأمة، وأما الغصن فهو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما الضارب فملك الموت، ضرب الضربة الأولى في القرن الأول فوقع النبي- صلى الله عليه وسلم - وأهل طبقته، وضرب الثانية في القرن الثاني فوقع كل ذلك في الجنة، ثم ضرب الثالثة في القرن الثالث فلا أدري ما وقع فيها أكثر أو ما خرج منها .

31

حدثنا محمد بن الجنيد بن بهرام ، حدثنا الحجاج بن يوسف يعرف بالشاعر ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو عقيل ، حدثنا يزيد بن سنان ، حدثني بكير بن فيروز ، قال : سمعت أبا هريرة ، يقول : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : ( من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله هي الجنة ). قال أبو محمد رحمه الله : هذا من أحسن كناية وأوجزها وأدلها على معنى لا يتعلق بشيء من لفظه ، ومعناه : من خاف النار جد في العمل ، ومن جد في العمل وصل إلى الجنة ، فجعل خائف النار بمنزلة المسافر الذي يخاف فوت المنزل فيرحل مدلجا . والإدلاج : السير من أول الليل وجعلت غالية لشرفها وسروها؛ ولأنها لا تنال بالهوينا والتقصير ، إنما تنال بمجاهدة النفس ، ومغالبة الهوى ، وترك الشهوات.

32

باب الكناية حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، حدثنا سعيد بن سليمان ، عن إبراهيم بن ميمون ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من شق عصا المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ). قال أبو محمد رحمه الله : شق العصا بمعنى مخالفة الإسلام والخروج على أهله بالعصيان . يقال : شقت عصا المسلمين إذا اختلفت كلمتهم ، وتبدد جمعهم ، والشقاق : المخالفة، في التنزيل قال الله عز وجل : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ . والربقة : القلادة ، ولا قلادة هناك ، إنما هو على التمثيل ، وهذا من الكناية التي قد يدل ظاهرها على موقع المراد منها.

33

حدثنا عبد الله بن علي بن مهدي السفحي ، حدثنا يزيد بن عمرو الغنوي ، حدثنا نائل بن نجيح ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ( إن الجنة تحت ظلال السيوف ). قال أبو محمد : وهذا حث منه على الجهاد ، ومعناه : أن حامل سيفه في سبيل الله مطيعا لله به يصل إلى الجنة.

34

حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم، حدثنا عمرو بن علي حدثنا سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود، عن نضر بن عاصم الليثي، قال: أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقريش وأخر أبا سفيان ثم أذن له، فقال: ما كدت أن تأذن لي حتى كدت أن تأذن لحجارة الجلهمتين قبلي؟ فقال: ما أنت وذاك يا أبا سفيان؟ إنما أنت كما قال الأول: كل الصيد في بطن الفرا .

35

حدثنا محمد بن الحسن بن سماعة الحضرمي: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا بشير يعني ابن المهاجر الغنوي، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال : خرج النبي- صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا أن يأتيهم، فبعثوا رجلا يتربا لهم، فبينما هو كذلك إذ أبصر العدو فأقبل لينذر قومه، فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه، أيها الناس أتيتم ثلاث مرات . قال أبو محمد: يتربا لهم، هو أن يعلو شاهقا فيرقب العدو وينذر به، واسمه الربيئة على مثال فعيلة مهموز، وهو الذي يقال له: الديدبان. قال عبيد الله بن ثعلبة اليشكري ( من الكامل ) : أما النهار فرابي قومي بمرقبة يفاع والليل أبطن ذا خضا خض والوعور من البقاع ترد السباع معي فألـ غى كالمدل من السباع ومنه قولهم: إني لأربأ بك عن كذا، أي أرفعك عنه، وتقول: ما رأيته حتى أربأ علي، أي أشرف علي. وهذا مثل في السبق إلى اتباع النبي- صلى الله عليه وسلم - والفوز بتصديقه قبل فقده، وأنه آخر من أنذر ولا نبي بعده ينتظر، ويتضمن معنى دنو الساعة وقربها كما قال : بعثت والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه وقال الله عز وجل: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ يعني دنت القيامة، وهذا على المبالغة في تقريب الكائن الذي هو لا محالة واقع، كما قال أبو بكر- رضي الله عنه - ( من الرجز ) : كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله أرد بدنو الموت وقوعه لا محالة، وقال كعب الغنوي ( من الطويل ) : لعمركما إن البعيد الذي مضى وإن الذي يأتي غدا لقريب فسمى ما قدر كونه وينتظر وقوعه وإن بعد وقته باسم غد، وهو ثاني يومك؛ لأن مرور الأوقات يدنيه، وفي التنزيل: سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (54/2) وهذا وشبهه متصرف في أكثر كلام العرب، ولهذا أخرجوا المستقبل من الأفعال التي وقع الوعد به مخرج الماضي الذي قد تصرم وقته، كما قال الله عز وجل : وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . وسمعت إبراهيم بن محمد بن عرفة يقول في قوله عز وجل: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ إن معناه: أتى أمر الله وعدا فلا تستعجلوه وقوعا. ومن كلام العرب إذا بالغوا في شدة السعي وسرعة الحركة: جاءنا زيد أسرع من الريح، وأسرع من البرق، ورأينا فلانا يطير، ومعلوم أن الإنسان لا يباري الريح والبرق، ولا يقدر على الطيران، وإنما يراد به الخفة وسرعة الحركة، ويقال في أمثالهم: جاء فلان قبل عير وما جرى، يريدون السرعة. أي قبل لحظة العين، والعير بالراء إنسان العين، وفسر بيت الحارث بن حلزة ( من الخفيف ) : زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا وأنا الولاء أي: كل من ضرب بجفن على عير، قال : والعير إنسان العين، وهذا تفسير بعض الرواة من القدماء، وهو غريب، فهذه لغات العرب وإنما خاطبهم النبي- صلى الله عليه وسلم - بلغته ولغتهم، فمن جهل لغات المخاطبين فقد خرج عن جملة النظارين.

36

حدثنا موسى بن زكرياء ، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي ، حدثنا ابن علاثة ، حدثنا عون بن يزيد ، عن نصر بن علقمة الكناني ، عن مخراق بن عبد الله ، عن عتبة بن عبد السلمي ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جز أذناب الخيل ، وأعرافها ، ونواصيها ، وقال : ( أما أعرافها فإنها أدفاءُها، وأما أذنابها فإنها مذابها ، وأما نواصيها، فإن الخير معقود في نواصيها ).

37

حدثنا أبو حفص الكاغذي ، حدثنا العباس بن يزيد البحراني ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا محمد بن عبد الملك الكوفي - وأراه ثقفيا - حدثنا محمد بن المنكدر ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الخيل - فقال : ( أعرافها أدفاءُها، وأذنابها مذابها ).

38

في نعت الخيل حدثنا عبد الوهاب بن رواحة بن عزرة القرشي ، حدثنا محمد بن زنبور المكي ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا ثابت ، عن أنس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشجع الناس ، وأجود الناس ، وأسخى الناس ، وكان في المدينة فزع، فركب فرسا لأبي طلحة عريا، فقال : ( لا تراعوا، فلما رجع قال : إني وجدته بحرا ).

39

حدثنا محمد بن أحمد البوراني القاضي ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا أرطاة بن الأشعث ، عن الأعمش ، عن سفيان ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الغنم بركة ، والإبل عز لأهلها ، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ).

40

حدثنا بكر بن أحمد الزهري ، حدثنا أبو حاتم ، عن أبي عبيدة ، قال : ذكر لنا عن ابن جريج ، وعن الزهري ، وعامر بن شراحيل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدة بن مسهر ، وكان وفد مع جرير بن عبد الله ، ومسهر الذي فقأ عين عامر بن الطفيل ، وله قال عامر ( من الطويل ) : لعمري وما عمري علي بهين لقد شان حر الوجه طعنة مسهر ( أين منزلك يا ابن مسهر ؟ . قال : بكعبة نجران ، حيث تساتل سحها ، وتتناوح ريحها ، وتصافح طلحها ، ويتواهق سرحها ، إن أجدب الناس أمرعنا ، وإن أخصبوا اتبعنا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( عليك بالخيل ، اتخذها في بلادك ، فإنها عز للحلول ، وحرز في الشدائد ، والخير معقود في نواصيها ، والشر مسدود في هواديها ، وإن لا فالغنم ، فمنها معاشنا ، وصوفها رياشنا ، ودفؤها كناسنا ).

41

حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن الفرج بن عبد الله الجشمي ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن علي بن رباح ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( خير الخيل الأدهم، الأقرح ، المحجل، الأثر ، ثم طلق يد اليمنى ، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية ).

42

حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال : كان النبي- صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه نذير جيش يقول: صبحكم ومساكم، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويفرق بين إصبعيه السبابة والوسطى .

43

الجزء السادس من كتاب أمثال الحديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تصنيف. القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني رحمه الله : أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم الأنماطي ، حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البغدادي ، حدثني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي برامهرمز ، حدثنا سهل بن موسى ، حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل المنفق والبخيل مثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما ، فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه الدرع ، أو مرت عليه حتى تجن بنانه ، وتعفو أثره ، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت أو لزمت كل حلقة موضعها حتى تأخذ بترقوته أو برقبته ) فشهد أبو هريرة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث بهذا الحديث ، وومى بيده إلى حلقة ، وهو يوسعها ولا تتسع . وأدخل سفيان إصبعه في جبته يدير هكذا.

44

حدثنا عبد الوهاب بن رواحة، حدثنا أبو كريب، حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، عن عبيدة بن الأسود، عن مجالد، عن قيس، عن المستورد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: بعثت في نفس الساعة، سبقتها كما سبقت هذه هذه، وأشار بإصبعيه .

45

حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري ، عن إبراهيم بن سعد ، حدثني أبي ، وحدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، قال : إني لجالس إلى عمي حميد بن عبد الرحمن في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ عرض لي في المسجد شيخ جليل في بصره ضعف ، فأرسل إليه حميد فأقبل ، فقال حميد : يا ابن أخي ، أوسع لي فيما بيني وبينك ، فإنه قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سفره ، فجاء فجلس ، فقال له حميد : الحديث الذي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في السحاب ؟ فقال : نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله ينشئ السحاب ، فتنطق أحسن النطق ، وتضحك أحسن الضحك ). قال أبو محمد رحمه الله : هذا من أحسن التشبيه وألطفه ؛ لأنه جعل صوت الرعد منطقا للسحاب ، وتلألؤ البرق بمنزلة الضحك لها . وقال ابن مطير ( من الكامل ) : مستضحك بلوامع مستعبر بمدامع لم تمرها الأقذاء فله بلا حزن ولا بمسرة ضحك يؤلف بينه وبكاء سحم فهن إذا كظمن فواحص وإذا ضحكن به فهن وضاء حدثنا أبو موسى الحامض في كلام لعبد الملك كتب به إلى عامل له بمكة يسأله عن غيث كان بها ويستوصفه إياه ، فكتب إليه فصلا فيه : فأقبلت الجنوب تسقي بذيلها التراب ، وتنشأ من فوقها السحاب ، فتبسم بالبروق الخواطف ، وتنطق بالرعود الرواجف ، فزجرت الرعود أردافه ، وأضحكت البروق أعطافه ، وحلبت الجنوب أخلافه.

46

حدثنا أحمد بن عمرو الحنفي ، حدثنا عبد الله بن محمد الأموي ، عن عباد بن عباد المهلبي ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، قال : كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم دجن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كيف ترون بواسقها ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما أحسنها ، وأشد تمكنها، قال : فكيف ترون جونها ؟ . قالوا : يا رسول الله ، ما أحسنه ، وأشد سواده، قال : فكيف ترون بروقها ، أحفوا ، أو وميضا ، أم يشق شقا ؟ قالوا : يا رسول الله ، بل يشق شقا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الحياء . أي جاءكم الحياء ، فقال أعرابي : يا رسول الله ، ما رأيت الذي هو أفصح منك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : وما يمنعني ، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين ؟ ).

47

في نعت السحاب حدثنا موسى بن زكرياء، حدثنا عمرو بن الحصين، حدثنا أمية بن سعيد الأموي، حدثنا صفوان بن سليم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ينشئ الله السحاب ثم ينزل فيها فلا شيء أحسن من منطقه، قال: منطقه الرعد وضحكه البرق .

48

حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان ويعرف بالثغري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء، فأطاعه طائفة منهم فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، كذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق . قال أبو محمد: سمعت أبي يقول: النذير العريان الذي قد ظهر صدقه، ولا أدري عمن حكاه، وإلى من أسنده، إلا أني سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن السري يقول: عري الأمر إذا ظهر، ويقال: الحق عار أي ظاهر مشرق مشرف، كما قيل: الحق أبلج من بلجة الصبح، قال: فند الزماني ( من الهزج ) : فلما صرح الشر فأمسى وهو عريان مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان وقال الخطيم ( من الطويل ) : وقال وقد مالت بهم نشوة الكرى نعاسا ومن يعلق سرى الليل يكسل أنخ نعط أنضاء النعاس دواءها قليلا ورفه عن قلائص ذبل فقلت له كيف الإناخة بعد ما حدا الليل عريان الطريقة منجل وأنشدني بعض شيوخنا عن المازني عن الجواداني قال: أنشدني بشار ( من الوافر ) : أسرت وكم تقدم من أسير يزين بوجهه عقد الإسار كبشر أو كبسطام بن قيس أصيبا ثم ما دنسا بعار وكيف ينالني من لم ينلهم أعز بطانة في الحق عار والطائفة من كل شيء قطعة منه، تقول: طائفة من القوم، وطائفة من الليل، كما قال الله عز وجل : وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ . وأدنى ما يقع عليه اسم الطائفة واحد، وهذا القول للشافعي رحمه الله في قوله: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وقد قال ذلك غير الشافعي، والنذير بمعنى المنذر، كما قال: سميع بمعنى مسمع وأليم بمعنى مؤلم، ووجيع بمعنى موجع، قال عمرو بن معدي كرب ( من الوافر ) : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع يريد الداعي المسمع، وقوله: أدلجوا، الإدلاج من أول الليل، تقول من ذلك: أدلج يدلج إدلاجا، والادلاج بتشديد الدال من آخر الليل تقول منه: ادلج يدلج ادلاجا، واسمه الدلجة، وهذا الحديث في المعنى قريب من معنى الحديث الذي قبله.

49

حدثنا إسحاق بن داود الصراف ، حدثنا الحسن بن قزعة ، حدثنا مسلمة بن علقمة ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن أبي حرب ، عن عبد الله بن فضالة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تدع العصرين . قلت : يا رسول الله ، ما العصران ؟ قال : صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها ).

50

باب من المثنى حدثنا أبو شعيب الحراني ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن أبي حمزة ، عن أبي بكر ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من صلى البردين دخل الجنة ) . قال : ( غدوة وعشية ). حدثنا الحضرمي ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا همام بإسناده مثله . قال : الفجر والعصر . قال أبو محمد : هكذا لفظ الحديث ( البردين ) وكلام العرب : الأبردان ، وهما الغداة والعشي ، وهما الأبردان، والقينان، والردفان، والصرعان، والقربان، والكربان.

51

حدثنا محمد بن حبان المازني ، حدثنا عمرو بن الحصين ، حدثنا فضيل بن سليمان ، عن داود ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن عبد الله بن فضالة ، عن أبيه. وحدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، حدثنا بشار الخفاف ، حدثنا الخياطي ، حدثني أبي ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اللهم إني أعوذ بك من شر الأعميين، فقيل : يا أبا عبد الرحمن ، ما الأعميان ؟ قال : السيل والبعير المغتلم .

52

حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن ملاعب ، حدثنا محمد بن سعيد الإصبهاني ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن أبيه ، عن عمه ، عن جده ، عن أبي هريرة ، قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ، فقال : ( تقوى الله ، وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ، قال : الأجوفان : الفم والفرج ).

53

حدثنا موسى بن زكرياء ، حدثنا عمرو بن الحصين ، حدثنا ابن علاثة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يحبنا الأطيبان من قريش، تميم بن مرة ، وزهرة بن كلاب ). تقول العرب : ذهب منه الأطيبان : النوم والنكاح ، ويقال : الأكل والنكاح.

54

حدثنا محمد بن صالح ، حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا الحصيب ، حدثنا يزيد بن عطاء ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ذانك الأطيبان : التمر واللبن ).

55

حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا أبو المغلس النميري، حدثنا الفضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي حازم التمار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش والذباب يقتحمون فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها . قال أبو محمد: استوقد بمعنى أوقد، كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، قال الله عز وجل : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وقال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا . وقال الغنوي ( من الطويل ) : وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فلم يستجبه عند ذاك مجيب والحجز واحدتها حجزة، وحجز وحجزات، وهي معقد الإزار، وحيث يثنى طرفه، قال النابغة ( من الطويل ) : رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب وهذا تمثيل من أوجز الكلام وأبلغه وأشده اختصارا، تقول: أخذت بحجزته عن كذا، إذا صددته عنه ومنعته منه، وتقول: أخذت بناصيته إلى كذا، إذا قدته إليه وقهرته عليه، قال الله عز وجل : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا (11|56) أي: هو قادر عليها مالك لها، والناصية تناهي شعر الرأس مما يلي الوجه. وقال: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (55|41) أي: يساقون إلى النار قهرا، ويقول القائل: ناصيتي بيدك، في معنى الطاعة والانقياد، وقال الفرزدق ( من الطويل ) : عشية أعطتنا عمان أمورها وقدنا معدا عنوة بالخزائم يريد أنهم غلبوهم وساقوهم قهرا، وقوله: أنا آخذ بحجزكم عن النار، يقول: أحذركموها وأصدكم عنها، وأرغبكم في الجنة ونعيمها، وأنتم في غفلة ساهون لا تشعرون، كما يقتحم الفراش النار، وهو لا يشعر، لميلكم إلى الدنيا وزهرتها، وإيثاركم لها على ثواب الله تعالى وما عنده، الذي هو خير وأبقى، فهذه موعظة لبعض من أجابوا الدعوة، ويحتمل أن يكون وعيدا لمشركي قريش .

56

حدثنا ابن أبي سويد القرشي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا أبان ، عن قتادة ، عن أنس ، وحدثنا سهل بن موسى ، حدثنا عبد الله بن الصباح ، حدثنا سعيد بن عامر ، عن شبيل بن عزرة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مثل الجليس الصالح مثل العطار ، إن لم يصبك من عطره أصبت من ريحه ، ومثل الجليس السوء مثل القير ، إن لم يحرق ثوبك أصابك من ريحه ).

57

78 حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان ، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا أبو أسامة ، عن يزيد بن عبد الله ، عن أبيه ، عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : ( مثل الجليس الصالح مثل العطار ، إن لم يحذك من عطره أصابك من ريحه ، ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير ، إن لم يصبك من شراره أصابك من ريحه ). ورواه ابن عيينة ، عن بريد قال : ( مثل الجليس الصالح مثل الداري ، إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه ). الداري : العطار ، ونسب إلى دارين، موضع في البحرين، يؤتى منه بالطيب، أنشدنا أبو خليفة ، عن ابن عائشة ( من الطويل ) : إذا التاجر الداري جاء بفأرة من المسك راحت في مفارقهم تجري . وقوله: ( إن لم يحذك ) يريد : إن لم يعطك ، والإحذاء : الإعطاء ، يقال : أحذيت فلانا إحذاء ، إذا أعطيته ، والحذيا : العطية ، والكير : كير الحداد ، ولا يقال كور ، إنما الكور رحل الناقة، وكان أبو عمرو الشيباني يفرق بين الكير والكور، فيقول : الكير : زق الحداد ، والكور : هو المبني من الطين، وهذا قول أبي عمرو وحده. آخر الجزء الخامس، ويتلوه في الذي بعده: حدثنا سهل بن موسى، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا سفيان. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه .

58

حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب الأرض، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا ورعوا وسقوا، وأصاب طائفة أخرى منها الماء وهي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله وتفقه لما بعثني الله، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به . قال أبو محمد: الغيث اسم عام للمطر، يغيث الله به عباده ويصيب به مواقع النفع لهم، تقول منه: غيثت الأرض فهي مغيثة، والكلأ الحشيش، قال صاحب كتاب العين: هو اسم لرطبه ويابسه. قال: والعشب لا يكون إلا رطبا، وقال أبو زيد الأنصاري: الكلأ كله ما دام رطبا عشبه وبقله، وهو مهموز، والجمع الأكلاء ممدود، يقال: أكلأت الأرض فهي مكلئة، وأكلأت الأرض وأعشبت، وأكلأ المال وأعشب، والناس مكلئون ومعشبون، وقد بدا الإكلاء والإعشاب والإبقال، فأما ذكار الكلأ فعشب، وهو ما غلظ منه وعظم، والبقل ما لان منه ودق، وهذا مثل للنبي - صلى الله عليه وسلم - في إبلاغه عن الله عز وجل ودعائه إلى سبيله، وأنه بعث رحمة للعالمين، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، ومثل ذلك بالغيث الذي ينشر الله به رحمته في الأرض، ويحيي به الأنعام والحرث، والذين استمعوا قوله وشاهدوا أمره في اختلاف مذاهبهم وطرائقهم ببقاع الأرض التي تختلف تربها وأماكنها، فمنها ذات الرياض المعشبة الكثيفة التي يكثر خيرها ويعم نفعها، ومنها الأماكن ذات الغياض والغدران والنقر والقلات، وغير ذلك من الأماكن التي تستنقع فيها المياه، فيرد إليها الناس والأنعام. ومنها ما لا يتعلق من المطر إلا بمروره عليه، وهو مثل لمن فقه عن الله عز وجل وتفقه لما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلم وعلم وعمل، ومثل للحامل علمه إلى من هو أوعى منه، كما قال في الحديث الآخر: فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ومثل للسامع المعرض المحروم. والأجادب، فيما أحسب، جمع أجداب، أو يكون جمعا لأجدب، وهذا فيما أحسب ولا أحقق، سمعت الزجاج يقول: جدبت الأرض وأجدبت إذا لم تنبت شيئا، وسمعت ابن دريد يقول: أرض جدبة، إذا كانت قليلة النبات. آخر الجزء الأول والحمد لله حق حمده، وصلواته على سيدنا محمد رسوله وعبده. ويتلوه في الثاني: حدثنا أبي في عداد، منهم الحسن بن المثنى، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيد الأولين والآخرين، محمد وآله وأصحابه وأزواجه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله وحده.

59

حدثنا موسى بن زكرياء، حدثنا أبو الربيع، حدثنا إسماعيل بن زكرياء، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: أبيدوا خضراءهم .

60

باب من الألفاظ المفردة النادرة. حدثنا الحسن بن بشر ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا ابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي ، وإن كرشي الأنصار ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ).

61

الجزء الثاني من كتاب أمثال الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تصنيف القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قال الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر، أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الإصبهاني - رحمه الله - : أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف المصري، حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي، حدثني القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي برامهرمز بقراءته علي في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة: حدثنا أبي في عداد: منهم الحسن بن المثنى، وأبو جعفر الحضرمي، وأبو يحيى الساجي، ويعقوب بن مجاهد، وابن البرتي وغيرهم، قالوا: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا مالك بن سعير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وحدثنا عبد الله بن عباس الطيالسي، حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا مالك بن سعير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة . قال أبو محمد: واتفقت ألفاظهم في ضم الميم من قوله: مهداة، إلا ابن البرتي قال: مهداة بكسر الميم من الهداية، وكان ضابطا فهما متصرفا في الفقه واللغة، والذي قاله أجود من الاعتبار؛ لأنه بعث صلى الله عليه وسلم هاديا، كما قال الله عز وجل : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (42|52)، وكما قال جل وعز: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ (16|44) ، و لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (14|1) وأشباه ذلك. ومن رواه بضم الميم إنما أراد أن الله عز وجل أهداه إلى الناس، وهو قريب.

62

حدثنا علي بن أحمد بن عمران المصيصي: حدثنا عمرو بن عثمان بن كثير الحمصي ، حدثنا أبي ، حدثني عبد الله بن عبد العزيز ، يعني الليثي ، حدثنا محمد بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن عروة، عن عائشة ، وعن سعيد بن المسيب ، عن عائشة رضي الله عنها . قال أبو محمد : قال لي عبد الله بن أحمد بن موسى عبدان : حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا أبي - يعني بإسناده - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما لأصحابه : ( أتدرون ما مثل أحدكم ومثل أهله وماله وعمله ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم . فقال : إنما مثل أحدكم ومثل ماله وأهله وولده وعمله كمثل رجل له ثلاثة إخوة ، فلما حضرته الوفاة دعا بعض إخوته فقال : إنه قد نزل من الأمر ما ترى فما لي عندك ، وما لي لديك ؟ فقال : لك عندي أن أمرضك ، ولا أزائلك ، وأن أقوم بشأنك ، فإذا مت غسلتك وكفنتك ، وحملتك مع الحاملين ، أحملك طورا ، وأميط عنك طورا ، فإذا رجعت أثنيت عليك بخير عند من يسألني عنك . هذا أخوه الذي هو أهله ، فما ترون ؟ . قالوا : لا نسمع طائلا يا رسول الله، ثم يقول للأخ الآخر : أترى ما قد نزل بي ؟ فما لي لديك ، وما لي عندك ؟ فيقول : ليس عندي غناء إلا وأنت في الأحياء ، فإذا مت ذهب بك مذهب ، وذهب بي في مذهب . هذا أخوه الذي هو ماله ، كيف ترونه ؟ . قالوا : ما نسمع طائلا يا رسول الله ، ثم يقول لأخيه الآخر : أترى ما قد نزل بي ، وما رد علي أهلي ومالي، فما لي عندك ، وما لي لديك ؟ فيقول : أنا صاحبك في لحدك ، وأنيسك في وحشتك ، وأقعد يوم الوزن في ميزانك ، فأثقل ميزانك . هذا أخوه الذي هو عمله ، فكيف ترونه ؟ . قالوا : خير أخ ، وخير صاحب يا رسول الله . قال : فإن الأمر هكذا ) . قالت عائشة رضوان الله عليها : فقام إليه عبد الله بن كرز فقال : يا رسول الله ، أتأذن لي أن أقول على هذا أبياتا ؟ فقال : نعم . فذهب فما بات إلا ليلة حتى عاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقف بين يديه ، واجتمع الناس ، وأنشأ يقول ( من الطويل ) : وإني وأهلي والذي قدمت يدي كداع إليه صحبه ثم قائل لإخوته إذ هم ثلاثة إخوة أعينوا على أمر بي اليوم نازل فراق طويل غير مشق به فماذا لديكم في الذي هو غائلي فقال امرؤ منهم أنا الصاحب الذي أطيعك فيما شئت قبل التزائل فأما إذا جد الفراق فإنني لما بيننا من خلة غير واصل فخذ ما أردت الآن مني فإنني سيسلك بي في مهبل من مهابل وإن تبقي لا تبق فاستنفدنني وعجل صلاحا قبل حتف معاجل وقال امرؤ قد كنت جدا أحبه وأوثره من بينهم في التفاضل غنابي أني جاهد لك ناصح إذا جد جد الكرب غير مقاتل ولكنني باك عليك ومعول ومثن بخير عند من هو سائلي ومتبع الماشين أمشي مشيعا أعين برفق عقبة كل حامل إلى بيت مثواك الذي أنت مدخل وأرجع مقرونا بما هو شاغلي كأن لم يكن بيني وبينك خلة ولا حسن ود مرة في التباذل فذلك أهل المرء ذاك غناؤهم وليسوا وإن كانوا حراصا بطائل وقال امرؤ منهم أنا الأخ لا ترى أخا لك مثلي عند كرب الزلازل لدى القبر تلقاني هنالك قاعدا أجادل عند القول رجع التجادل وأقعد يوم الوزن في الكفة التي تكون عليها جاهدا في التثاقل فلا تنسني واعلم مكاني فإنني عليك شفيق ناصح غير خاذل فذلك ما قدمت من كل صالح تلاقيه إن أحسنت يوم التواصل قال : فبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبكى المسلمون من قوله . وكان عبد الله بن كرز لا يمر بطائفة من المسلمين إلا دعوه واستنشدوه ، فإذا أنشدهم بكوا.

63

حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن ملاعب، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني ممسك بحجزكم عن النار، وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، ويوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرط لكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا - يقول: جميعا - فأعرفكم بأسمائكم وبسيمائكم، كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات الشمال، وأناشد فيكم رب العالمين، فأقول: يا رب أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون القهقرى بعدك. فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعا من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا . قال أبو محمد: قوله: آخذ بحجزكم عن النار الحجزة: مشد الإزار، وقد تقدم ذكرها. وقوله: يوشك أن أرسل حجزكم يقول: يوشك أن أفارقكم، ويحول الموت بيني وبينكم، ويوشك في معنى يسرع، وهو بكسر الشين، قال الشاعر ( من المنسرح ) : يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها وقوله: وأنا فرط لكم على الحوض يقول: أتقدمكم وأسبقكم إليه، وفارط القوم الذي يتقدمهم إلى الماء، وفعله: فرط يفرط فرطا. وقوله: فتردون علي معا وأشتاتا يقول: جميعا ومتفرقين، فأعرفكم بسيمائكم، السيماء العلامة التي يعرف بها الخير والشر من الإنسان، قال الله عز وجل : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (48|29) وقال : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (55|41) والسيماء مثله ممدود، وأنشدنا أبو خليفة، قال: أنشدنا التوزي ( من الطويل ) : غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر وقوله: فيذهب بكم ذات الشمال، يعني طريق الحساب والعقاب، وقوله: أناشد فيكم رب العالمين يقول: أطلب إليه وأسأله العفو عنكم والتجاوز عن سيئاتكم، وهو كما يقول القائل: نشدتك بالله والرحم. وقوله: إنهم كانوا يمشون القهقرى بعدك معناه: كانوا يخالفون أمرك، ويسلكون غير سبيلك، والقهقرى: أن يمشي الإنسان موليا. وقوله: يحمل شاة لها ثغاء الثغاء: صوت الشاء، تقول: ثغت الشاة تثغو ثغاء، ورغا البعير يرغو رغاء، والحمحمة: صوت الفرس، وهو دون الصهيل. قال أبو عبيد: هو صوت الفرس للشعير، والقشع من أدم، وربما اتخذ من جلود الإبل، يحرز فيه أهل البدو أمتعتهم، وهو موضع الخزانة من أهل الحاضرة، قال متمم ( من الطويل ) : ولا برم تهدي النساء لعرسه إذا القشع من حس الشتاء تقعقعا يقول: إنه يخف في الشتاء للمحل، وهذا في الغلول، كما قال الله عز وجل : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ (3|161). وقد تضمن الحديث تذكيرا، وتخويفا، وموعظة، يقع خطابها عاما، ومعناه الخصوص، وعلى هذا سائر الكلام المؤلف في الخطب والمواعظ، كقول الواعظ: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وقد نسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة، وهذا من كلام يروى عنه صلى الله عليه وسلم في خطبة له معروفة، وهو من أخبر الله أن تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وأن: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ من هذا الخطاب خارجون، وقال الله عز وجل: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ والمراد بهذا الخطاب أهل البغي، وتقديره: يا أيها الباغون، فأما: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ فبعداء من البغي، خارجون من هذا النعت. وإنما استقصيت القول في هذا مع وضوحه وظهوره؛ لأن من الشيوخ من يتهيب رواية هذا الحديث مقدرا أنه يتعلق بشيء من ذم الصحابة أهل الهجرة والنصرة. وحضرت موسى بن هارون وهو يقرأ علينا كتاب الزهد لسيار بن حاتم، فمر بهذا الحديث فطواه وامتنع من روايته، وهذا مذهب من لا يتعلق من الحديث إلا بالرواية، ويقول فيما يقوم في نفسه على تزوير الرواة والطعن عليهم. وكان بعض أصحابنا يزعم أن هذا الخطاب إنما هو لأهل الردة، الذين منعوا الصدقة؛ إذ كان الله قد أعلم نبيه أنهم يرتدون ويمنعون الصدقة، ويصرف قوله: يحمل شاة لها ثغاء، وبعيرا له رغاء إلى هذا الوجه، يقول: يمنع حق الله عز وجل فيها، ويمنع حق الله في فرسه في ارتباطه والجهاد عليه، وفيما يحرزه ويدخره في قشعه، وعلى أن بعض الفقهاء قد أوجب الصدقة في الخيل، وهو قول حماد بن أبي سليمان. وقال الأوزاعي: إذا كانت الدواب للبيع ففيها الصدقة، وقال أبو حنيفة: إذا كانت خيلا فيها إناث، فطلب نسلها ففيها الصدقة، في كل أربعين فرسا فرس، وقال بعضهم في الخيل السائمة: إن المصدق بالخيار، إن شاء أخذ من كل فرس دينارا، أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها ثم أخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهذا القول لزفر. قال أبو يوسف: ليس هذا بشيء. وفي قوله: يحمل شاة وبعيرا وفرسا، وجهان، أحدهما: أن يكون حمله له على التمثيل والمجاز، بمعنى أن يحمل وزره ويبوء بإثمه، والوجه الآخر: أن يكون على ظاهره، فيجعل حمله له عقوبة له ومثلة كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في مانع حق الله عز وجل في غنمه : أنه يبطح لها بقاع قرقر، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها . وقال الله عز وجل في مانع الزكاة: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ .

64

حدثنا عبدان بن عبد الرحمن الشافعي ، حدثنا هلال بن يحيى بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - بايع الناس وفيهم رجل دحشمان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا عبد الله ، أرزيت في نفسك شيئا قط ؟ . قال : لا ، قال : ففي ولدك ؟ . قال : لا ، قال : ففي أهلك ؟ . قال : لا ، قال : يا عبد الله ، إن أبغض عباد الله إلى الله العفرية النفرية ، الذي لم يرزأ في نفسه ، ولا أهله ، ولا ماله ، ولا ولده ) قال هلال : فلقيت الأصمعي فسألته عن الدحشمان فقال : الرجل الغليظ السمين ، الذي لا ينبعث.

65

حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سعد ، عن أبيه ، عن رجل من أسلم، يقال له ابن الأدرع، قال : قال رسول - الله صلى الله عليه وسلم - : ( تمعددوا ، واخشوشنوا ، وامشوا حفاة ). قال أبو محمد رحمه الله : المعنى : اقتدوا بمعد بن عدنان ، والبسوا الخشن من الثياب ، وامشوا حفاة ، وهو حث على التواضع ، ونهي عن الإفراط في الترفه والنعمة.

66

حدثنا الحسن بن المثنى ، حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم ، عن سعيد بن أبي راشد ، عن يعلى العامري ، قال : جاء الحسن والحسين - عليهما السلام - يستبقان إلى رسول - الله صلى الله عليه وسلم - فضمهما إليه وقال : ( الولد مجبنة مبخلة ). قال أبو محمد رحمه الله : هذان مصدران من البخل والجبن ، ومعناه : أن حب الولد يمنع من بذل المال للإبقاء عليهم ، وعن لقاء العدو إشفاقا من الضيعة لهم. آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد رسوله وآله وصحبه وأزواجه وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

67

حدثنا موسى بن زكرياء: حدثنا عمرو بن الحصين، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة ، حدثنا أبو سلمة الحمصي ، أن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أصاب مالا من تهاوش أذهبه الله في نهابر ) قال عمرو : يعني من أصابه من غير حله ، أذهب الله في غير حقه .

68

حدثني محمد بن الحسن بن علي بن بحر ، حدثنا هاشم بن القاسم الحراني ، حدثنا يعلى بن الأشدق ، عن عمه عبد الله بن جواد ، قال : قال لي رسول - الله صلى الله عليه وسلم - : ( كم إبلك ؟ . قلت : ثلاثون ، قال : إن ثلاثين خير من مائة . قلت : إنا لنحدث أن المائة أفضل وأطيب ، قال : هي مفرحة مفتنة ، وكل مفرح مفتن ). قال أبو محمد رحمه الله : هكذا حدثناه ابن البري: مفرحة مفتنة ، مفتوحتي الميم ، وهما مصدران ، يقال : مفرح مفتن ، وهي لغة ، يقال : فتنه وأفتنه ، وقال الشاعر ( من الطويل ) : لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت سعيدا فأضحى قد قلى كل مسلم فجمع اللغتين ، وقال قوم : أفتنه بمعنى جعل له ما يفتتن به ، كما يقال : سقاه وأسقاه ، يعني جعل له شرابا، قال الشاعر ( من الوافر ) : سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال

69

النوادر حدثنا القاسم بن محمد بن حماد الدلال الفارسي بالكوفة ، حدثنا أبو بلال الأشعري ، حدثنا عبد الله بن مسعر ، عن مسعر ، عن وبرة ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول - الله صلى الله عليه وسلم - لرجل : ( توقه وتبقه ). قال أبو محمد رحمه الله : هذا يشبه أن يكون في معنى وقاك الله وأبقاك ، فأخرجه مخرج الأمر ، واعتمد بالهاء ، كما قال : ( عش حميدا ، والبس جديدا ، ومت شهيدا ) . وقال بعض أصحابنا : أظنه أراد توق المحارم لتنال البقاء في الجنة.

70

حدثنا القاسم بن زكرياء، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن عبادة، فقال: إياك أن تأتي ببعير تحمله له رغاء، فقال: لا آخذه، ولا أجيء به، فأعفاه .

71

حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان ، حدثنا يوسف بن مسلم المصيصي ، حدثنا حجاج بن محمد الأعور ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إني ضربت للدنيا مثلا ولابن آدم عند الموت مثله مثل رجل له ثلاثة أخلاء ، فلما حضره الموت قال لأحدهم : إنك كنت لي خلا ، وكنت لي مكرما مؤثرا ، وقد حضرني من أمر الله ما ترى ، فماذا عندك ؟ فيقول خليله ذلك : وماذا عندي؟ وهذا أمر الله تعالى قد غلبني عليك ؟ ولا أستطيع أن أنفس كربتك ، ولا أفرج غمك ، ولا أؤخر سعيك ، هأنذا بين يديك ، فخذ مني زادا تذهب به معك فإنه ينفعك . قال : ثم دعا الثاني فقال : إنك كنت لي خليلا ، وكنت آثر الثلاثة عندي ، وقد نزل بي من أمر الله ما ترى ، فماذا عندك ؟ قال : يقول : وماذا عندي ؟ وهذا أمر الله قد غلبني ، ولا أستطيع أن أنفس كربتك ، ولا أفرج غمك ، ولا أؤخر سعيك ، ولكن سأقوم عليك في مرضك ، فإذا مت أتقنت غسلك ، وجودت كسوتك ، وسترت جسدك وعورتك . قال : ثم دعا الثالث فقال : نزل بي من أمر الله ما ترى ، وكنت أهون الثلاثة علي ، وكنت لك مضيعا ، وفيك زاهدا ، فماذا عندك ؟ قال : عندي أني قريبك وحليفك في الدنيا والآخرة ، أدخل معك قبرك حين تدخله ، وأخرج منه حين تخرج منه ، ولا أفارقك أبدا ) . فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( هذا ماله ، وأهله ، وعمله ، أما الأول الذي قال : خذ مني زادا فماله ، والثاني أهله ، والثالث عمله ).

72

حدثنا أبي، حدثنا أبو الخطاب الحساني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثني روح بن القاسم، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما من عبد له مال، لا يؤدي زكاته، إلا جمع له يوم القيامة فيحمى عليه صفائح في جهنم، ويكوى بها جبينه من ظهره حتى يقضي الله عز وجل بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا يجاء بها يوم القيامة كأكبر ما كانت عليهن، يبطح لها بقاع قرقر تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يقضي الله عز وجل بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله والخيل، قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولآخر ستر، ولآخر وزر، فأما التي هي له أجر، فرجل يحبسها ويعدها في سبيل الله، فما غيبت في بطونها فهو له أجر، ولو رعاها في مرج كان له فيما غيبت أجر، ولو استنت شرفا أو شرفين كان له بكل خطوة خطتها أجر، ولو عرض لها نهر فسقاها منه كان له بكل قطرة غيبتها في بطونها أجر، حتى إنه ليذكر الأجر في أرواثها وأبوالها، وأما التي هي له ستر فرجل يتخذها تعففا وتجملا وتكرما، ولا ينسى حق الله في ظهورها ولا بطونها في عسره ويسره، وأما التي هي عليه وزر فرجل يتخذها أشرا وبطرا ورياء الناس وبذخا، قيل: يا رسول الله، فالحمر؟ قال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قال أبو محمد: قوله: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فإني سمعت أبا عبد الله بن عرفة يقول: ذهب ناس إلى أن الله عز وجل يفعل فيه من الأفعال ما يفعل مثله في خمسين ألف سنة، قال: وأما كلام العرب فإنهم يصفون أيام الشدة ولياليها بالطول، وأيام الرخاء والسرور بالقصر، وإنما يراد شدة ذلك اليوم وثقله وعظمه وهوله، كما قال الشاعر ( من الطويل ) : تعالوا أعينوني على الليل إنه على كل عين لا تنام طويل فاعلم أنه يطول على الساهر لشدته عليه، ولا زيادة في الليل ولا نقصان في المقدار الذي قدره الله عز وجل، وقال آخر يذكر يوما بالشدة ( من الطويل ) : فقلت لأصحابي مشيرا إليهم أذا اليوم أم يوم القيامة أطول؟ وقال ابن أبي كاهل ( من الرمل ) : كلما قلت مضى أوله عطف الآخر منه فرجع وقال آخر في قصر أيام السرور ( من الطويل ) : تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول وقال ابن أبي ربيعة ( من الطويل ) : فيا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر وقال حميد بن ثور الهلالي ( من الطويل ) : وكائن لهونا من ربيع مسرة وصيف لهوناه قصير ظهائره

73

حدثنا أبي، حدثنا السري بن يحيى ابن أخي هناد بن السري، حدثنا أبو نعيم، حدثنا علي بن علي الرفاعي، حدثني أبو المتوكل عن أبي سعيد الخدري: أن النبي- صلى الله عليه وسلم - غرس عودا بين يديه وآخر إلى جانبه وآخر بعده، وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الإنسان وهذا الأجل، يتعاطى الأمل فيختلجه الأجل دون الأمل .

74

حدثنا موسى بن هارون، وجعفر بن محمد الفريابي قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فخطب الناس فقال: لا والله، ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، فقال رجل: يا رسول الله، أويأتي الخير بالشر؟! فصمت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: كيف قلت؟ قال: يا رسول الله، وهل يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر، أكلت حتى إذا امتلأت خاصراتها استقبلت الشمس فثلطت وبالت، ثم اجترت فعادت فأكلت، فمن أخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن أخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع . حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا هشام الدستوائي، وحدثنا الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال أبو محمد: الزهرة: نوار الربيع، وزهرة الدنيا: حسنها وبهجتها، وما أظهر الله عليها مما يتنافس فيه أهلها، وإنما سميت الدنيا لأنها دانية؛ تتقدم الآخرة، والربيع فصل من الزمان مختلف فيه، ويسمى المطر بعينه ربيعا، ويقال للرجل الجواد الكثير المعروف الفائض الخير: ربيع. ويجمع معنى الخصب والسعة والخير، كما قال المعذل بن غيلان ( من الطويل ) : أرى خلة من صحبة وقرابة وذي رحم ما كنت مما أضيعها . ولو ساعدتني بالمكارم قدرة لفاض عليهم بالنوال ربيعها قال أبو زيد سعيد بن أوس: أول الربيع عند طلوع الحمل والثور والجوزاء، ثم الصيف وهو عند طلوع السرطان والأسد والسنبلة. أخبرني أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عن أبيه وغير واحد ولا اثنين من أهل العلم: إن الربيع عند العرب هو الفصل الذي يسميه الناس الخريف، وذلك عند حلول الشمس برأس الميزان، قال ابن قتيبة: وإنما سمته العرب الربيع؛ لأن أول المطر يكون فيه، وسماه الناس الخريف؛ لأن الثمار تخترف فيه، فهذا قول العرب أو أكثرهم، وقد أوجبه ضرب من القياس؛ لأنهم يسمون الفصل الذي يذكر فيه حلول الشمس السرطان والأسد والسنبلة قيظا، وهو الوقت الذي تحمى فيه الشمس ويشتد فيه الحر، وفصل الصيف مقرون به لا محالة، وهو يتقدمه؛ إذ كان لا يجوز أن يتأخر، ولأن المشاهدة تبطله، وقد جمع بين الصيف وبينه، قال الشاعر ( من الطويل ) : أما يستفيق القلب إلا انبرى له توهم صيف من سعاد ومربع وقد يجوز أن يتباعد أحد الوقتين عن الآخر. وحدثني عبد الله بن الحسن بن النعمان القزاز، حدثنا الحسين بن علي العجلي، قال: سمعت يحيى بن آدم يقول: السنة أربعة أزمنة، كل ثلاثة أشهر منها زمان، فالربيع زمان وهو أيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني، ثم الشتاء زمان وهو كانون الأول وكانون الثاني وشباط، ثم الصيف زمان، وهو آذار ونيسان وأيار، ثم القيظ زمان، وهو حزيران وتموز وآب. وسمعت إبراهيم بن السري يقول: من الناس من يجعل الربيع الأول من السنة ابتداؤه لثلاث وعشرين تمضي من أيلول، وعند ذلك يستوي الليل والنهار، ومنهم من يجعل الربيع الأول في تسعة عشر تمضي من آذار، قال: وذلك آخر أمطار الشتاء، وأول مطر الربيع، وقال: وفي آخر يوم من نيسان آخر مطر الربيع، وأول مطر الصيف. وقال أبو حاتم السجستاني: الوسمي أول مطر الربيع وهو أول المطر، وهو الذي يسم الأرض، وقد تردد ذكر الربيع في الشعر، فمنهم من جعله المطر بعينه، ومنهم من جعله النبات، ومنهم من جعله الوقت، فأما ما جاء في وصفه وطيب أوانه من قديم الشعر وحديثه، فإنما يُعْنَى به أيام البشر والزهر والنور، كما قال البحتري ( من الطويل ) : أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقد نبه المنثور في غلس الدجى أوائل ورد كن بالأمس نوما فأوجب اسم الربيع لفصل نيسان، وقال أبو تمام ( من الرجز): إن الربيع أول الأزمان وهذه صفة زمن النور، وأنشدنا ابن عرفة ( من الوافر ) : تواصلنا على الأيام باق ولكن هجرنا مطر الربيع يروعك صوبه لكن تراه على روعاته داني النزوع وهذا نعت المطر في آذار، وليس هذا ما لا يقوم في مثله حجة من شعر المتأخرين؛ لأن أصحابه أعلام الدراية، وسواء قالوا ذلك قولا أو أتوا به شعرا. وأحسبه نقل اسم زمن النور إلى اسم الربيع؛ لأن آثار المطر الذي جعل الله حياة للأرض وسببا للنشر، تظهر فيه، ويدلك على صحة هذا التأويل، قول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً وليس اخضرارها عقيب يوم يمطر فيه، إنما المعنى أنه سبب له بإذن الله عز وجل. وزعم قوم أن هذا بمكة موجود، تخضر الأرض في ليلة واحدة، ولا يكون إلا بمكة، وأما ما جاء في معنى المطر بعينه، قول الشاعر ( من الطويل ) : خليلي أمسى حب خرقاء عائدي ففي القلب مني وقرة وصدوع ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل على جدبنا ألا يصوب ربيع وقال آخر ( من الطويل ) : إذا غبت عنا غاب عنا ربيعنا ونسقى الغمام الغدق حين تئوب وقال أبو طالب بن عبد المطلب في النبي- صلى الله عليه وسلم - ( من الطويل ) : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل وأنشدنا الحامض: ثمال اليتامى، وأنشدنا وكيع لصموت الأعرابية، قال: ورواه الأصمعي ( من الكامل ) : فكه إلى جنب الخوان إذا سرت نكباء تقطع منبت الأطناب وأبو اليتامى ينبتون فناؤه نبت الربيع بكالئ معشاب فقوله صلى الله عليه وسلم: إن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو يلم. قال ابن دريد: هذا من أبلغ الكلام في تحذير الدنيا والاغترار بزهرتها، والركون إلى غضارتها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع فتأكل منه بأعينها، فربما تفتقت سمنا فهلكت. يقول: فمن أعطي كفؤا ورفاهية عيش في دنياه فليقتصد ولا ينهمك فيها فتلهيه عن الاحتراز لآخرته فيهلك، كما أن الماشية تلهيها زهرة النبت فتأكل حتى تهلك، وقال الله عز وجل: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وقال بعض الشعراء يذكر الدنيا ( من الرمل ) : كيف يحلو طعم شيء زائل رب حلو في مذاق العيش مر والحبط انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض، يقال: حبط يحبط حبطا، ويقال: إن الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم سمي الحبط؛ لأنه أصابه مثل ذلك، فهو في سفر له فمات، والنسبة إليه حبطي، بفتح الباء، كما ينسب إلى سلمة سلمي، وإلى شقرة شقري؛ لأنهم يستثقلون الكسرة مع الباء. وقوله: أو يلم، يعني: أو يقرب. وهذا قول أبي عبيد، وقوله: فمن أخذ مالا بحقه يبارك له فيه، البركة: الكثرة والاتساع، هكذا قاله لنا ابن عرفة، وسألت عنه الحامض فلم يذكره. يقول: من أخذ من الدنيا شيئا على طريق الاقتصاد والرضا بالقسم، حيي لعز القناعة وغنى النفس حياة طيبة، ومن طمح بصره إلى كل ما يرى من المتاع بها فهو بمنزلة البهيمة التي تأكل فتمتلي ثم تروث- والثلط الروث- وتبول ثم تجتر -والجرة أن يخرج ما في بطنها بعد الامتلاء- فتديره في فمها ثم تعاود الأكل، لا تعرف غير هذه الحال، قال الله عز وجل : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ . وقوله: فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع. قال ابن البرتي: معناه يكثر الأكل، كما تقول: فلان يتكلم ولا يسكت، ويبكي ولا يرقأ دمعه، ومعناه يكثر الكلام، ويكثر البكاء، قال ابن دريد: لا تشبع عينه. وحدثني علي بن الحسن ويعرف بالشامي، حدثنا المعمير بن سعيد المنبجي، حدثنا عيسى بن يونس، عن عثمان بن المغيرة، عن الشعبي، قال: سمعت الحجاج يقول لرجل من أهل الشام: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم. قال: صفه لي، قال: سمعت الرواد يدعو إلى زيادتها، وسمعت قائلا يقول: هلم ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافس فيها المعزى. فلم يفهم الحجاج ما قال، فقال: ويحك، إنما تخاطب أهل العراق فأفهمهم. قال: نعم أيها الأمير، كثر المطر، وكثر الكلأ والعشب، فاستغني عن نار يخبز بها، فهذا إطفاء النيران، فأما تشكي النساء فلا تزال المرأة ترعى بهمها، فتأخذ مرة يمنة ومرة يسرة لكثرة الكلأ، فتتبعها المرأة فتبيت من ليلتها ولساقها وجيف من الإعياء، فهذا تشكي النساء، وأما تنافس المعزي فإن بطونها تشبع، وعيونها لا تشبع .

75

حدثني الحسين بن محمد بن الحسين الخياط ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي ، حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن الربيع بن خثيم ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال : ( الإنسان هكذا، هذا المربع : الأجل ، والذي وسطه الإنسان ، والحلقة الخارجة : الأمل ، وهذه الحروف : الأعراض ، والأعراض تنهشه من كل مكان ، كلما أفلت من واحد أخذه واحد ، والأجل قد حال دون الأمل . قال أبو محمد : هكذا كتبناه من كتاب الحسين ، وقال لنا الحسين : هكذا كتبناه من كتاب الرمادي ، وقال الرمادي : هكذا كتبناه من كتاب أبي حذيفة . قال أبو محمد : الحروف التي في جوانب الخط المربع تجب أن تكون رؤوسها إلى داخل الخط . قال أبو القاسم بن طالب : الذي أراده أبو محمد ينبغي أن يكون شكله وصورته هكذا.

76

وحدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خطبة بعد صلاة العصر إلى مغيربان الشمس، حفظها من حفظها، ونسيها من نسيها، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله عز وجل مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء !

77

حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأملي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا عمرو بن طارق، عن ابن لهيعة، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن سليمان بن يسار، عن ميمونة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: الدنيا خضرة حلوة، فمن اتقى الله وأصلح، وإلا فهو كالآكل ولا يشبع، وبعد الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب في المغرب . قال أبو محمد: سألت بعض شيوخنا عن قوله: الدنيا خضرة حلوة، على ما يقع هذان المعنيان؟ فقال: معناه : إن ما على ظهرها من متاعها يحسن في عيون أهلها ويحلو في صدورهم، كما قال الله عز وجل : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ وأنشد ( من الطويل ) : ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها وما نحن فيه فهو شيء محبب قال أبو محمد: وهو عندي في نعت الحديث الأول أن الدنيا مرتع حلو، يرتع أبناؤها فيها، ويعجبون بحسنها، ويستحلون الحياة فيها، كما تعجب الأنعام بخضر الربيع، وما حلا من نباته وبقله، وألحقت الهاء في قوله: خضرة حلوة؛ لأنهما جعلتا نعتين للدنيا فجرتا على ظاهر الكلام، قال صاحب كتاب العين: الرتع الأكل والشرب رغدا في الريف ولا يكون الرتع إلا في الخصب والسعة، كما قال إخوة يوسف : ( يرتع ويلعب ) (12|12) وتقول: رتع فلان في مال فلان، إذا تقلب فيه أكلا وشربا، وقال الفرزدق ( من الكامل ) : فارعي فزارة لا هناك المرتع وقال ( من الطويل ) : أبا جعفر لما توليت ارتعوا وقالوا لدنياهم أفيقي فدرت وهذا معنى يتردد في كلام العرب وأشعارها، ومن ذلك قولهم: النعمة الظليلة والعيش المورق والشباب الغض، وأشباه ذلك، والنعمة ليست بجسم فتورق فتظل، وكذلك العيش والشباب ليست بأجسام. وقال مالك بن حويص المهري لهودة بن علي عند كسرى أبرويز، وذكر قوما فقال: كانوا تحت كنف من النعماء غدق، وربيع من الخفض مؤنق، تنهل دهمه بالحبور، وتندفق ديمه بالسرور، ويجتنون ثمر الغبطة، ويتفيئون في ظلال النعمة، ويختالون في رياض الظفر، حماهم عزير، وذراهم حرير وأنشدنا ابن عطية عن أبي حاتم السجستاني لحميد بن ثور ( من الطويل ) : يقولان طال النأي لن يحصي الذي رأيناه إلا أن يعد لبيب بلى فاذكرا عام ارتبعنا وأهلنا مدافع دارا والجناب خصيب ولا يبعد الله الشباب وقولنا إذا ما صبونا صبوة سنئوب ليالي أبصار الغواني وسمعها إلي وإذ ريحي لهن جنوب وإذ ما يقول الناس شيء مهون علي وإذ غصن الشباب رطيب قوله: عام ارتبعنا، يقال: ارتبع القوم، إذا ارتعوا في الخصب، وإنما أراد أنهم عاشوا عيشا هنيا طيبا، وقوله: والجناب خصيب - معنى الحال جميلة والعيش هني- تمثيل، وقوله: وإذ ريحي لهن جنوب، معنى أنه كان موافقا لهن بشبابه وطراوته، كما يوافق الجنوب المطر والخصب، وقوله: غصن الشباب رطيب، يعني: نضارة الشباب وحسنه واعتداله، فمثله بالغصن إذا أورق. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم –: وبعد الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب فإنما أراد والله أعلم الكواكب التي جعلها الله تعالى منازل للقمر، كما قال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (36|39) وهي التي تسمى الأنواء، ويسقي الله عباده بها الغيث، فإن أحدهما لا يغيب في المغرب غدوة حتى يطلع رقيبه في المشرق غدوة، فهما لا يلتقيان ولا يتقاربان، فكذلك اختلاف أحوال أهل الدنيا في حظوظهم ومكاسبهم، لا يتقارب قاهر ومقهور، ومحروم ومرزوق، ومعافى ومبتلى، وأشباه ذلك. آخر الجزء الثاني، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما إلى يوم الدين. يتلوه في أول الثالث: حدثنا سليمان بن أيوب.

78

حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني أبي، عن أبي يعلى منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، عن عبد الله بن مسعود، قال: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا مربعا، وخط وسط الخط المربع خطا وخطوطا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع، وخطا خارج الخط المربع، ثم قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الخط الأوسط الإنسان، والخطوط التي إلى جانبه الأعراض، والأعراض تنهشه من كل مكان، إذا أخطأه هذا أصابه هذا، والخط المربع الأجل المحيط به، والخط الخارج البعيد الأمل .

79

حدثني موسى بن زكرياء ، حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري ، حدثنا سهل بن أسلم العدوي ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ( مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب ، تطلبه الأرض بدين فيخرج وله حصاص ، حتى إذا انتهر وأعيى قالت الأرض : يا ثعلب ، ديني ديني! فيخرج وله حصاص ، حتى إذا أعيى وانتهر انقطعت عنقه ومات ). قال أبو محمد : قوله : تطلب بمعنى تأخذه، وإنما خصت الأرض بهذا المثل؛ لأن أحدا لا مهرب له منها ، وخص الثعلب بهذا التمثيل لروغانه ، واعتياصه على الصائد ، وشدة عدوه . قال الأصمعي : يقال : أغار إغارة الثعلب ، إذا أسرع ودفع، قال المرار ( من الرمل ) : صفة الثعلب أدنى جريه وإذا يركض يعفور أشر يعفور: ظبي ، وأشر : نشيط، وقال محمد بن حمران بن أبي عمران ( من الكامل ) : ما إن يغيب به الدها س ولا تزل به الصفا يعدو كعدو الثعلب الـ ممطور روحه العسا حدثنا أبو عبد الله اليزيدي ، عن عمه ، عن ابن حبيب قال : يقال : أروغ من ثعلب وأنشد ( من السريع ) : كل خليل كنت خاللته لا ترك الله له نابحه كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحه ويقال للفرس : هو يعدو الثعلبية ، إذا كان يمشي التقريب ، وذلك أنه ليس شيء أحسن تقريبا من الثعلب . قال ابن مقبل ( من الطويل ) : بذي ميعة كأن بعض سقاطه وتعدائه رسلا ذآليل ثعلب الميعة : النشاط ، ويقال : إنه لساقط السد ، أي: يأتي منه بشيء بعد شيء ، كذلك سقاطه ، والذألان : مر سريع .

80

الجزء الثالث من كتاب أمثال الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تصنيف القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الإصبهاني- رضي الله عنه - أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم الأنماطي بالإسكندرية: حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البغدادي، حدثني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي برامهرمز، حدثنا سليمان بن أيوب مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن أبي صفوان، حدثنا أبو داود عن المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على حصير قد أثر الشريط في جنبه فقلت: لو نمت يا رسول الله على ما هو ألين من هذا. فقال: ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب مر بأرض فلاة، فرأى شجرة فاستظل تحتها، ثم راح وتركها ، هذا مثل في سرعة انقطاع الدنيا بصاحبها، وأن الكائن واقع، وقال العدوي ( من البسيط ) : يا أيهذا الذي قد غره الأمل ودون ما يأمل التنغيض والأجل ألا ترى إنما الدنيا وزينتها كمنزل الركب دارا ثمت ارتحلوا حتوفها رصد وكدها نكد وعيشها رنق وملكها دول

81

حدثني محمد بن علي السملي قال: سمعت هدبة- يعني ابن خالد- حدثنا عبيد بن مسلم السابري، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره .

82

حدثنا أبو عمرو الهراني ، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، حدثنا فضيل بن سليمان ، عن موسى بن عقبة ، عن عبيد بن سلمان الأغر ، عن أبيه ، عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مثل أمتي مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره ). قال أبو محمد : إن تعلق متعلق بظاهر هذا الحديث فادعى عليه تناقضا في قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ) . فإن المعنى في قوله: ( لا يدرى أوله خير أو آخره ) إن الخير شامل لها ، وإن كان معلوما أن القرن الأول خير من الثاني ، وهذا كما قال الله عز وجل : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . وقال الشاعر يذكر امرأة أعجبه منها بيانها وطرفها وثغرها ( من الطويل ) : أشارت بأطراف لطاف وأجفن مراض وألفاظ تنعم بالسحر فوالله ما أدري أفي الطرف سحرها أم السحر منها في البيان وفي الثغر يريد أن السحر في جماعتها.

83

حدثنا محمد بن حبان المازني، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس بن أبي حازم، قال: سمعت المستورد أخا بني فهر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه وقبض يحيى على مفصلين من السبابة. قال أبو محمد رحمه الله: اليم البحر . حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن قيس، عن المستورد بن شداد، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - مثله. قال: وإني لفي ركب مع النبي- صلى الله عليه وسلم - إذ مر بسخلة منبوذة، فقال: أترون هذه هانت على أهلها، فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها، قال أبو محمد: السخلة ولد الشاة، وهي اسم يجمع الذكر والأنثى، والجميع سخل، وقالوا: سخلة، والمنبوذة الملقاة، يقال: نبذت الشيء أنبذه، إذا ألقيته.

84

حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني تلقينا، حدثنا إبراهيم بن حمزة بن أنس بحلوان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما مثل أمتي كمثل ماء أنزله الله من السماء، لا يدرى البركة في أولها أو في آخرها .

85

حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن يونس، حدثنا علي بن إبراهيم المروزي، حدثنا ابن المبارك، حدثنا غير واحد عن الحسن، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء لا يدرون ما قطعوا أكثر، أو ما بقي منها، فحسرت ظهورهم، ونفد زادهم، وسقطوا بين ظهري المفازة، فأيقنوا بالهلاكة، فبينا هم كذلك، إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا لحديث عهد بريف، فانتهى إليهم فقال: يا هؤلاء ما شأنكم؟ فقالوا: ما ترى كيف حسرت ظهورنا، ونفدت أزوادنا بين ظهري هذه المفازة، لا ندري ما قطعنا منها أكثر أم ما بقي، فقال: ما تجعلون لي إن أوردتكم ماء رواء ورياضا خضرا؟ قالوا: حكمك. قال: تعطوني عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوني، ففعلوا، فمال بهم فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا، فمكث يسيرا ثم قال: هلموا إلى رياض أعشب من رياضكم هذه، وماء أروى من مائكم هذا، فقال جل القوم: ما قدرنا على هذا حتى كدنا ألا نقدر عليه، وقالت طائفة منهم: ألستم قد جعلتم لهذا الرجل عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوه، قد صدقكم في أول حديثه، فآخر حديثه مثل أوله، فراح وراحوا معه، فأوردهم رياضا خضرا وماء رواء، وأتى الآخرين العدو من ليلتهم فأصبحوا ما بين قتيل وأسير .

86

حدثنا عبد الوهاب بن رواحة، حدثنا حميد بن الربيع، حدثني أبو ضمرة، حدثني أبو حازم قال: لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء هذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه .

87

حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، حدثنا عبد الجبار بن وهب، عن سعد بن طارق، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعمت الدار الدنيا لمن تزود فيها خيرا لآخرته ما يرضي به ربه، وبئست الدار الدنيا لمن صدته عن آخرته، وقصرت به عن رضى ربه، وإذا قال العبد: قبح الله الدنيا، قالت الدنيا: قبح الله أعصانا لربه . قال أبو محمد: قوله: بئست الدار الدنيا لمن صدته عن آخرته، المعنى: أن يصد العبد بها عن الآخرة، فجعل الفعل للدنيا، وكذلك قوله: قصرت به عن رضى ربه، يريد قصر هو بها عن رضى ربه، وقوله: قالت الدنيا قبح الله أعصانا لربه، معناه: أن العاصي هو المقبوح فيها، فجعل الاتعاظ بها بمعنى القول منها، كما قيل: سل الدنيا؛ من شق أنهارك؟ وفجر بحارك؟ وغرس أشجارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا.

88

حدثنا الحضرمي، حدثنا ابن أبي رزمة، حدثنا علي بن الحسن الشقيقي، قال الحضرمي: وحدثنا محمد بن علي الشقيقي عن أبيه، حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله تعالى حتى يرجع .

89

وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما آجالكم في آجال من خلا، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى، كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط. ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط. فقال: من يعمل من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا لكم الأجر مرتين! قال: فغضبت اليهود والنصارى، قالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء، قال الله عز وجل : هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت . قال أبو محمد: هذا مثل في فضل هذه الأمة على من تقدمها من الأمم، وإن الله عز وجل يضاعف لها الثواب على يسير ما كلفوا من العمل مع قصر مدتها في مدة من قبلها من اليهود والنصارى، وإنما سميت اليهود يهودا من قولهم: هدنا إليك. وأخبرنا أبو محمد الأنباري، عن الطوسي: والتهود التوبة، وأنشد ( من الطويل ) : سوى ربع لم يأت فيها مخافة ولا رهقا من عابد متهود وسميت النصارى؛ لأنهم نسبوا إلى قرية يقال لها نصورية، وقالوا: أناصرت، وقال بعضهم في النسبة: نصري. والأجل: المدة والوقت الذي يتناهى إليه العمر، وهذا على الجمهور الأكثر، إلا أن أحدا لا يتجاوزها، ومن كلام العرب: جاءت تميم وأقبلت بكر، وقالوا: جاءت غطفان عن بكرة أبيها، أي: جاءوا بأجمعهم. وأنشدنا ابن عطية قال: أنشدنا أبو حاتم ( من الطويل ) : جاءت سليم قضها بقضيضها تمسح دوني بالعضاء سبالها القض: الحصا، والقضيض: التراب، وأنشدني رجل بضربة، يذكر وقعة ( من الكامل ) : ثارت لها كلب وقيس كلها وبنو الحروب تنوخ والأنصار وأتتك بهراء بن عمرو بالقنا والخيل معلمة لها إحضار وقال النبي- صلى الله عليه وسلم - يوم بدر : ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها يريد أشرافها، يعني معظمهم وأكثرهم.

90

وحدثنا إبراهيم بن أسباط السلولي، حدثنا شريح بن يونس، حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر قال: سمعت أنس بن مالك يقول، وحميد عن الحسن، ويونس عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعن أخاك ظالما أو مظلوما، وقال رجل: يا رسول الله، هذا أنصره مظلوما أرأيت إن كان ظالما؟ قال: امنعه من الظلم واحجره، فإن ذلك نصره .

91

حدثنا يحيى بن معاذ التستري، حدثنا يحيى بن المغيرة المخزومي، حدثنا ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين . المعترك: موضع الاعتراك، وكذلك المعركة، الاعتراك الاعتلاج في الحرب، يقال: اعترك القوم للقتال والخصومة، قال جرير ( من البسيط ) : قد جربت عركي في كل معترك غلب الليوث فما بال الضغابيس هذا يريد أن معظم المنايا وأكثرها لهذه الأمة بين هاتين المدتين، وهي المدة التي تذكرها العرب، أنشد الأصمعي ( من الطويل ) : ومن يصحب الأيام ستين حجة يغيرنه والدهر لا يتغير وقال آخر ( من الطويل ) : وإن امرأ قد جاز ستين حجة إلى منهل من ورده لقريب ومات النبي- صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة لهما رضوان الله وصلواته ورحمته عليهم، فأما من خلفه النبي- صلى الله عليه وسلم - فأسن، منهم العباس بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وبلال بن الحارث، وزيد بن خالد الجهني. وممن جاوز السبعين: عمار بن ياسر، وأبو أمامة صدي بن عجلان، والسائب بن يزيد، وواثلة بن الأسقع. وممن جاوز المائة: أنس بن مالك، وحكيم بن حزام. وحدثنا عبد الله بن سلمة بن أبي حبيب الأنصاري، حدثني بكر بن عبد الوهاب الخياط الأنماطي، حدثنا محمد بن عمر الأسلمي الواقدي، قال: مات مخرمة بن نوفل، وحويطب بن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وسعيد بن يربوع، وكنية مخرمة أبو المسور، وكنية حكيم أبو خالد، وكنية حويطب أبو محمد، ماتوا سنة أربع وخمسين، وقد بلغ كل واحد منهم عشرين ومائة سنة، إلا مخرمة، فإنه بلغ خمس عشرة ومائة، ومات أنس بن مالك سنة إحدى وتسعين، وقال: قدم النبي- صلى الله عليه وسلم - المدينة ولي عشر سنين، فذلك مائة سنة وسنة واحدة. حدثنا أبو عبيدة محمد بن الجنيد، حدثنا إسماعيل بن حفص، حدثنا المحاربي عن أشعث بن سوار قال: مات شريح وهو ابن مائة وعشر سنين، ومات سويد بن غفلة وهو ابن عشرين ومائة، ومات أبو رجاء وهو ابن مائة وسبع وعشرين، قال أبو محمد: هؤلاء مخضرمة، والمخضرمة الذين أدركوا الجاهلية والإسلام. حدثنا ابن البرتي عن أبي حفص قال: مات أبو عثمان النهدي وهو ابن ثلاثين ومائة، مات بعد المائة. حدثنا أبو خليفة عن التوزي قال: حدثت عن يونس، عن ابن داود، عن ابن حي قال: عاش سويد بن غفلة عشرين ومائة سنة لم ير محتنيا ولا متساندا قط، واقتض عام مات بكرا. حدثني الحسن بن علي السراج قاضي الأهواز، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي : حدثنا عبيد الله بن ثور، حدثتنا دينة بنت أبي الحلال، قالت: بعث المهلب إلى أبي الحلال بجارية لينظر هل بقي من الشيخ بقية، فاقتضها، وهو يومئذ ابن عشرين ومائة.

92

أخبرنا الحضرمي، حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حفص بن جميع، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مثل الذي يعين قوما على الظلم مثل البعير الذي يتردى في الركي ينزع بذنبه . قال أبو محمد رحمه الله: الركي البئر الصغيرة، تقول: ركية وركي وركايا، وأحسب الركي بطرح الهاء في معنى الجمع والنزع، قلعك الشيء من الشيء، وهذا مثل في ذم الحمية والتعاون على العصبية، ومثل بالبعير الذي يتردى في البئر، فيحاول نجاة نفسه بهلاك بعضه، وكان هذا من شأن العرب ومذهبها. قال وداك بن ثميل المازني يذكر قومه ( من الطويل ) : مقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل رقيق الشفرتين يمان إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان وقال آخر يعير قومه باللين ، ويذكر غيرهم بالحمية ( من البسيط ) : لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا وهذا كثير.

93

حدثنا محمد بن أحمد بن كساة، حدثنا دحيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم المخزومي، عن ابن أبي حسين المكي، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا كان يوم القيامة نودي، أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله عز وجل : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ قال أبو محمد: إبراهيم المخزومي هو إبراهيم بن الفضل، وابن أبي حسين عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين . حدثنا الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن بهرام وهشام بن يونس قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، حدثنا أبي، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر، يريد أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ . حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن ابن المبارك، عن أبي عثمان الصغاني، عن وهب بن منبه : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ، قال هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين.

94

حدثني أحمد بن يحيى الحلواني: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا جابر، وهو ابن رفاعة، حدثني الشعبي قال: سمعت على هذا المنبر، وهو منبر الكوفة، رجلا وهو يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سمعت أحدا يقوله قبله، فقال له نعيم الأشجعي: من هو يا عامر؟ قال: هو النعمان بن بشير الأنصاري، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن مثل المدهن في أمر الله كمثل رهط، ركبوا سفينة فاقترعوا على المنازل فيها، فأصاب بعضهم أعلى السفينة، وأصاب بعضهم أسفلها، فاطلع مطلع من الذين أعلى السفينة، فإذا بعض من في أسفلها يخرقها، قال: ما تصنع يا فلان؟ قال: أحسبه قال: أخرق مكانا فأستقي منه، أو قال: أشرب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن غيروا عليه نجا ونجوا، وإن تركوه يخرقها غرق وغرقوا . قال نعيم بن أبي هند: إن هذه علينا شديدة، أنا أخاف أن يغرق هؤلاء القوم ويغرقوا - يعني بني أمية قال: وهذا في زمان بني أمية. حدثني أبي ، ومحمد بن جنيد قال ابن جنيد : حدثنا عقبة بن مكرم ، وقال أبي : حدثنا يحيى المقوم ، قالا : حدثنا أبو عاصم ، حدثنا جابر بن يزيد بن رفاعة العجلي ، حدثني نعيم بن أبي هند ، قال : سمعت الشعبي يقول : سمعت النعمان بن بشير يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ، فذكر نحوه. حدثنا ابن ذريح العكبري ، حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( مثل المقيم على حدود الله عز وجل ، والمدهن في حدود الله عز وجل ، والمنهمك فيها كمثل ثلاثة في سفينة ) . وذكر الحديث. قال أبو محمد رحمه الله تعالى : الإدهان : اللين ، يقال : أدهن الرجل يدهن إدهانا فهو مدهن ، والمداهن : المصانع الموارب، قال الله تعالى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (68|9) . أي تلين لهم فيلينون لك . قال شاعر ( من الطويل ) : وفي الحلم إدهان وفي العفو دربة وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق والانهماك : اللجاج والتمادي ، تقول : انهمك فلان في أمر كذا ، إذا لج وتمادى، وهذا مثل في الإغضاء عن الجاهل والتلاين له حتى يتمادى في جهله ، وهو يقتضي معنى القول بالحق ، والأمر بالمعروف ، والأخذ على أيدي أهل الشر حتى لا يؤدي انهماكهم في جهله إلى فساد العامة ، وهو في معنى قول أبي الأسود ( من الطويل ) : وما لحليم واعظ مثل نفسه ولا لسفيه واعظ كحليم وكما قال الآخر ( من الخفيف ) : ولقد توقع الحليم وإن كا ن بريًّا بجهلها السفهاء وأخو الحلم حين لا يرمح الجا هل والجاهل السفيه سواء وقال العدوي ( من الطويل ) : ومن لا يزل يوما مع الجهل مذعنا يقده إلى حين وذو الجهل حائن

95

حدثنا موسى بن زكرياء، حدثنا أزهر بن مروان، حدثنا داود بن الزبرقان، حدثنا مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، عن يحيى بن يعمر، أن أبا سبرة قال لعبيد الله بن زياد: حدثني عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل المؤمن كمثل النحلة، أكلت طيبا ووضعت طيبا، وإن مثل المؤمن مثل القطعة الجيدة من الذهب، أدخلت النار فنفخ عليها فخرجت جيدة . قال أبو محمد: هذا مثل للمؤمن في صحة عقده وعهده وسره وعلانيته وسائر أحواله، ومثل بالنحلة تارة، وبالقطعة من الذهب تسبك فيعود وزنها مثله قبل سبكها لصفائها وخلوص جوهرها؛ لأن الخالص من الذهب لا يحمل الخبث، ولا يقبل الصدا، ولا تنقصه النار، ولا يغيره مرور الأوقات، وكذلك المؤمن في حال منشطه ومكرهه وعسره ويسره، على بينة من ربه، ويقين من أمره، لا ينقصه الاختبار، ولا يزيله عن إيمانه ويقينه تفرق الأحوال، والذهب أسنى الجوهر وأشرفه، ويقال للشيء في بلوغ الغاية في تفضيله وشرفه وخطره: كأنه الإبريز الخالص، وما هو إلا الذهب الأحمر، وقال بعض الشعراء ( من الكامل ) : كالخالص الإبريز إن لم تجله فجلاؤه فِيهِ وإن صحب الأبد لا يستحيل على الليالي لونه أنى وجوهره شهاب يتقد وقال آخر ( من البسيط ) : لا يعلق العار جنبي إن رميت به نأيت عنه كما لا يصدأ الذهب وحدثني عبدان بن أحمد بن أبي صالح، صاحب التفسير ، عن عمرو بن محمد الزنبقي البصري ، عن الأصمعي ، عن أبي عمرو بن العلاء، قال : من أحب أن ينظر إلى رجل صيغ من ذهب فلينظر إلى الخليل بن أحمد ، ثم أنشأ يقول : ( من البسيط ) : قد صاغه الله من مسك ومن ذهب وصاغ راحته من عارض هطل والنحلة كريمة، تغتذي بألطف الغذاء، وأشرف ما يغتذي به ذو حياة ، وتمج العسل ، وهو أطيب طعام وأعذبه ، وإليه المثل في الحلاوة التي هي أعجب الطعوم مذاقا ، وأفضلها مأكولا ومشروبا ، وأوقعها من النفوس مواقع الغاية . ويقال : إنها بإذن الله وقدرته تحمل العسل في أفواهها ، والشمع على أفخاذها وظهورها . وتقول : نحلة للذكر والأنثى، والنحل مذكرات ومؤنثات ، ويقال للنحل : ذباب الخصب معا، وذباب الربيع . أفرد لها هذا الاسم لشرفها ، مقرون لشرف الوقت الذي ينتشر فيه ، وهو الفصل الذي يكثر فيه الذباب والخصب والخير والمرعى. وسمي المعتمد من الرجال السيد المؤتمر له يعسوبا بيعسوب النحل ، وهو أميرها . وفي الحديث : ( علي يعسوب المؤمنين ) . أي: سيدهم . والمال: يعسوب المنافقين . ووقف علي رضي الله عنه على عبد الرحمن بن عتاب يوم الجمل وهو مقتول ، فاسترجع ثم قال : هذا يعسوب قريش . أي: سيدهم . واختلفوا في اليعسوب ، فقال بعضهم : هو نحلة ذكر أكبر من الإناث ، يجتمع إليه النحل ويتفرقن عنه ، وهو مقيم لا يبرح ، فإن خرج خرجن معه ، وإن غاب طلبنه ، وإن ضاع تمزقن وتشتتن ولم يصلحن إلا به. وقال بعضهم : بل هو الأنثى، وتسمى الأمراء ، والنحل يسمى النحال، وذكر النحل في أشعار العرب كثير لعجب صنعتها ، وجليل ما يخرج الله تعالى من بطونها . قال الله تعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ (16/68،69). وتناهي ما جاء في ذكره من الشعر كثير ، كما قال أبو ذؤيب : ( من الطويل ) : ولا ما تمج النحل في متمنع فقد ذقته مستطرفا وصفا ليا وكما قال الآخر ( من الطويل ) : وإن حديثا منك لو تبذلينه جنى النحل في أبكار عوذ مطافل

96

حدثنا أحمد بن عمرو الحنفي : حدثنا مدرك ، حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- : ( إن رجلا كان فيمن كان قبلكم استضاف قوما فأضافوه ، ولهم كلبة تنبح ، قال : فقالت الكلبة : والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة ، قال : فعوى جراؤها في بطنها ، فبلغ ذلك نبيا لهم ، أو قيلا لهم، فقال : مثل هذه مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفاؤها حلماءها ، ويغلب سفهاؤها علماءها ). قال أبو محمد رحمه الله : الجراء جمع جرو - بكسر الجيم - وهو ولد الكلبة ، وعوى الكلب : إذا صاح ، وهو العواء - بضم العين ، ممدود، وهذا مثل في استعلاء السفهاء ، وتطاول الأشرار ، والسفه نقيض الحلم ، وهو في معنى الجهل ، وأصله التنقص في العقل ، ويستعمل في بذاء اللسان ، ورفث القول ، كما قال جرير ( من الكامل ) : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أحكموا : يعني امنعوا، وكما قال الآخر ( من الوافر ) : إذا نطق السفيه ولا تجبه فخير من إجابته السكوت سكت عن السفيه فظن أني عييت عن الجواب فما عييت وهذان البيتان يرويان لعمر بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما.

97

حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا محمد بن إسحاق بن يحيى الحلواني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل المؤمن مثل النحلة أو النخلة إن ساورته نفعك، وإن ماشيته نفعك، وإن شاركته نفعك . حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن صدران، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، ذكره عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: مثل المؤمن كمثل الشجرة وذكره .

98

الجزء الخامس من كتاب أمثال الحديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تصنيف. القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي. بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قال الشيخ الإمام الأجل الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الإصبهاني: أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف الأنماطي: حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البغدادي ، حدثني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي برامهرمز ، قال : حدثنا ابن صاعد ، حدثنا الحسين المروزي ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثني أبو هريرة ، قال : سمعت معاوية يقول على هذا المنبر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة ، إنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله ، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله .

