حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
أمثال الحديث

حديث فإن الدنيا خضرة حلوة

حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأملي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا عمرو بن طارق، عن ابن لهيعة، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه

[1/48]

عن سليمان بن يسار، عن ميمونة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: الدنيا خضرة حلوة، فمن اتقى الله وأصلح، وإلا فهو كالآكل ولا يشبع، وبعد الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب في المغرب .

قال أبو محمد: سألت بعض شيوخنا عن قوله: الدنيا خضرة حلوة، على ما يقع هذان المعنيان؟ فقال: معناه : إن ما على ظهرها من متاعها يحسن في عيون أهلها ويحلو في صدورهم، كما قال الله عز وجل : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ وأنشد ( من الطويل ) :

ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها وما نحن فيه فهو شيء محبب قال أبو محمد: وهو عندي في نعت الحديث الأول أن الدنيا مرتع حلو، يرتع أبناؤها فيها، ويعجبون بحسنها، ويستحلون الحياة فيها، كما تعجب الأنعام بخضر الربيع، وما حلا من نباته وبقله، وألحقت الهاء في قوله: خضرة حلوة؛ لأنهما جعلتا نعتين للدنيا فجرتا على ظاهر الكلام، قال صاحب كتاب العين: الرتع الأكل والشرب رغدا في الريف

[1/49]

ولا يكون الرتع إلا في الخصب والسعة، كما قال إخوة يوسف : ( يرتع ويلعب ) (12|12) وتقول: رتع فلان في مال فلان، إذا تقلب فيه أكلا وشربا، وقال الفرزدق ( من الكامل ) :

فارعي فزارة لا هناك المرتع وقال ( من الطويل ) :

أبا جعفر لما توليت ارتعوا وقالوا لدنياهم أفيقي فدرت وهذا معنى يتردد في كلام العرب وأشعارها، ومن ذلك قولهم: النعمة الظليلة والعيش المورق والشباب الغض، وأشباه ذلك، والنعمة ليست بجسم فتورق فتظل، وكذلك العيش والشباب ليست بأجسام.

وقال مالك بن حويص المهري لهودة بن علي عند كسرى أبرويز، وذكر قوما فقال: كانوا تحت كنف من النعماء غدق، وربيع من الخفض مؤنق، تنهل دهمه بالحبور، وتندفق ديمه بالسرور، ويجتنون ثمر الغبطة، ويتفيئون في ظلال النعمة، ويختالون في رياض الظفر، حماهم عزير، وذراهم حرير

[1/50]

وأنشدنا ابن عطية عن أبي حاتم السجستاني لحميد بن ثور ( من الطويل ) :

يقولان طال النأي لن يحصي الذي رأيناه إلا أن يعد لبيب بلى فاذكرا عام ارتبعنا وأهلنا مدافع دارا والجناب خصيب ولا يبعد الله الشباب وقولنا إذا ما صبونا صبوة سنئوب ليالي أبصار الغواني وسمعها إلي وإذ ريحي لهن جنوب وإذ ما يقول الناس شيء مهون علي وإذ غصن الشباب رطيب قوله: عام ارتبعنا، يقال: ارتبع القوم، إذا ارتعوا في الخصب، وإنما أراد أنهم عاشوا عيشا هنيا طيبا، وقوله: والجناب خصيب - معنى الحال جميلة والعيش هني- تمثيل، وقوله: وإذ ريحي لهن جنوب، معنى أنه كان موافقا لهن بشبابه

[1/51]

وطراوته، كما يوافق الجنوب المطر والخصب، وقوله: غصن الشباب رطيب، يعني: نضارة الشباب وحسنه واعتداله، فمثله بالغصن إذا أورق.

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم –: " وبعد الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب" فإنما أراد والله أعلم الكواكب التي جعلها الله تعالى منازل للقمر، كما قال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (36|39) وهي التي تسمى الأنواء، ويسقي الله عباده بها الغيث، فإن أحدهما لا يغيب في المغرب غدوة حتى يطلع رقيبه في المشرق غدوة، فهما لا يلتقيان ولا يتقاربان، فكذلك اختلاف أحوال أهل الدنيا في حظوظهم ومكاسبهم، لا يتقارب قاهر ومقهور، ومحروم ومرزوق، ومعافى ومبتلى، وأشباه ذلك.

آخر الجزء الثاني، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما إلى يوم الدين.

يتلوه في أول الثالث: حدثنا سليمان بن أيوب.

[1/52]
هذا المحتوى مَثَلٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث