حديث أكرموا عمتكم النخلة
حدثنا محمد بن سعيد الأبلي ، ويلقب بمروك ، والحسن بن أبي شجاع البلخي قالا : حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي ، حدثني الأوزاعي ، عن عروة بن رؤيم ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : ( أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها ، فأطعموا نساءكم الولد الرطب ، فإن لم يكن الرطب فالتمر ، وليس شيء من الشجر أكرم على الله تعالى من شجرة نزلت عندها مريم بنت عمران ).
قال أبو محمد : هذا من الأحاديث التي يعترض عليها من يشنأ الحديث ، ويبغض أهله ، ويحب أن يعد من أهل النظر ، ويتحلى بالخلاف على الأثر، فقال : رويتم أن النخلة عمة ، كما رويتم أن الفأرة يهودية
ورويتم كذا ، ورويتم كذا ، وما أدري ما الذي ينكر به من هذا، ولم لا يجوز أن يجري لها هذا الاسم على التمثيل مع ما روي أنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ؟ وإنما أخبر عليه السلام عن قدمها، إن كان الحديث محفوظا ، وأعلمنا أنها خلقت مع آدم من الطين ، والعرب تذكر النخلة بالقدم ، وتصفها بالبقاء ، ومن كلامهم: إذا طال عمر الإنسان، كأنه نخلتا ثروان .
قال الشاعر، فجعلها بنات الدهر ، يريد أنهن يبقين بقاء الدهر، على المبالغة في البقاء ( من الوافر ) :
ضربن العرق في ينبوع عين طلبن معينه حتى روينا بنات الدهر لا يخشين محلا إذا لم تبق سائمة بقينا كأن فروعهن بكل ريح عذارى بالذوائب ينتصينا وقال أحيحة بن جلاح، فسمى الصغار منهن طفلا ( من المتقارب ) :
هو الظل في الصيف حق الظليـ ل والمنظر الأحسن الأجمل
فعم لعمكم نافع وطفل لطفلكم يؤمل العم الطوال ضرب بها المثل، فقال : هذه الطوال للرجال ، وهذه الصغار للأحداث نشأت معهم . وقال رجل من حنيفة، فسمى العظام منها أمهات ( من الطويل ) :
ولما أتم الطلع منها وشبهت شماريخها الكتان أخلص بالرحض كفى أمهات الحمل منها بناتها بنضد العذوق بعضهن على بعض وقال آخر ( من الطويل ):
لنا لقحة لم تغد يوما بناتها إذا بركت في منزل لم تحول لها أخوات حولها من بناتها حوادث لم تحلل ببيداء مجهل قيام حوالي فحلها وهو قائم تلقح منه وهو عنها بمعزل ترى الشارب النشوان من جلباتها إذا راح يمشي مثل مشي المخبل حدثنا ابن دريد: حدثنا السجستاني ، عن الأصمعي، قال :
لقيت أعرابيا فقلت : ممن أنت ؟ فقال : أسدي ، قلت : من أيهم ؟ قال : نمري ، قلت : من أي البلاد ؟ قال : من أهل عمان ، قلت : فأنى لك هذه الفصاحة ؟ قال : سكنا بأرض لا نسمع فيها ناجخة التيار ، أو نافحة التيار ، يعني صوت البحر ، قلت : فصف لي أرضك ، قال : سيف أفيح ، وفضل ضحضح ، وجبل صلدح ، ورمل أصبح ، قلت : فما مالك ؟ قال : النخل ، قلت : فأين أنت عن الإبل ؟ قال : إن النخل حملها غذاء ، وسعفها ضياء ، وجذعها بناء ، وكربها صلاء ، وليفها وشاء ، وخوصها وعاء ، وقروها إناء، وقال الأعشى في صفة الفرس ( من الكامل ) :
أما إذا استقبلته فكأنه جذع سما فوق النخيل مشذب وقال الجعدي في الإغريض ( من الطويل ) :
ليالي تصطاد الرجال بفاحم وأبيض كالإغريض لم يتلثم وقال آخر في الكافور ( من الطويل ) :
كأن على أسنانها عذق نخلة مدلي من الكافور غير مكمم
وقال أعرابي يصف امرأة ( من الكامل ) :
يا طيب وصلك في النساء مبين لخلائق يأبى النساء مداها بعفافة وحلاوة وتقبل أعيا النساء وإن جهدن سواها فكأن طيبة نخلة في جدول عذبت مغارسها فطاب جناها وقال الربيع بن أبي الحقيق فشبه الليف بحواشي البرود ( من الطويل ) :
ربت في كثيب ذي أباريق عذبة عواقبها في الماء ورد شوارع لها سعف جعد وليف كأنه حواشي برود حاكهن الصوانع وقال أمية بن أبي الصلت يذكر الجنة ( من الكامل ):
فيها الفواكه كلها وتزخرفت بالطلع ترضي الناظرين نضيرا
آخر الجزء الثالث والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وأزواجه وسلم تسليما.
يتلوه إن شاء الله تعالى في الرابع: حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، والحمد لله حق حمده، وهو حسبنا ونعم الوكيل .