99

حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا يتحات ورقها، ثم قال: هي النخلة . حدثنا محمد بن علي الناقد: حدثنا إبراهيم بن الحسن العلاف ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل جمارا، فقال : ( إن من الشجر كالرجل المؤمن ) . فأردت أن أقول : هي النخلة ، فنظرت في وجوه القوم فإذا أنا أحدثهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هي النخلة . قوله : ( لا يتحات ورقها ) يعني : لا يتساقط، كما يتساقط ورق الشجر ، وورقها : خوصها ، وأصل الحت : الفرك، قال الشاعر : ( من الطويل ) : تحت بقرنيها برير أراكة وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالها وسمى الخوص ورقا، كما سمى النخلة شجرة . وفي هذا كلام بين الفقهاء ، والنخلة سيدة الشجر ، ضربها الله تعالى مثلا لقول لا إله إلا الله ، فقال: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (14|24) . ومثلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجل المؤمن القوي في إيمانه ، المنتفع به في جميع أحواله . والعرب تعظمها وتكثر في أشعارهم ذكرها، وزعم قوم ممن يتعمق في الاشتقاق: إن اسمها مشتق من الانتخال ، وهو التصفية والاختيار . قالوا : فهي صفوة الشجر، ومختار المعاش . وهذا قول نادر شاذ . تقول : نخلت الشيء إذا صفيته ، ونخلت الكلام والشعر إذا هذبته ولخصته . قال الشاعر ( من الطويل ) : تنخلتها مدحا لقوم ولم أكن لغيرهم فيما مضى أتنخل وبه سمي المتنخل الشاعر ، ويقال : آشر من نخلة ، وأعظم بركة من نخلة ، وتوصف المرأة الجزلة بها ، وتوصف الفرس بجذعها ، والقمر حين يبدو بعرجونها ، ونسبة الخلق في تمامه وشطاطه بمجالها ، ويسمى طلعها الكافور ، وجمارها الإغريض - وهو الفضة - ويقال : إنه ليس في المأكول أنظف منها . وقال رجل من العرب يصف نسوة : كلامهن أقتل من النبل، وأوقع في القلوب من الوبل في المحل، وفروعهن أحسن من فروع النخل، وقال الشاعر ( من الوافر ) : كأن فروعهن بكل ريح عذارى بالذوائب ينتصينا وقال العرجي ( من الكامل ) : حوراء يمنعها القيام إذا قعدت تمام الخلق والبهر كالعذق في رأس الكثيب نما طولا ومال بفرعه الوفر وقال الحارث المخزومي ( من الكامل ) : كالعذق زعزعه رياح حرجف فاهتز بعد فروعه قنوانه ويقال في بلوغ الغاية في صفاء الشيء وليانه ومخه : ما هو إلا جمارة ، وكأنه جمارة النخل ، كما قال الهيتي ( من الرمل ) : أنتم جمارة من هاشم والكرانيف سواكم والحطب حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين، عن عكرمة في قول الله تعالى: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ (14|24) قال: هي النخلة لا يزال فيها شيء ينتفع به، إما ثمره وإما حطبه، وكذلك الكلمة الطيبة ينتفع بها صاحبها في الدنيا والآخرة. حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الشجرة الطيبة النخلة، والخبيثة الحنظلة، مثل المؤمن والكافر. حدثنا يوسف، حدثنا المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب بن الحبحاب، قال: كنا عند أنس بن مالك فجيء بطبق من رطب، فقال: كلوا فإن هذه التي ذكر الله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ (14|24)، قال: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ (14|26) تلكم الحنظلة .

100

حدثنا أبو خليفة: حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أوس بن خالد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( مثل الذي يسمع الحكمة ولا يحمل إلا شرها كمثل رجل أتى راعيا فقال : أجزرني شاة من غنمك ، قال : انطلق فخذ بأذن شاة منها ، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم ). حدثنا عبدان: حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، حدثنا حماد بن سلمة بإسناده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : ( مثل الذي يسمع الخطبة ثم لا يعي ما يسمع ) . وذكر مثله. قال أبو محمد : إن قال قائل : كلب الغنم خير من شاة ، والحكمة لا تسمى شرا ، فالجواب: إن الحكمة مسموعة ومعقولة ، والمسموع الكلام الذي بني على جهة الصواب وأحكم معناه ، وقال صاحب كتاب العين : الحكمة مرجعها إلى العدل والعلم والحكم ، ومنه قولهم : أحكم فلان فلانا عن كذا ، أي منعه . أخبرنا مسيح بن حاتم: حدثنا الحسن بن علي الواسطي ، حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن مجاهد في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (31|12) قال : الصواب، وقال جرير ( من الكامل ) : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا فمن الحكمة قول عروة بن الورد ( من الطويل ) : إذا المرء لم يطلب معاشا بكفه شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأذنين كلا وأوشكت صلات ذوي القربى له أن تنكرا فسر في بلاد الله والتمس الغنى تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا فهذه حكمة ، وقد دل قائلها على طلب الرزق ، ورغب في الثروة ، وأخبر عن عيوب الفقر وفضل الغنى ، واعلم أن في الغنى صيانة للعرض ، وقضاء للحق ، وصلة للرحم ، وعونا على المروة ، وهو بذا الكلام الحسن والمعنى الجيد الذي ضمنه غير سالك به سبيل الحق والعدل ، يريد به الغارة ، ويبعث على القتل والتلصص على ما أخبروا . وخير منها وأفضل قول سالم بن وابصة ( من الطويل ) : غنى النفس ما يكفيك من سد خلة فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا فإنه أخبر عن فضل القناعة ، والرضا بالميسور ، ودل على مواقع الكفاف ، وغنى النفس ، وذم التكاثر بأوجز لفظ وأتمه بيانا وأحسنه من قلوب أهل البصائر موقعا ، وأجمعه لحظ الدنيا والدين ، فهي خير من الأولى وأفضل ، وهما حكمتان . وقال قيس بن الخطيم ( من الطويل ) : وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة أسب بها إلا كشفت غطاءها متى يأت هذا الموت لم تبق حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها فانظر جودة هذا الكلام وحسنه ، وقد دل ظاهره على مبادرة اللذة بالفوت ، والأخذ منها قبل مفارقتها ، وإنما أراد قائلها أنه شفى نفسه بدرك ثأره ، والاعتلاء على أعدائه ، وهو حكمة في معناه . وخير منه وأفضل قول الصلتان العبدي ( من المتقارب ) : نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي فانظر أين موقع هذا الكلام إذا اعتبر ، ومقداره إذا وزن، والحاجة ما يشتمل عليه الصدر ، فأخبر أن الإنسان لا يتناهى به الحال إلى أن يبلغ أقصى بغيته من دنياه ، فيقضي من الحياة نهمته ، ويستوفي منها شهوته ، وأنه رهين بما يحاول ، وغير بالغ جميع ما يؤمل وإن طالت أيامه وامتد عمره ، والآخذ بقول قيس هو الحامل لشر الحكمتين . وأما قوله: ( أجزرني شاة ) فإنه استعطى ما ينتفع بلحمه ، والكلب لا ينتفع بلحمه ، وإنما ينتفع بصيده وحراسته ، والجزر : كل شيء يباح للذبح ، والواحد جزرة . قال سابق البربري ( من البسيط ) : أصبحتم جزرا للموت يأخذكم كما البهائم في الدنيا لكم جزر آخر الرابع ويتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى: حدثنا ابن صاعد: حدثنا الحسن المروزي، حدثنا ابن المبارك. وصلى الله على محمد وآله.

101

حدثنا أحمد بن عبيد الله الجشمي، حدثنا علي بن المؤمل من أهل وادي القرى، قال: سمعت موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم- يقول: حدثني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم المال النخل الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، والمحل الجدب . وقال الشاعر ( من الطويل ) : نأين فلم تلحق بها كف جاذب ولم يتباعد خيرها ابن سبيل وقال آخر ( من الطويل ) : إذا اغبر وجه الأرض واصفر عودها أقمن فهن المطعمات على المحل

102

أخبرنا الحضرمي: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مثل الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا ) الأسفار : واحدها سفر ، وقال الله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ (80|15-16) . والسفرة : الكتبة من الملائكة ، ويقال: إنهم ملائكة السماء الدنيا الذين يحصون أعمال العباد، وقال بعض الشعراء يعير قوما بالرواية دون الدراية ( من الطويل ): زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما تدري المطي إذا غدا بأحماله أو راح ما في الغرائر وهذا مثل لمن شهد الجمعة بجسمه ، ولم يشهدها بقلبه ، فجهل ما يجوز من ثوابها بحضوره إذا أنصت واستمع ولم يلغ ، فهو كالحمار الذي لا يعقل . وقال الله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ (62|5) . وضرب الله هذا مثلا للذين حملوا التوراة ولم يحملوا ما فيها من الأوامر والنواهي ، فصاروا بمنزلة من لا يحملها لعدم الانتفاع بها ، وخص الحمار بهذا المثل؛ لأنه المذموم عند العرب من الدواب ، والغاية فيما يستبهم ، وهم يقولون للإنسان المذموم : كأنه حمار ، أو كأنه عير . أنشدنا ابن عرفة: أنشدنا أحمد بن يحيى ، عن ابن الأعرابي ( من الطويل ) : دفعت إلى شيخ بجنب فنائه هو العير إلا أنه يتكلم وقال الفرزدق ( من الطويل ) : سواسية سود الوجوه كأنهم حمير بني ذكوان إذ ثار صيقها والصيق : الغبار، وضرب الله للمعرضين عن الذكر النائين عنه مثل الحمير المستنفرة ممن يقسرها ويقهرها ، فقال : كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (74|50-51) ، وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ) . ويروى ( وجهه وجه حمار ). واعترض بعض من يتحلى بالخلاف على الأثر ويطعن على أهله فقال : وكيف لحق هذا الذنب اليسير مثل هذا الوعيد العظيم، فقال فيه قولا قبيحا، وإنما المعنى : أما يخشى من جهل الاقتداء بإمامه ، وقد قام مقام المقتدي أن يشرك البهيمة في صورته، كما شركه في جهله؟ وهذا على المبالغة في ذم الجهل وأهله ، وخص الحمار بذلك لما قدمنا القول فيه ، ولأن العرب تجعله الغاية فيما تستبهم وتذم وتستجهل ، حتى ذكره بعضهم بفساد الدين ، كما قال الأخطل ( من المتقارب ) : فدينك عندي كدين الحمار بل أنت أكفر من هرمز ولهذا قالت الإخوة من الأب والأم لعمر حين أسهم للإخوة من الأم دونهم : هب أن أبانا كان حمارا . ولذلك قال بعض المتأخرين حين بالغ في ذم الدهر ، وصرفه الأمور عن جهتها ، وإجرائها على غير حقائقها ( من الوافر ) : فلو ذهبت ستار الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار لعدل قسمة الأيام فينا ولكن دهرنا هذا حمار وقال حيان بن سليمان بن مالك ( من الطويل ) : إذا حل أهلي بالشرية فاللوى فليس على قتلي لبيد بقادر فلا تقتلوني واقتلوا بأخيكم حمارا مهينا من حمير قراقر حدثنا سهل بن موسى: حدثنا بندار، حدثنا أبو أحمد، حدثني سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (82|8) قال: إن شاء حمارا وإن شاء خنزيرا .

103

حدثنا محمد بن سعيد الأبلي ، ويلقب بمروك ، والحسن بن أبي شجاع البلخي قالا : حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي ، حدثني الأوزاعي ، عن عروة بن رؤيم ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : ( أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها ، فأطعموا نساءكم الولد الرطب ، فإن لم يكن الرطب فالتمر ، وليس شيء من الشجر أكرم على الله تعالى من شجرة نزلت عندها مريم بنت عمران ). قال أبو محمد : هذا من الأحاديث التي يعترض عليها من يشنأ الحديث ، ويبغض أهله ، ويحب أن يعد من أهل النظر ، ويتحلى بالخلاف على الأثر، فقال : رويتم أن النخلة عمة ، كما رويتم أن الفأرة يهودية ورويتم كذا ، ورويتم كذا ، وما أدري ما الذي ينكر به من هذا، ولم لا يجوز أن يجري لها هذا الاسم على التمثيل مع ما روي أنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ؟ وإنما أخبر عليه السلام عن قدمها، إن كان الحديث محفوظا ، وأعلمنا أنها خلقت مع آدم من الطين ، والعرب تذكر النخلة بالقدم ، وتصفها بالبقاء ، ومن كلامهم: إذا طال عمر الإنسان، كأنه نخلتا ثروان . قال الشاعر، فجعلها بنات الدهر ، يريد أنهن يبقين بقاء الدهر، على المبالغة في البقاء ( من الوافر ) : ضربن العرق في ينبوع عين طلبن معينه حتى روينا بنات الدهر لا يخشين محلا إذا لم تبق سائمة بقينا كأن فروعهن بكل ريح عذارى بالذوائب ينتصينا وقال أحيحة بن جلاح، فسمى الصغار منهن طفلا ( من المتقارب ) : هو الظل في الصيف حق الظليـ ل والمنظر الأحسن الأجمل فعم لعمكم نافع وطفل لطفلكم يؤمل العم الطوال ضرب بها المثل، فقال : هذه الطوال للرجال ، وهذه الصغار للأحداث نشأت معهم . وقال رجل من حنيفة، فسمى العظام منها أمهات ( من الطويل ) : ولما أتم الطلع منها وشبهت شماريخها الكتان أخلص بالرحض كفى أمهات الحمل منها بناتها بنضد العذوق بعضهن على بعض وقال آخر ( من الطويل ): لنا لقحة لم تغد يوما بناتها إذا بركت في منزل لم تحول لها أخوات حولها من بناتها حوادث لم تحلل ببيداء مجهل قيام حوالي فحلها وهو قائم تلقح منه وهو عنها بمعزل ترى الشارب النشوان من جلباتها إذا راح يمشي مثل مشي المخبل حدثنا ابن دريد: حدثنا السجستاني ، عن الأصمعي، قال : لقيت أعرابيا فقلت : ممن أنت ؟ فقال : أسدي ، قلت : من أيهم ؟ قال : نمري ، قلت : من أي البلاد ؟ قال : من أهل عمان ، قلت : فأنى لك هذه الفصاحة ؟ قال : سكنا بأرض لا نسمع فيها ناجخة التيار ، أو نافحة التيار ، يعني صوت البحر ، قلت : فصف لي أرضك ، قال : سيف أفيح ، وفضل ضحضح ، وجبل صلدح ، ورمل أصبح ، قلت : فما مالك ؟ قال : النخل ، قلت : فأين أنت عن الإبل ؟ قال : إن النخل حملها غذاء ، وسعفها ضياء ، وجذعها بناء ، وكربها صلاء ، وليفها وشاء ، وخوصها وعاء ، وقروها إناء، وقال الأعشى في صفة الفرس ( من الكامل ) : أما إذا استقبلته فكأنه جذع سما فوق النخيل مشذب وقال الجعدي في الإغريض ( من الطويل ) : ليالي تصطاد الرجال بفاحم وأبيض كالإغريض لم يتلثم وقال آخر في الكافور ( من الطويل ) : كأن على أسنانها عذق نخلة مدلي من الكافور غير مكمم وقال أعرابي يصف امرأة ( من الكامل ) : يا طيب وصلك في النساء مبين لخلائق يأبى النساء مداها بعفافة وحلاوة وتقبل أعيا النساء وإن جهدن سواها فكأن طيبة نخلة في جدول عذبت مغارسها فطاب جناها وقال الربيع بن أبي الحقيق فشبه الليف بحواشي البرود ( من الطويل ) : ربت في كثيب ذي أباريق عذبة عواقبها في الماء ورد شوارع لها سعف جعد وليف كأنه حواشي برود حاكهن الصوانع وقال أمية بن أبي الصلت يذكر الجنة ( من الكامل ): فيها الفواكه كلها وتزخرفت بالطلع ترضي الناظرين نضيرا آخر الجزء الثالث والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وأزواجه وسلم تسليما. يتلوه إن شاء الله تعالى في الرابع: حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، والحمد لله حق حمده، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

104

حدثنا شيخ من أهل المدينة السلام: حدثنا محرز بن سلمة، عن الدراوردي، عن موسى بن عبيدة، عن ماغر بن سويد العرجي، عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مثل الذي لا يتم صلاته مثل المرأة حملت حتى إذا دنا نفاسها أسقطت فلا حامل ولا ذات رضاع، ومثل المصلي كمثل التاجر لا يخلص له الربح حتى يخلص له رأس ماله، فكذلك المصلي لا تقبل له نافلة حتى تؤدى الفريضة .

105

الجزء الرابع من كتاب أمثال الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تصنيف أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم رب عزتك قال الشيخ الإمام الأجل الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني رضي الله عنه: أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم الأنماطي، حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن يحيى الدقاق بمصر، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن طالب البغدادي، حدثني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، برامهرمز قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا سليمان بن أيوب، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن سويد بن منجوف، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مثل المؤمن القوي مثل النخلة، ومثل المؤمن الضعيف كخامة الزرع .

106

أخبرنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا إبراهيم بن أبي معاوية، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مثل الصلاة الخمس مثل نهر جار على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات . حدثنا موسى بن زكرياء، حدثنا داود بن بلال حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، عن أبي هريرة إن شاء الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل الصلاة الخمس مثل رجل على بابه نهر جار غمر عذب، يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقين من درنه .

107

حدثنا أحمد بن عمرو الحنفي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله، أو عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيؤه الرياح، تعدله مرة وتقيمه أخرى حتى يأتيه أجله، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يقيمها حتى يكون انجعافها مرة واحدة . قال أبو محمد رحمه الله: ورواه يحيى بن سعيد عن الثوري فقال: لا يصيبها شيء حتى تستجمه. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت فقال: لا تزال قائمة حتى تنقصف، ورواه الأعمش عن عطاء عن جابر قال: لا تزال قائمة حتى تنقعر، وقال: الأرزنة بالنون.

108

أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم -: أن لقمان قال لابنه: يا بني، عليك بمجالسة العلماء واستماع كلام الحكماء، فإن الله عز وجل يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل المطر .

109

حدثنا محمد بن علي بن الوليد الأسلمي قال: سمعت هدبة بن خالد القيسي يقول: حدثنا محمد بن مسلم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مثل المؤمن مثل السنبلة، تقوم أحيانا وتميل أحيانا . قال أبو محمد: الخامة الغضة الرطبة، قال الطرماح ( من الخفيف ) : إنما نحن مثل خامة زرع فمتى يأن يأت محتصده والأرزة الثابتة من الشجر، واختلف في تسميتها، فمنهم من يقول: الأرزة مثال فعلة محركة مفتوحة العين، وهو لفظ الحديث، ومنهم من يقول: الآرزة مثال فاعلة، وهو قول أبي عمرو الشيباني، قال: ومنه تقول: أرز يأرز، ومنهم من يقول: الأرزة مثال فعلة ساكنة العين، وهو قول أبي عبيد، قال: هو شجر معروف بالشام وقد رأيته يقال له: الأرز، واحدتها أرزة، وهي التي تسمى بالعراق الصنوبر، والصنوبر ثمر الأرزة، والمجذية الثابتة في الأرض، يقال: جذت تجذو، وأجذت تجذي. والانجعاف: الانقلاع، ومنه قيل: جعفت به الأرض إذا صرعته فضربت به الأرض، والانقصاف مثله. قال أبو عبيد: هذا فيما نرى أنه شبه المؤمن بالخامة التي تميلها الريح؛ لأنه مرزأ في نفسه وأهله وولده وماله، والكافر كمثل الأرزة التي لا تميلها الريح أي لا يرزأ شيئا وإن أرزي لم يؤجر عليه حتى يموت، فشبه موته بانجعاف تلك حتى يلقى الله عز وجل بذنوبه.

110

حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار: حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا رشدين بن سعيد، عن عبد الله بن الوليد التجيبي، عن أبي حفص أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إن مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن يضل الهدى .

111

حدثني قتادة بن وسيم الطائي: حدثنا عبيد بن آدم العسقلاني، حدثنا أبي عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيته، يجول ما يجول ثم يرجع إلى آخيته، وكذلك المؤمن يقترف ما يقترف ثم يرجع إلى الإيمان، فأطعموا طعامكم الأبرار، وخصوا بمعروفكم المؤمنين . قال أبو محمد: الآخية عود يعرض على الحائط، تشد إليه الدابة، والجمع الأواخي ويقال: لفلان آخية عند الأمير .

112

حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان الكوفي: حدثنا عثمان بن حفص ، حدثنا الفضيل بن سليمان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مثل القرآن كمثل الإبل المعقلة ، إذا تعاهد صاحبها عقلها أمسكها ، وإذا أغفلها ذهبت ، وإذا قام صاحب القرآن يقرؤه آناء الليل وآناء النهار ذكره ، وإن لم يقم به نسيه ). قال أبو محمد رحمه الله : قوله ( إذا تعاهد صاحبها عقلها ) ، منهم من يقوله بضم العين ، ومنهم من يقوله بفتحها ، وأهل العربية يختارون الفتح ، وهو مصدر قولك : عقلت البعير أعقله عقلا ، إذا شددت يده بعقال ، والعقل : الحبل الذي تربطه به ، ومن قاله بالضم فإنما يحتاج معه إلى حركة القاف ليكون جمعا للعقال ، كما تقول : حمار وحمر ، وعقال وعقل ، وجراب وجرب ، وتسكين القاف خطأ ، وهو لفظ المحدثين.

113

حدثنا عبد الله بن غنام، حدثنا جعفر بن حميد، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن عبد الملك بن عمير، عن النعمان بن بشير، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم مثل الجسد إذا اشتكى شيء منه تداعى سائره بالسهر والحمى . قال أبو محمد: التواد والتحاب والتراحم والتواصل مصادر من قولك: تحاب الرجلان وتوادا وتواصلا وتراحما، وهو أن يقع فعل المحبة والمودة والوصلة والرحمة من أحدهما، مثل ما يقع من الآخر، وشُبِّهَ المؤمنون في هذه الخصال وإن تغايرت أجسامهم وتباينت بالجسد الواحد الذي يألم جميعه بما يألم بعضه، فكذلك المؤمنون متكافئون في السراء والضراء، ويشتركون في الشدة والرخاء.

114

حدثنا محمد بن يحيى المروزي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا شعبة، عن مجالد قال: سمعت الشعبي يقول عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى شيء منه تداعى سائره بالسهر والحمى .

115

حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: حدثنا محمد بن الحسن الحضرمي، حدثنا إسحاق بن نجيح، عن عطاء الخراساني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل الذي يقرأ القرآن ولا يفرض مثل الذي ليس له رأس .

116

حدثنا عبد الله بن علي بن مهدي: حدثنا أحمد بن المعلى الآدمي، حدثنا إسماعيل بن صبيح، حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن القرآن كجراب ملأته مسكا ثم ربطت على فيه، فإن فتحته فاح لك ريحه، وإن تركته كان مسكا مرفوعا، فكذلك مثل القرآن إن قرأته أو كان في صدرك .

117

حدثنا عبدان، حدثنا دحيم، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: يا أيها الناس تراحموا، فإني سمعت بأذني هاتين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: المسلمون كالرجل الواحد، إذا اشتكى عضو من أعضائه تداعى له سائر جسده .

118

حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا علي بن بهرام، حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة، عن غالب عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: المؤمن للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا .

119

حدثنا عبد الله بن أحمد بن خلاد القطان: حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، وحدثنا محمد بن يحيى المروزي ، ويوسف بن الحكم ، قالا : حدثنا شريح بن يونس ، حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ، طعمها طيب وريحها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة ، طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة ، خبيث طعمها ، خبيث ريحها ). قال أبو محمد رحمه الله : الأترجة ، بلا نون ، والذي يقوله العامة بالنون خطأ ، وليس في المشمومات شيء يجمع طيب الرائحة وطيب الطعم غيرها ، والريحان اسم يجمع المشمومات من النبات سوى الشجر، هكذا قاله الحامض . وقال صاحب كتاب العين : الريحان : أطراف كل بقلة طيبة الريح إذا خرج عليه أوائل النور. قال أبو محمد : الريحان : فعلان من الريح ، والريح والروح واحد ، وإنما صار الواو ياء في الريح؛ لأن الحرف الذي قبله مكسور ، وتصغيرها رويحة ، وتقول : أروح الماء وغيره إذا تغير . أخبرنا أبو خليفة ، عن المازني ، عن أبي زيد قال : يقال : انشق الصبح عن ريحانه ، إذا انشق عن نسيمه ، والنسيم : الرائحة الطيبة بحدها . تقول : انشق النهار عن أطيب أوقاته.

120

حدثني أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري ، حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي ، عن غالب الجزري ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ، تكر إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة ، لا تدري أيها تتبع ). حدثنا أحمد بن جعفر النيسابوري ، حدثنا أحمد بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. حدثني علي بن أحمد بن عبد الله المباركي: حدثنا أبي ، حدثنا إسحاق الأزرق ، عن عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- مثله. قال أبو محمد : قوله ( بين الغنمين ) يريد بين القطيعين من الغنم ، ويقال : عارت الشاة إذا فارقت جماعة الغنم، وعدلت إلى بعض النواحي، ومنه قيل للذي يعير نحو الباطل ويفارق أهل الاستقامة والحق : العيار . قال أوس بن حجر ( من البسيط ) : ليث عليه من البردية هبرية كالمرزباني عيار بأوصال . يصف أسدا يعير بأوصال ما يفترسه ، ويروى عيار ، بمعنى يتبختر في مشيته بالعشايا . ويقال : قصيدة عائرة أي سائرة . وقال بعض الرواة : ما قالت العرب بيتا أعير من قوله ( من الطويل ) : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما . فصاحب النفاق يعير إلى أهل الإيمان تارة ، وإلى المشركين أخرى ، متردد ، كما قال الله تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ .

121

حدثنا أحمد بن محمد بن سهيل الفقيه ، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا صالح المري ، عن قتادة ، عن زرارة ، عن ابن عباس ، أن رجلا قال : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( عليك بالحال المرتحل . قال : وما الحال المرتحل ؟ قال : صاحب القرآن ، يضرب في أوله حتى يبلغ آخره ، ويضرب في آخره حتى يبلغ أوله ، كلما حل ارتحل ) .

122

باب الكناية ورد مفسرا حدثنا أبي: حدثنا بشر بن آدم ، حدثني أحمد بن عبد الله بن عمر المدني ، حدثني محمد بن عمر المكي ، عن يحيى بن سعيد بن دينار ، عن أبي وجزة ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : ( إياكم وخضراء الدمن، قيل : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء ). قال أبو محمد رحمه الله تعالى : اسم أبي وجزة : يزيد بن عبيد . وقد جاء هذا مفسرا ، ومعنى ذلك أن الريح تجمع الدمن ، وهي البعر في المكان من الأرض، ثم يركبه السافي ، فينبت ذلك المكان نبتا ناعما غضا ، فيروق بحسنه وغضارته ، فتجيء الإبل إلى الموضع وقد أعيت، فربما أكلته الإبل فتمرض . يقول : لا تنكحوا المرأة لجمالها ، وهي خبيثة الأصل ؛ لأن عرق السوء لا ينجب معه الولد . وقال الشاعر ( من الطويل ) : وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا

123

حدثنا الحضرمي، حدثنا الربيع بن ثعلب، حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن ابن جحادة، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لا تطرحوا الدرة في أفواه الكلاب قال: الفقه .

روابط ذات صلة


المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-77

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة