عَقَلَ
( عَقَلَ ) * قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ " الْعَقْلِ ، وَالْعُقُولِ ، وَالْعَاقِلَةِ " أَمَّا الْعَقْلُ : فَهُوَ الدِّيَةُ ، وَأَصْلُهُ : أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ إِذَا قَتَلَ قَتِيلًا جَمَعَ الدِّيَةَ مِنَ الْإِبِلِ فَعَقَلَهَا بِفِنَاءِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ : أَيْ شَدَّهَا فِي عُقُلِهَا ؛ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِمْ وَيَقْبِضُوهَا مِنْهُ ، فَسُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا بِالْمَصْدَرِ . يُقَالُ : عَقَلَ الْبَعِيرَ يَعْقِلُهُ عَقْلًا ، وَجَمْعُهَا عُقُولٌ . وَكَانَ أَصْلُ الدِّيَةِ الْإِبِلَ ، ثُمَّ قُوِّمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَغَيْرِهَا .
وَالْعَاقِلَةُ : هِيَ الْعَصَبَةُ وَالْأَقَارِبُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يُعْطُونَ دِيَةَ قَتِيلِ الْخَطَأِ ، وَهِيَ صِفَةُ جَمَاعَةٍ عَاقِلَةٍ ، وَأَصْلُهَا اسْمُ فَاعِلَةٍ مِنَ الْعَقْلِ ، وَهِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ . ج٣ / ص٢٧٩* وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا ، وَلَا عَبْدًا ، وَلَا صُلْحًا ، وَلَا اعْتِرَافًا ، أَيْ أَنَّ كُلَّ جِنَايَةِ عَمْدٍ فَإِنَّهَا مِنْ مَالِ الْجَانِي خَاصَّةً ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ فِي الْخَطَإِ .
وَكَذَلِكَ إِذَا اعْتَرَفَ الْجَانِي بِالْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهَا خَطَأٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا تُلْزَمُ بِهَا الْعَاقِلَةُ . وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حُرٍّ فَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَةِ مَوْلَاهُ شَيْءٌ مِنْ جِنَايَةِ عَبْدِهِ ، وَإِنَّمَا جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَجْنِيَ حُرٌّ عَلَى عَبْدٍ ، فَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي شَيْءٌ ، إِنَّمَا جِنَايَتُهُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ لَكَانَ الْكَلَامُ : " لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَلَى عَبْدٍ " وَلَمْ يَكُنْ : " لَا تَعْقِلُ عَبْدًا " وَاخْتَارَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ .
( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ كَتَبَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ كِتَابًا فِيهِ : الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَبَاعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى ، أَيْ : يَكُونُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِ الدِّيَاتِ وَإِعْطَائِهَا . وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْعَقْلِ . وَالْمَعَاقِلُ : الدِّيَاتُ ، جَمْعُ مَعْقُلَةٍ .
يُقَالُ : بَنُو فُلَانٍ عَلَى مَعَاقِلِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا : أَيْ مَرَاتِبِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " إِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ ابْنَ عَمِّي شُجَّ مُوضِحَةً ، فَقَالَ : أَمِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَمْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ؟ قَالَ : مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا لَا نَتَعَاقَلُ الْمُضَغَ بَيْنَنَا " الْمُضَغُ : جَمْعُ مُضْغَةٍ ، وَهِيَ : الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ فِي الْأَصْلِ ، فَاسْتَعَارَهَا لِلْمُوضِحَةِ وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْأَطْرَافِ كَالسِّنِّ وَالْإِصْبَعِ ، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، فَسَمَّاهَا مُضْغَةً تَصْغِيرًا لَهَا وَتَقْلِيلًا . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى لَا يَعْقِلُونَ عَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَلَا أَهْلَ الْبَادِيَةِ عَنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ .
وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ السِّنَّ وَالْإِصْبَعَ وَالْمُوضِحَةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ " الْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا " يَعْنِي أَنَّهَا تُسَاوِيهِ فِيمَا كَانَ مِنْ أَطْرَافِهَا إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ ، فَإِذَا تَجَاوَزَتِ الثُّلُثَ ، وَبَلَغَ الْعَقْلُ نِصْفَ الدِّيَةِ صَارَتْ دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ جَرِيرٍ : فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ج٣ / ص٢٨٠- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ ، إِنَّمَا أَمَرَ لَهُمْ بِالنِّصْفِ بَعْدِ عِلْمِهِ بِإِسْلَامِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَعَانُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَقَامِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْكُفَّارِ ، فَكَانُوا كَمَنْ هَلَكَ بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ وَجِنَايَةِ غَيْرِهِ ، فَتَسْقُطُ حِصَّةُ جِنَايَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ .
( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ : لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ ، أَرَادَ بِالْعِقَالِ : الْحَبْلَ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ الَّذِي كَانَ يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ ; لِأَنَّ عَلَى صَاحِبِهَا التَّسْلِيمَ . وَإِنَّمَا يَقَعُ الْقَبْضُ بِالرِّبَاطِ . وَقِيلَ : أَرَادَ مَا يُسَاوِي عِقَالًا مِنْ حُقُوقِ الصَّدَقَةِ .
وَقِيلَ : إِذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ أَعْيَانَ الْإِبِلِ قِيلَ : أَخَذَ عِقَالًا ، وَإِذَا أَخَذَ أَثْمَانَهَا قِيلَ : أَخَذَ نَقْدًا . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْعِقَالِ صَدَقَةَ الْعَامِ . يُقَالُ : أَخَذَ الْمُصَدِّقُ عِقَالَ هَذَا الْعَامِ : أَيْ أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَتَهُ .
وَبُعِثَ فُلَانٌ عَلَى عِقَالِ بَنِي فُلَانٍ : إِذَا بُعِثَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ . وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَقَالَ : هُوَ أَشْبَهُ عِنْدِي بِالْمَعْنَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِ هَذَا بِالْأَقَلِّ لَا بِالْأَكْثَرِ ، وَلَيْسَ بِسَائِرٍ فِي لِسَانِهِمْ أَنَّ الْعِقَالَ صَدَقَةُ عَامٍ ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ : " لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا " وَفِي أُخْرَى : " جَدْيًا " .
قُلْتُ : قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . * فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا وَرِوَاءً ، فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ بَاعَهَا ثُمَّ تصَدَّق بِهَا " . * وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ " أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ يَأْمُرُ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ بِفَرِيضَتَيْنِ أَنْ يَأْتِيَ بِعِقَالَيْهِمَا وَقِرَانَيْهِمَا " .
* وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّدَقَةَ عَامَ الرَّمَادَةِ ، فَلَمَّا أَحْيَا النَّاسُ بَعَثَ عَامِلَهُ فَقَالَ : اعْقِلْ عَنْهُمْ عِقَالَيْنِ فَاقْسِمْ فِيهِمْ عِقَالًا وَأْتِنِي بِالْآخَرِ " يُرِيدُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ . * وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ " أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ ابْنَ أَخِيهِ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى صَدَقَاتِ كَلْبٍ ، فَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ ابْنُ الْعَدَّاءِ الْكَلْبِيُّ : ج٣ / ص٢٨١
* وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَالشُّرْبِ . وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ . وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " كُتِبَ إِلَيْهِ أَبْيَاتٌ فِي صَحِيفَةٍ ، مِنْهَا :
وَمِنَ الْأَبْيَاتِ أَيْضًا :
* وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ : وَاعْتَقَلَ خَطِّيًّا ، اعْتِقَالَ الرُّمْحِ : أَنْ يَجْعَلَهُ الرَّاكِبُ تَحْتَ فَخْذِهِ وَيَجُرَّ آخِرَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَرَاءَهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " مَنِ اعْتَقَلَ الشَّاةَ وَحَلَبَهَا وَأَكَلَ مَعَ أَهْلِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ " هُوَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَهَا بَيْنَ سَاقِهِ وَفَخْذِهِ ، ثُمَّ يَحْلِبَهَا . ج٣ / ص٢٨٢* وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ " الْمُخْتَصِّ بِعَقَائِلَ كَرَامَاتِهِ " جَمْعُ عَقِيلَةٍ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ : الْمَرْأَةُ الْكَرِيمَةُ النَّفِيسَةُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْكَرِيمِ النَّفِيسِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الذَّوَاتِ وَالْمَعَانِي .
* وَفِي حَدِيثِ الزِّبْرِقَانِ " أَحَبُّ صِبْيَانِنَا إِلَيْنَا الْأَبْلَهُ الْعَقُولُ " هُوَ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ الْحُمْقُ ، فَإِذَا فُتِّشَ وُجِدَ عَاقِلًا . وَالْعَقُولُ : فَعُولٌ مِنْهُ لِلْمُبَالَغَةِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " تِلْكَ عُقُولٌ كَادَهَا بَارِئُهَا " أَيْ : أَرَادَهَا بِسُوءٍ .
( س ) وَفِيهِ إِنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَسٌ يُسَمَّى ذَا الْعُقَّالِ ، الْعُقَّالُ بِالتَّشْدِيدِ : دَاءٌ فِي رِجْلَيِ الدَّوَابِّ ، وَقَدْ يُخَفَّفُ ، سُمِّيَ بِهِ لِدَفْعِ عَيْنِ السُّوءِ عَنْهُ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَذُو عُقَّالٍ اسْمُ فَرَسٍ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ : ثُمَّ يَأْتِي الْخِصْبُ فَيُعَقِّلُ الْكَرْمُ أَيْ : يُخْرِجُ الْعُقَّيْلَى وَهِيَ الْحِصْرِمُ .