اجتمعت إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا
حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد الرقيقي ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن العزواني ، حدثنا عيسى بن يونس بإسناده نحوه ، وحدثنيه الحسن بن سهل بن النزال القرشي ، حدثنا عبد الرحمن بن المسور الزهري ، حدثنا سليمان بن داود العتكي ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن أخيه ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ( اجتمعت إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ، فقالت الأولى : زوجي لحم جمل غث ، على رأس جبل وعث ، لا سهل فيرتقى ، ولا سمين فينتقى . وقالت الثانية : زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره . وقالت الثالثة : زوجي العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق. قالت الرابعة : زوجي إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ، ولا يولج الكف ، ليعلم البث . وقالت الخامسة : زوجي عيايا ، طباقا ، كل داء له داء ، شجك ، أو فلك ، أو جمع كلا لك . قالت السادسة : زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب . وقالت السابعة : زوجي كليل تهامة ، لا حر ، ولا قر ، ولا مخافة ، ولا سآمة . قالت الثامنة : زوجي إن دخل فهد ، وإن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد
قالت التاسعة : زوجي رفيع العماد ، عظيم الرماد ، طويل النجاد ، قريب البيت من الناد. قالت العاشرة : زوجي مالك ، فما مالك ؟ مالك خير من ذلك ، له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسالك ، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك . قالت الحادية عشرة : زوجي أبو زرع ، وما أبو زرع ؟ أناس من حلي أذني ، وملأ من شحم عضدي ، وبجحني إلي نفسي فبجحت ، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق ، فعنده أقول فلا أقبح ، وأشرب فأتقمح ، وأرقد فأتصبح . أم أبي زرع ، فما أم أبي زرع ؟ عكومها رداح ، وبيتها فساح . ابن أبي زرع ، وما ابن أبي زرع ؟ مضجعه كمسل الشطبة ، ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع ، فما بنت أبي زرع ؟ طوع أبيها ، وطوع أمها ، وملء كسائها ، وغيظ جارتها . جارية أبي زرع ، وما جارية أبي زرع ؟ لا تبث حديثا تبثيثا ، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ، ولا تملأ بيتنا تعشيشا .
خرج أبو زرع والوطاب تمخض ، فمر بامرأة معها ولدان يلعبان من تحت خصرها برمانتين فطلقني ونكحها ، فتزوجت بعده رجلا سريا ، ركب شريا ، وأخذ خطيا ، وأراح علي نعما ثريا ، وقال : كلي أم زرع ، وميري أهلك ، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
قالت عائشة : فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كنت لك كأبي زرع لأم زرع) .
قال أبو محمد رحمه الله : فسر لنا هذا الحديث القرشي ، وحكاه عن حميد بن الربيع اللخمي، قال : أما قول
الأولى : زوجي لحم جمل غث ، فإنها تصف قلة خيره ، وبعد متناوله مع القلة كالشيء في قلة الجبل الصعب ، لا ينال إلا بمشقة ، والغث : المهزول . وقولها : لا ينتقى ، يعني : ليس فيه نقي ، والنقي : المخ ، تقول : نقيت العظم ونقيته إذا استخرجت النقي منه.
وقول الثانية : زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره ، فالبث : الإفشاء ، تقول : لا أفشي سره ، فالعجر : أن يتعقد العصب أو العروق حتى تراها ناتية من الجسد ، والبجر نحوها ، إلا أنها في البطن خاصة ، واحدتها بجرة .
وقد قيل : رجل أبجر ، إذا كان ناتي السرة عظيمها، حدثني أبو الطيب الناقد حدثنا نصر بن علي قال : قلت للأصمعي : ما معنى قول علي - رضي الله عنه - حين وقف على طلحة يوم الجمل وهو مقتول : أشكو إلى الله عجري وبجري ؟ فقال الأصمعي : يعني همومي وأحزاني.
وقول الثالثة : زوجي العشنق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق ، فالعشنق : الطويل، تقول : ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع ، فإن ذكرت ما فيه من العيوب طلقني ، وإن سكت تركني معلقة لا أيما ، ولا ذات بعل ، ومنه قول الله عز وجل: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ .
وقول الرابعة : زوجي كليل تهامة
لا حر ، ولا قر ، ولا مخافة، ولا سأمة ، تقول : ليس عنده أذى ، ولا مكروه ، وهذا مثل لأن الحر والقر مؤذيان إذا اشتدا ، ولا مخافة : تعني لا غائلة عنده، ولا شر فأخافه ، ولا سأمة : تقول : لا يسأمني ، أي لا يمل صحبتي ، ومنه قول الله جل وعلا: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ (41|49) أي لا يمل .
وقول الخامسة : إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ، اللف في المطعم : الإكثار منه مع التخليط من الصنوف حتى لا يبقي منه شيء ، والاشتفاف : أن يستقصي ما في الإناء ، وإنما أخذ من الشفافة ، وهي البقية تبقى في الإناء من الشراب ، فإذا شربها صاحبها قيل اشتفها وتشافها تشافا.
وقولها : لا يولج الكف ليعلم البث : أراه كان بجسدها عيب وداء تكتئب له ؛ لأن البث هو الحزن ، فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك العيب ، وليعيب فيشقق عليها ، تصفه بالكرم .
وقول السادسة : زوجي عيايا ، طباقاء ، فالعيايا من الإبل : التي لا يضرب ولا يلقح ، وكذلك هو في الرجال ، والطباقاء : العيي الأحمق الفدم، وقولها : كل داء له داء ، أي كل شيء من أدواء الناس فيه من أدوائه .
وقول السابعة : زوجي إن دخل فهد ، وإن خرج
أسد ، فإنها تصفه بكثرة النوم والغفلة في منزله على وجه المدح له ، وذلك أن الفهد يكثر النوم ، يقال : أنوم من فهد ، والذي أرادت أنه ليس يتفقد ما ذهب من ماله ، ولا يلتفت إلى معائب البيت وما فيه ، وهو كأنه ساه عن ذلك ، ومما يبين ذلك قولها : ولا يسأل عما عهد ، تعني عما كان عندي.
وقولها : إن خرج أسد ، تصفه بالشجاعة ، تقول : إذا خرج إلى الناس في مباشرة الحروب أسد ، يقال: أسد الرجل واستأسد .
وقول الثامنة : زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب، فإن فيه معنيين ، فإنها تصفه بحسن الخلق ، ولين الجانب كمس الأرنب إذا وضعت يدك على ظهرها.
وقولها : الريح ريح زرنب ، فإن فيه معنيين: يجوز أن تريد طيب روح جسده ، ويجوز أن تريد طيب الثناء في الناس ، وانتشاره فيهم كريح الزرنب ، وهو نوع من أنواع الطيب معروف ، والثنا والثناء واحد، إلا أن الثناء ممدود ، والثنا مقصور .
وقول التاسعة : زوجي رفيع العماد ، تعني عماد البيت ، وجمعه عمد ، ومنه قوله عز وجل : رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ، والعمد : العيدان التي تعمد بها البيوت، وتعني أن بيته في حسبه رفيع في قومه
وقولها : طويل النجاد : تصفه بامتداد القامة ، والنجاد : حمائل السيف ، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله ، وأما قولها : عظيم الرماد فكأنها تصفه بالجود وكثرة الضيافة ؛ لأن ناره تعظم ويكثر وقودها ، ويكون الرماد في الكثرة على قدر ذلك ، وقولها : قريب البيت من الناد : تعني أنه ينزل بين ظهراني الناس ليعلموا مكانه فينزل به الأضياف ، ولا يستبعد منهم فرارا من نزول النوائب والأضياف .
وقول العاشرة : زوجي مالك ، فما مالك ؟ مالك خير من ذلك ، له إبل قليلات المسارح ، كثيرات المبارك ، تقول : إنه لا يوجههن لسرحهن نهارا إلا قليلا ، ولكن يبركن في فنائه ، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه ليقري من ألبانها ولحومها .
وقولها : إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك ، فالمزهر : العود الذي يضرب به، فإذا سمعن صوته أيقن أنهن منحورات .
وقول الحادية عشرة : زوجي أبو زرع ، وما أبو زرع ؟ أناس من حلي أذني ، تقول : وحلاني قرطة وشنوفا تنوس بأذني ، والنوس : الحركة في كل شيء متدل .
قال أبو محمد رحمه الله : وسمعت
أبا موسى الحامض يقول : سمي الإنسان من النوس ، وهو فعلان منه . وقولها : ملأ من شحم عضدي : لم ترد العضد خاصة ، أرادت الجسد كله ، تقول : إنه سمنني بإحسانه ، وإذا سمنت العضد سمن سائر جسدها ، وقولها : وبجحني فبجحت إلي نفسي ، أي فرحني ، وقد تبجح الرجل إذا فرح .
وقولها : وجدني في أهل غنيمة بشق ، تقول : إن أهلها كانوا أصحاب غنم ، ليسوا أصحاب خيل ولا إبل ، وشق موضع .
وقولها : جعلني في أهل صهيل وأطيط ، تعني أنه ذهب بي إلى أهله ، وهم أصحاب خيل وإبل ، والصهيل: أصوات الخيل ، والأطيط: أصوات الإبل، وقولها: ودائس ، فإن بعض الناس يتأوله دياس الطعام ، وأهل الشام يسمونه الدراس ، فأرادت أنهم أصحاب زرع . وهذا أشبه بكلام العرب.
وقولها: منق فهو من تنقية الطعام إذا ديس ، وقولها : عنده أقول فلا أقبح ، وأشرب فأتقمح ، فإنها تريد : لا يقبح قولي ، ويسمع مني ، وأما قولها : أتقمح أي أروى حتى أدع الشرب من شدة الري ، وهذا من عزة الماء عندهم ، وكل رافع رأسه فهو مقامح . قال الله عز وجل :
إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ .
وقولها : عكومها رداح ، فالعكوم الأحمال والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع ، وقولها: رداح تعني عظاما كثيرة الحشو ، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الأكفال : رداح ، وقولها : كمسل الشطبة ، فإن أصلها ما شطب من جريد النخل وهو سعفه ، وذلك أنه تشقق منه قضبان فتدق ، وتنسج منه الحصر ، يقال منه للمرأة التي تفعل ذلك : شاطبة .
وقولها : يشبعه ذراع الجفرة ، فإن الجفرة الأنثى من أولاد الغنم ، والذكر جفر ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المحرم: يصيب الأرنب جفرة، والعرب تمدح الرجل بقلة المطعم والمشرب .
وقولها : لا تبث حديثا تبثيثا ، تعني لا تظهر سرنا ، وقولها : لا تنقث ميرتنا تنقيثا ، تعني الطعام لا تأخذه فتذهب به ، تصفها بالأمانة ، والتنقيث : الإسراع في السير وقولها : والوطاب تمخض ، الوطاب : أسقية اللبن ، واحدها وطب . وقولها : معها ولدان كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين ، تعني أنها ذات كفل عظيم ، فإذا استلقت نتأ الكفل
من الأرض حتى تصير تحتها فجوة تجري فيها الرمان .
وقولها : ركب شريا ، تعني فرسا يستشري في سيره ، أي يلج ويمضي فيه بلا فتور ولا انكسار ، ومن هذا قيل للرجل إذا لح في الأمر: قد شري ، واستشرى ، وقولها : أخذ خطيا : فالخطي : الرمح منسوب إلى ناحية من البحرين، يقال لها: الخط ، وأصل الرماح من الهند ، ولكنها تحمل إلى الخط ثم تفرق في البلاد ، وقولها : نعما ثريا ، تعني بالنعم الإبل ، والثري : الكثير ، يقال: ثرى بنو فلان بني فلان إذا كثروهم ، فكانوا أكثر منهم.
آخر الجزء السادس، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه، ويتلوه في السابع: حدثنا حامد بن محمد بن شعيب، حدثنا عبد الله بن عون الخراز، والحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد وآله.
الجزء السابع وهو آخر كتاب أمثال الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم
تصنيف
القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي