بيع
[ بيع ] بيع : الْبَيْعُ : ضِدُّ الشِّرَاءِ ، وَالْبَيْعُ : الشِّرَاءُ أَيْضًا ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ . وَبِعْتُ الشَّيْءَ : شَرَيْتُهُ ، أَبِيعُهُ بَيْعًا وَمَبِيعًا ، وَهُوَ شَاذٌّ وَقِيَاسُهُ مَبَاعًا . وَالِابْتِيَاعُ : الِاشْتِرَاءُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : " لَا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : إِنَّمَا النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ : لَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِنَّمَا هُوَ لَا يَشْتَرِ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، فَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : بِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ عِنْدِي وَجْهٌ غَيْرَ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ بِسِلْعَتِهِ شَيْئًا فَيَجِيءَ مُشْتَرٍ آخَرُ فَيَزِيدَ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ : وَلَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ سِلْعَةً وَلَمَّا يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا ، فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْرِضَ رَجُلٌ آخَرُ سِلْعَةً أُخْرَى عَلَى الْمُشْتَرِي تُشْبِهُ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَى وَيَبِيعَهَا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَعَلَّ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَى أَوَّلًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَيَكُونُ الْبَائِعُ الْأَخِيرُ قَدْ أَفْسَدَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بَيْعَهُ ، ثُمَّ لَعَلَّ الْبَائِعَ يَخْتَارُ نَقْضَ الْبَيْعِ فَيَفْسُدُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُتَبَايِعِ بَيْعُهُ ، قَالَ : وَلَا أَنْهَى رَجُلًا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ وَإِنْ كَانَا تَسَاوَمَا ، وَلَا بَعْدَ أَنْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ ، عَنْ أَنْ يَبِيعَ أَيُّ الْمُتَبَايِعَيْنِ شَاءَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ فَيُنْهَى عَنْهُ ، قَالَ : وَهَذَا يُوَافِقُ حَدِيثَ : " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ فِيهِ ، وَالْبَيْعُ لَازِمٌ لَا يَفْسَدُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي سَوَاءٌ فِي الْإِثْمِ إِذَا بَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوِ اشْتَرَى عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ اسْمُ الْبَائِعِ ، مُشْتَرِيًا كَانَ أَوْ بَائِعًا ، وَكُلٌّ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : هُمَا مُتَسَاوِيَانِ قَبْلَ عَقْدِ الشِّرَاءِ ، فَإِذَا عَقَدَا الْبَيْعَ فَهُمَا مُتَبَايِعَانِ وَلَا يُسَمَّيَانِ بَيِّعَيْنِ وَلَا مُتَبَايِعَيْنِ وَهُمَا فِي السَّوْمِ قَبْلَ الْعَقْدِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ مَنْ يَحْتَجُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَذَوِيِهِ ج٢ / ص١٩٤وَقَوْلِهِمْ : لَا خِيَارَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ مُتَبَايِعَيْنِ وَهُمَا مُتَسَاوِمَانِ قَبْلَ عَقْدِهِمَا الْبَيْعَ ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّمَّاخِ فِي رَجُلٍ بَاعَ قَوْسًا :
الثَّانِي : أَنْ يُرَغِّبَ الْمُشْتَرِي فِي الْفَسْخِ بِعَرْضِ سِلْعَةٍ أَجْوَدَ مِنْهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا أَوْ مِثْلِهَا بِدُونِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي النَّهْيِ ، وَسَوَاءٌ كَانَا قَدْ تَعَاقَدَا عَلَى الْمَبِيعِ أَوْ تَسَاوَمَا وَقَارَبَا الِانْعِقَادَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْدُ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْبَيْعُ بِمَعْنَى الشِّرَاءِ ، تَقُولُ : بِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ . وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ :
وَالشَّيْءُ مَبِيعٌ وَمَبْيُوعٌ مِثْلُ مَخِيطٍ وَمَخْيُوطٍ عَلَى النَّقْصِ وَالْإِتْمَامِ ، قَالَ الْخَلِيلُ : الَّذِي حُذِفَ مِنْ مَبِيعٍ وَاوُ مَفْعُولٍ ; لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَهِيَ أَوْلَى بِالْحَذْفِ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْمَحْذُوفَةُ عَيْنُ الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَكَّنُوا الْيَاءَ أَلْقَوْا حَرَكَتَهَا عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي قَبْلَهَا فَانْضَمَّتْ ، ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنَ الضَّمَّةِ كَسْرَةً لِلْيَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ وَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً كَمَا انْقَلَبَتْ وَاوُ مِيزَانَ لِلْكَسْرَةِ ، قَالَ الْمَازِنِيُّ : كِلَا الْقَوْلَيْنِ حُسْنٌ وَقَوْلُ الْأَخْفَشِ أَقْيَسُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْبَيْعُ مِنْ حُرُوفِ الْأَضْدَادِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
يُقَالُ : بَاعَ فُلَانٌ إِذَا اشْتَرَى وَبَاعَ مِنْ غَيْرِهِ ; وَأَنْشَدَ قَوْلَ طَرَفَةَ :
وَتَقُولُ : بِيعَ الشَّيْءُ ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، إِنْ شِئْتَ كَسَرْتَ الْبَاءَ ، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُ الْيَاءَ وَاوًا فَيَقُولُ : بُوعَ الشَّيْءُ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كِيلَ وَقِيلَ وَأَشْبَاهِهَا ، وَقَدْ بَاعَهُ الشَّيْءَ وَبَاعَهُ مِنْهُ بَيْعًا فِيهِمَا ; قَالَ :
وَبَايَعَهُ مُبَايَعَةً وَبِيَاعًا : عَارَضَهُ بِالْبَيْعِ ، قَالَ جُنَادَةُ بْنُ عَامِرٍ :
وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَحَسَنُ الْبِيْعَةِ مِنَ الْبَيْعِ مِثْلُ الْجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّهُ كَانَ يَغْدُو فَلَا يَمُرُّ بِسَقَّاطٍ وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ ، الْبِيعَةُ ، بِالْكَسْرِ ، مِنَ الْبَيْعِ : الْحَالَةُ كَالرِّكْبَةِ وَالْقِعْدَةُ . وَالْبَيِّعَانِ : الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي ، وَجَمْعُهُ بَاعَةٌ عِنْدَ كُرَاعٍ ، وَنَظِيرُهُ عَيِّلٌ وَعَالَةٌ وَسَيِّدٌ وَسَادَةٌ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ فَاعِلٍ ، فَأَمَّا فَيْعِلُ فَجَمْعُهُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ ، وَكُلٌّ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بَائِعٌ وَبَيِّعٌ .
وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ : " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " . وَالْبَيْعُ : اسْمُ الْمَبِيعِ ، قَالَ صَخْرٌ الْغَيُّ :
وَالْبِيَاعَاتُ : الْأَشْيَاءُ الَّتِي يُتَبَايَعُ بِهَا فِي التِّجَارَةِ . وَرَجُلٌ بَيُوعٌ : جَيِّدُ الْبَيْعِ ، وَبَيَّاعٌ : كَثِيرُهُ ، وَبَيِّعٌ كَبَيُوعٍ ، وَالْجَمْعُ بَيِّعُونَ وَلَا يُكَسَّرُ ، وَالْأُنْثَى بَيِّعَةٌ ، وَالْجَمْعُ بَيِّعَاتٌ ، وَلَا يُكْسَرُ ، حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ ، قَالَ الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ : يُقَالُ : بَاعَ فُلَانٌ عَلَى بَيْعِ فُلَانٍ ، وَهُوَ مَثَلٌ قَدِيمٌ تَضْرِبُهُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ يُخَاصِمُ صَاحِبَهُ وَهُوَ يُرِيغُ أَنْ يُغَالِبَهُ ، فَإِذَا ظَفِرَ بِمَا حَوْلَهُ قِيلَ : بَاعَ فُلَانٌ عَلَى بَيْعِ فُلَانٍ ، وَمِثْلُهُ : شَقَّ فُلَانٌ غُبَارَ فُلَانٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُقَالُ : بَاعَ فُلَانٌ عَلَى بَيْعِكَ أَيْ : قَامَ مَقَامَكَ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَةِ ، وَيُقَالُ : مَا بَاعَ عَلَى بَيْعِكَ أَحَدٌ أَيْ : لَمْ يُسَاوِكَ أَحَدٌ ، وَتَزَوَّجَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُمَّ مِسْكِينَ بِنْتَ عَمْرٍو عَلَى أُمِّ هَاشِمٍ فَقَالَ لَهَا : مَا لَكِ أُمَّ هَاشِمٍ تُبَكِّيَنْ ؟ مِنْ قَدَرٍ حَلَّ بِكُمْ تَضِجِّينْ ؟ بَاعَتْ عَلَى بَيْعِكِ أُمُّ مِسْكِينْ مَيْمُونَةً مِنْ نِسْوَةٍ مَيَامِينْ .
وَفِي الْحَدِيثِ : نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِعَشَرَةٍ ، وَنَسِيئَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ ; فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي ج٢ / ص١٩٥أَيُّهُمَا الثَّمَنُ الَّذِي يَخْتَارُهُ لِيَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَمِنْ صُوَرِهِ أَنْ تَقُولَ : بِعْتُكَ هَذَا بِعِشْرِينَ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي ثَوْبَكَ بِعِشْرَةٍ فَلَا يَصِحَّ لِلشَّرْطِ الَّذِي فِيهِ وَلِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ بَعْضُ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ الْبَاقِي مَجْهُولًا ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ وَبَيْعٍ وَسَلَفٍ ، وَهُمَا هَذَانِ الْوَجْهَانِ . وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُزَارِعَةِ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الْأَرْضِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَيْ : كِرَائِهَا ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : " لَا تَبِيعُوهَا " أَيْ : تُكْرُوهَا . وَالْبَيْعَةُ : الصَّفْقَةُ عَلَى إِيجَابِ الْبَيْعِ وَعَلَى الْمُبَايَعَةِ وَالطَّاعَةِ .
وَالْبَيْعَةُ : الْمُبَايَعَةُ وَالطَّاعَةُ . وَقَدْ تَبَايَعُوا عَلَى الْأَمْرِ : كَقَوْلِكَ : أَصْفَقُوا عَلَيْهِ ، وَبَايَعَهُ عَلَيْهِ مُبَايَعَةً : عَاهَدَهُ . وَبَايَعْتُهُ مِنَ الْبَيْعِ وَالْبَيْعَةِ جَمِيعًا ، وَالتَّبَايُعُ مِثْلُهُ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : " أَلَا تُبَايِعُونِي عَلَى الْإِسْلَامِ ؟ " هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُعَاقَدَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْدَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَأَعْطَاهُ خَالِصَةَ نَفْسِهِ وَطَاعَتَهُ وَدَخِيلَةَ أَمْرِهِ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . وَالْبِيعَةُ بِالْكَسْرِ : كَنِيسَةُ النَّصَارَى ، وَقِيلَ : كَنِيسَةُ الْيَهُودِ ، وَالْجَمْعُ بِيَعٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ ; قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جَعَلَ اللَّهُ هَدْمَهَا مِنَ الْفَسَادِ وَجَعْلَهَا كَالْمَسَاجِدِ وَقَدْ جَاءَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِنَسْخِ شَرِيعَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبِيَعَ وَالصَّوَامِعَ كَانَتْ مُتَعَبَّدَاتٌ لَهُمْ إِذْ كَانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ غَيْرِ مُبَدِّلِينَ وَلَا مُغَيِّرِينَ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ لَوْلَا دَفْعُهُ النَّاسَ عَنِ الْفَسَادِ بِبَعْضِ النَّاسِ لَهُدِّمَتْ مُتَعَبَّدَاتُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ وَطَاعَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْبِيَعِ عَلَى الْمَسَاجِدِ ; لِأَنَّ صَلَوَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأُمَمِهِمْ كَانَتْ فِيهَا قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَقَبْلَ تَبْدِيلِ مَنْ بَدَّلَ ، وَأُحْدِثَتِ الْمَسَاجِدُ وَسُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ بَعْدَهُمْ فَبَدَأَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِذِكْرِ الْأَقْدَمِ وَأَخَّرَ ذِكْرَ الْأَحْدَثِ لِهَذَا الْمَعْنَى . وَنُبَايِعُ ، بِغَيْرِ هَمْزٍ : مَوْضِعٌ ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ : وَكَأَنَّهَا بِالْجِزْعِ جِزْعِ نُبَايِعٍ وَأُولَاتِ ذِي الْعَرْجَاءِ نَهْبٌ مُجْمَعُ .
قَالَ ابْنُ جِنِّي : هُوَ فِعْلٌ مَنْقُولٌ وَزْنُهُ نُفَاعِلُ كنُضَارِبُ وَنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ سُمِّيَ بِهِ مُجَرَّدًا مِنْ ضَمِيرِهِ ، فَلِذَلِكَ أُعْرِبُ وَلَمْ يُحْكَ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ ضَمِيرُهُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ حِكَايَتُهُ إِنْ كَانَ جُمْلَةً كَذَرَّى حَبًّا وَتَأَبَّطَ شَرًّا ، فَكَانَ ذَلِكَ يَكْسِرُ وَزْنَ الْبَيْتِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْهُ حَذْفُ سَاكِنِ الْوَتَدِ فَتَصِيرُ مُتَفَاعِلُنْ إِلَى مُتَفَاعِلُ ، وَهَذَا لَا يُجِيزُهُ أَحَدٌ ، فَإِنْ قُلْتَ : فَهَلَّا نَوَّنْتَهُ كَمَا تُنَوِّنُ فِي الشِّعْرِ الْفِعْلَ نَحْوَ قَوْلِهِ :