[ دنا ] دنا : دَنَا الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ دُنُوًّا وَدَنَاوَةً : قَرُبَ . وَفِي حَدِيثِ الْإِيمَانِ : ادْنُهْ ; هُوَ أَمْرٌ بِالدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلسَّكْتِ ، وَجِيءَ بِهَا لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ وَبَيْنَهُمَا دَنَاوَةٌ أَيْ قَرَابَةٌ . وَالدَّنَاوَةُ : الْقَرَابَةُ وَالْقُرْبَى .
وَيُقَالُ : مَا تَزْدَادُ مِنَّا إِلَّا قُرْبًا وَدَنَاوَةً ; فَرْقٌ بَيْنَ مَصْدَرِ دَنَا وَمَصْدَرِ دَنُؤَ ، فَجُعِلَ مَصْدَرُ دَنَا دَنَاوَةً وَمَصْدَرُ دَنُؤَ دَنَاءَةً ; وَقَوْلُ سَاعِدَةَ بْنِ جُؤَيَّةَ يَصِفُ جَبَلًا :
إِذَا سَبَلُ الْعَمَاءِ دَنَا عَلَيْهِ يَزِلُّ بِرَيْدِهِ مَاءٌ زَلُولٌ
أَرَادَ : دَنَا مِنْهُ . وَأَدْنَيْتُهُ وَدَنَّيْتُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ :
إِذَا أَكَلْتُمْ فَسَمُّوا اللَّهَ وَدَنُّوا وَسَمِّتُوا ; مَعْنَى قَوْلِهِ : دَنُّوا كُلُوا مِمَّا يَلِيكُمْ وَمَا دَنَا مِنْكُمْ وَقَرُبَ مِنْكُمْ ، وَسَمِّتُوا أَيِ ادْعُوَا لِلْمُطْعِمِ بِالْبَرَكَةِ ، وَدَنُّوا : فِعْلٌ مَنْ دَنَا يَدْنُو أَيْ كُلُوا مِمَّا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ .
وَاسْتَدْنَاهُ : طَلَبَ مِنْهُ الدُّنُوَّ ، وَدَنَوْتُ مِنْهُ دُنُوًّا وَأَدْنَيْتُ غَيْرِي . وَقَالَ اللَّيْثُ : الدُّنُوُّ غَيْرُ مَهْمُوزٍ مَصْدَرُ دَنَا يَدْنُو فَهُوَ دَانٍ ، وَسُمِّيَتِ الدُّنْيَا لِدُنُوِّهَا ، وَلِأَنَّهَا دَنَتْ وَتَأَخَّرَتِ الْآخِرَةُ ، وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ الدُّنْيَا هِيَ الْقُرْبَى إِلَيْنَا ، وَالنِّسْبَةُ إِلَى الدُّنْيَا دُنْيَاوِيٌّ ، وَيُقَالُ دُنْيَوِيٌّ وَدُنْيِيٌّ ; غَيْرُهُ : وَالنِّسْبَةُ إِلَى الدُّنْيَا دُنْيَاوِيٌّ ; قَالَ : وَكَذَلِكَ النِّسْبَةُ إِلَى كُلِّ مَا مُؤَنَّث نَحْوَ حُبْلَى وَدَهْنَا وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ; وَأَنْشَدَ :
بِوَعْسَاءَ دَهْنَاوِيَّةِ التُّرْبِ طَيِّبِ
ابْنُ سِيدَهْ : وَقَوْلُهُ تَعَالَى :
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ﴾; إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ كَأَنَّهُ قَالَ : وَجَزَاهُمْ جَنَّةً دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ، فَحَذَفَ جَنَّةً وَأَقَامَ دَانِيَةً مَقَامَهَا ; وَمِثْلُهُ مَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ :
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ
أَرَادَ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ . وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ : دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ، مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ :
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ﴾; قَالَ : هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي لَا ضَرُورَةَ فِيهِ ; قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ :
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشِ
الْبَيْتُ ، فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَلَوْ جَازَ لَنَا أَنْ نَجِدَ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاضِعِ اسْمًا لَجَعَلْنَاهَا اسْمًا ، وَلَمْ نَحْمِلِ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ الصِّفَةِ مَقَامَهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الضَّرُورَةِ ، وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ ; فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى :
أَتَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفُتُلُ
فَلَوْ حَمَلْتَهُ عَلَى إِقَامَةِ الصِّفَةِ مَوْضِعَ الْمَوْصُوفِ لَكَانَ أَقْبَحَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى :
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ﴾; عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ ؛ لِأَنَّ الْكَافَ فِي بَيْتِ الْأَعْشَى هِيَ الْفَاعِلَةُ فِي الْمَعْنَى ، وَدَانِيَةً فِي هَذَا الْقَوْلِ إِنَّمَا هِيَ مَفْعُولٌ بِهَا ، وَالْمَفْعُولُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا غَيْرَ صَرِيحٍ ، نَحْوَ ظَنَنْتُ زَيْدًا يَقُومُ ، وَالْفَاعِلُ لَا يَكُونُ إِلَّا اسْمًا صَرِيحًا مَحْضًا ، فَهُمْ عَلَى إِمْحَاضِهِ اسْمًا أَشَدُّ مُحَافَظَةً مِنْ جَمِيعِ الْأَسْمَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ قَدْ يَقَعُ غَيْرَ اسْمٍ مَحْضٍ وَهُوَ قَوْلُهُ : تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ ؟ فَتَسْمَعُ كَمَا تَرَى فِعْلٌ وَتَقْدِيرُهُ أَنْ تَسْمَعَ ، فَحَذْفُهُمْ أَنْ وَرَفْعُهُمْ تَسْمَعُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ غَيْرَ اسْمٍ صَرِيحٍ ، وَإِذَا جَازَ هَذَا فِي الْمُبْتَدَأِ عَلَى قُوَّةِ شَبَهِهِ بِالْفَاعِلِ فَهُوَ فِي الْمَفْعُولِ الَّذِي يَبْعُدُ عَنْهُمَا أَجْوَزُ ; فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ارْتَفَعَ الْفِعْلُ فِي قَوْلِ طَرَفَةَ :
أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ ، هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي ؟
عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ أَحْضُرَ الْوَغَى .
وَأَجَازَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ : مُرْهُ يَحْفِرُهَا ، أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلَى قَوْلِهِ : أَنْ يَحْفِرَهَا ، فَلَمَّا حُذِفَتْ " أَنِ " ارْتَفَعَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا ، وَقَدْ حَمَلَهُمْ كَثْرَةُ حَذْفِ أَنْ مَعَ غَيْرِ الْفَاعِلِ عَلَى أَنِ اسْتَجَازُوا ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى الْفَاعِلِ وَقَائِمًا مَقَامَهُ ; وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ جَمِيلٍ :
جَزِعْتُ حِذَارَ الْبَيْنِ ، يَوْمَ تَحَمَّلُوا وَحُقَّ لِمِثْلِي ، يَا بُثَيْنَةُ ، يَجْزَعُ
أَرَادَ أَنْ يَجْزَعَ ، عَلَى أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ شَاذٌّ ، عَلَى أَنَّ حَذْفَ " أَنْ " قَدْ كَثُرَ فِي الْكَلَامِ حَتَّى صَارَ كِلَا حَذْفٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ جَمَاعَةً اسْتَخَفُّوا نَصْبَ أَعْبُدَ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ :
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ ، ﴾فَلَوْلَا أَنَّهُمْ أَنِسُوا بِحَذْفِ أَنْ مِنَ الْكَلَامِ وَإِرَادَتِهَا لَمَا اسْتَخَفُّوا انْتِصَابَ أَعْبُدَ . وَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ وَأَدْنَتْ ، وَأَدْنَتِ النَّاقَةُ إِذَا دَنَا نِتَاجُهَا .
ج٥ / ص٣١١وَالدُّنْيَا : نَقِيضُ الْآخِرَةِ ، انْقَلَبَتِ الْوَاوُ فِيهَا يَاءً لِأَنَّ فُعْلَى إِذَا كَانَتِ اسْمًا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ أُبْدِلَتْ وَاوُهَا يَاءً ، كَمَا أُبْدِلَتِ الْوَاوُ مَكَانَ الْيَاءِ فِي فُعْلَى ، فَأَدْخَلُوهَا عَلَيْهَا فِي فُعْلَى لِيَتَكَافَآ فِي التَّغْيِيرِ ; قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ ، قَالَ : وَزِدْتُهُ أَنَا بَيَانًا .
وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : مَا لَهُ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ ، فَنَوَّنَ دُنْيَا تَشْبِيهًا لَهَا بِفُعْلَلٍ ، قَالَ : وَالْأَصْلُ أَنْ لَا تُصْرَفَ لِأَنَّهَا فُعْلَى ، وَالْجَمْعُ دَنَا مِثْلُ الْكُبْرَى وَالْكُبَرُ وَالصُّغْرَى وَالصُّغَرُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالْأَصْلُ دُنَوٌ ، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ ; قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : صَوَابُهُ : فَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، وَهُمَا الْأَلِفُ وَالتَّنْوِينُ . وَفِي حَدِيثِ الْحَجِّ : الْجَمْرَةُ الدُّنْيَا ; أَيِ الْقَرِيبَةُ إِلَى مِنًى ، وَهِيَ فُعْلَى مِنَ الدُّنُوِّ . وَالدُّنْيَا أَيْضًا : اسْمٌ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ لِبُعْدِ الْآخِرَةِ عَنْهَا ، وَالسَّمَاءُ الدُّنْيَا لِقُرْبِهَا مِنْ سَاكِنِي الْأَرْضِ .
وَيُقَالُ : سَمَاءُ الدُّنْيَا ، عَلَى الْإِضَافَةِ . وَفِي حَدِيثِ حَبْسِ الشَّمْسِ : فَادَّنَى بِالْقَرْيَةِ ; هَكَذَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ ، وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ الدُّنُوِّ ، وَأَصْلُهُ ادْتَنَى فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ . وَقَالُوا : هُوَ ابْنُ عَمِّي دِنْيَةً ، وَدِنْيًا ، مُنَوَّنٌ ، وَدِنْيَا غَيْرُ مُنَوَّنٍ ، وَدُنْيَا مَقْصُورٌ إِذَا كَانَ ابْنَ عَمِّهِ لَحًّا ; قَالَ اللِّحْيَانِيُّ : وَتُقَالُ هَذِهِ الْحُرُوفُ أَيْضًا فِي ابْنِ الْخَالِ وَالْخَالَةِ ، وَتُقَالُ فِي ابْنِ الْعَمَّةِ أَيْضًا .
قَالَ : وَقَالَ أَبُو صَفْوَانَ : هُوَ ابْنُ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ دِنْيَا ، مِثْلَ مَا قِيلَ فِي ابْنِ الْعَمِّ وَابْنِ الْخَالِ ، وَإِنَّمَا انْقَلَبَتِ الْوَاوُ فِي دِنْيَةً وَدِنْيًا يَاءً لِمُجَاوَرَةِ الْكَسْرَةِ وَضَعْفِ الْحَاجِزِ ، وَنَظِيرُهُ فِتْيَةٌ وَعِلْيَةٌ ، وَكَأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ دُنْيَا أَيْ رَحِمًا أَدْنَى إِلَيَّ مِنْ غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا قَلَبُوا لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَاءُ تَأْنِيثِ الْأَدْنَى ، وَدِنْيَا دَاخِلَةٌ عَلَيْهَا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ ابْنُ عَمٍّ دِنْيٍ وَدُنْيَا وَدِنْيَا وَدِنْيَةٍ . التَّهْذِيبُ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَمٍّ دِنْيٍ وَدِنْيَةٍ وَدِنْيَا وَدُنْيَا ، وَإِذَا قُلْتَ : دُنْيَا ، إِذَا ضَمَمْتَ الدَّالَ لَمْ يَجُزِ الْإِجْرَاءُ ، وَإِذَا كَسَرْتَ الدَّالَ جَازَ الْإِجْرَاءُ وَتَرْكُ الْإِجْرَاءِ ، فَإِذَا أَضَفْتَ الْعَمَّ إِلَى مَعْرِفَةٍ لَمْ يَجُزِ الْخَفْضُ فِي دِنْيٍ ، كَقَوْلِكَ : ابْنُ عَمِّكَ دِنْيٌ وَدِنْيَةٌ وَابْنُ عَمِّكَ دِنْيَا لِأَنَّ دِنْيَا نَكِرَةٌ ، وَلَا يَكُونُ نَعْتًا لِمَعْرِفَةٍ .
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : وَالدُّنَا مَا قَرُبَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . وَيُقَالُ : دَنَا وَأَدْنَى وَدَنَّى إِذَا قَرُبَ ، قَالَ : وَأَدْنَى إِذَا عَاشَ عَيْشًا ضَيِّقًا بَعْدَ سَعَةٍ . وَالْأَدْنَى : السَّفِلُ .
أَبُو زَيْدٍ : مِنْ أَمْثَالِهِمْ كُلُّ دَنِيٍّ دُونَهُ دَنِيٌّ ، يَقُولُ : كُلُّ قَرِيبٍ وَكُلُّ خُلْصَانٍ دُونَهُ خُلْصَانٌ . الْجَوْهَرِيُّ : وَالدَّنِيُّ الْقَرِيبُ ، غَيْرُ مَهْمُوزٍ . وَقَوْلُهُمْ : لَقِيتُهُ أَدْنَى دَنِيٍّ أَيْ أَوَّلَ شَيْءٍ ، وَأَمَّا الدَّنِيءُ بِمَعْنَى الدُّونِ فَمَهْمُوزٌ .
وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : قَالَ الْهَرَوِيُّ الدَّنِيُّ الْخَسِيسُ ، بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى ﴾; أَيِ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ ، قَالَ : وَيُقَوِّي قَوْلَهُ كَوْنُ فِعْلِهِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَهُوَ دَنِيَ يَدْنِى دَنًا وَدَنَايَةً ، فَهُوَ دَنِيٌّ . الْأَزْهَرِيُّ فِي قَوْلِهِ : ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى ﴾; قَالَ الْفَرَّاءُ : هُوَ مِنَ الدَّنَاءَةِ ; وَالْعَرَبُ تَقُولُ : إِنَّهُ لَدَنِيٌّ يُدَنِّي فِي الْأُمُورِ تَدْنِيَةً ، غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، يَتْبَعُ خَسِيسَهَا وَأَصَاغِرَهَا ، وَكَانَ زُهَيْرٌ الْفُرْقُبِيُّ يَهْمِزُ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى ، قَالَ الْفَرَّاءُ : وَلَمْ نَرَ الْعَرَبَ تَهْمِزُ أَدْنَى إِذَا كَانَ مِنَ الْخِسَّةِ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَدَانِئٌ خَبِيثٌ ، فَيَهْمِزُونَ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى ﴾، غَيْرَ مَهْمُوزٍ : أَيْ أَقْرَبُ ، وَمَعْنَى أَقْرَبُ أَقَلُّ قِيمَةً كَمَا تَقُولُ ثَوْبٌ مُقَارِبٌ ، فَأَمَّا الْخَسِيسُ فَاللُّغَةُ فِيهِ دَنُؤَ دَنَاءَةً ، وَهُوَ دَنِيءٌ بِالْهَمْزِ ، وَهُوَ أَدْنَأُ مِنْهُ .
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَهْمِزُونَ دَنُوَ فِي بَابِ الْخِسَّةِ ، وَإِنَّمَا يَهْمِزُونَهُ فِي بَابِ الْمُجُونِ وَالْخُبْثِ . قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ : رَجُلٌ دَنِيءٌ مِنْ قَوْمٍ أَدْنِيَاءَ ، وَقَدْ دَنُؤَ دَنَاءَةً ، وَهُوَ الْخَبِيثُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ . وَرَجُلٌ دَنِيٌّ مِنْ قَوْمٍ أَدْنِيَاءَ ، وَقَدْ دَنِيَ يَدْنَى وَدَنُوَ يَدْنُو دُنُوًّا : وَهُوَ الضَّعِيفُ الْخَسِيسُ الَّذِي لَا غَنَاءَ عِنْدَهُ الْمُقَصِّرُ فِي كُلِّ مَا أَخَذَ فِيهِ ; وَأَنْشَدَ :
فَلَا وَأَبِيكِ ! مَا خُلُقِي بِوَعْرٍ وَلَا أَنَا بِالدَّنِيِّ وَلَا الْمُدَنِّي
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ : الْمُدَنِّي الْمُقَصِّرُ عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ; وَأَنْشَدَ :
يَا مَنْ لِقَوْمٍ رَأَيُهُمْ خَلْفٌ مُدَنْ
أَرَادَ مُدَنِّي فَقَيَّدَ الْقَافِيَةَ .
إِنْ يَسْمَعُوا عَوْرَاءَ أَصْغَوْا فِي أَذَنْ
وَيُقَالُ لِلْخَسِيسِ : إِنَّهُ لَدَنِيٌّ مِنْ أَدْنِيَاءَ ، بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَمَا كَانَ دَنِيًّا وَلَقَدْ دَنِيَ يَدْنَى دَنًى وَدَنَايَةً . وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا طَلَبَ أَمْرًا خَسِيسًا : قَدْ دَنَّى يُدَنِّي تَدْنِيَةً . وَفِي حَدِيثِ
الْحُدَيْبِيَةِ :
عَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ; أَيِ الْخَصْلَةَ الْمَذْمُومَةَ ; قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْأَصْلُ فِيهِ الْهَمْزُ ، وَقَدْ يُخَفَّفُ ، وَهُوَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ أَيْضًا بِمَعْنَى الضَّعِيفِ الْخَسِيسِ .
وَتَدَنَّى فُلَانٌ أَيْ دَنَا قَلِيلًا . وَتَدَانَوْا أَيْ دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ﴾; قَالَ الزَّجَّاجُ : كُلُّ مَا يُعَذَّبُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الْعَذَابُ الْأَدْنَى ، وَالْعَذَابُ الْأَكْبَرُ عَذَابُ الْآخِرَةِ .
وَدَانَيْتُ الْأَمْرَ : قَارَبْتُهُ . وَدَانَيْتُ بَيْنَهُمَا : جَمَعْتُ . وَدَانَيْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ : قَرَّبْتُ بَيْنَهُمَا .
وَدَانَيْتُ الْقَيْدَ فِي الْبَعِيرِ أَوْ لِلْبَعِيرِ : ضَيَّقْتُهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ دَانَى الْقَيْدُ قَيْنَيِ الْبَعِيرِ ; قَالَ ذُو الرُّمَّةِ :
دَانَى لَهُ الْقَيْدُ ، فِي دَيْمُومَةٍ قُذُفٍ قَيْنَيْهِ ، وَانْحَسَرَتْ عَنْهُ الْأَنَاعِيمُ
وَقَوْلُهُ :
مَا لِي أَرَاهُ دَانِفًا قَدْ دُنْيَ لَهْ
إِنَّمَا أَرَادَ قَدْ دُنِيَ لَهُ . قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَهُوَ مِنَ الْوَاوِ مِنْ دَنَوْتُ ، وَلَكِنَّ الْوَاوَ قُلِبَتْ يَاءً مَنْ دُنِيَ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا ، ثُمَّ أُسْكِنَتِ النُّونُ فَكَانَ يَجِبُ إِذْ زَالَتِ الْكَسْرَةُ ، أَنْ تَعُودَ الْوَاوُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِسْكَانُ النُّونِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّخْفِيفِ كَانَتِ الْكَسْرَةُ الْمَنَوِيَّةُ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ بِهَا ، وَعَلَى هَذَا قَاسَ النَّحْوِيُّونَ فَقَالُوا فِي شَقِيَ : قَدْ شَقْيَ ، فَتَرَكُوا الْوَاوَ الَّتِي هِيَ لَامٌ فِي الشِّقْوَةِ وَالشَّقَاوَةِ مَقْلُوبَةً ، وَإِنْ زَالَتْ كَسْرَةُ الْقَافِ مَنْ شَقِيَ ، بِالتَّخْفِيفِ ، لَمَّا كَانَتِ الْكَسْرَةُ مَنْوِيَّةً مُقَدَّرَةً ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا : لَقَضْوَ الرَّجُلُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْيَاءِ فِي قَضَيْتُ ، وَلَكِنَّهَا قُلِبَتْ فِي لَقَضْوَ لِانْضِمَامِ الضَّادِ قَبْلَهَا وَاوًا ، ثُمَّ أَسْكَنُوا الضَّادَ تَخْفِيفًا ، فَتَرَكُوا الْوَاوَ بِحَالِهَا وَلَمْ يَرُدُّوا إِلَى الْيَاءِ ، كَمَا تَرَكُوا الْيَاءَ فِي دُنْيَا بِحَالِهَا وَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَى الْوَاوِ ، وَمِثْلُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ رَضْيُوا ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ بِإِسْكَانِ الضَّادِ وَتَرْكِ الْوَاوِ مِنَ الرِّضْوَانِ وَمَرَّ صَرِيحًا لِهَؤُلَاءِ ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ دُنْيَ بِالتَّخْفِيفِ إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَنْشَدْنَاهُ ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ
ج٥ / ص٣١٢فِي هَذَا الشِّعْرِ الَّذِي فِيهِ هَذَا الْبَيْتُ : هَذَا الرِّجْزُ لَيْسَ بِعَتِيقٍ كَأَنَّهُ مِنْ رَجَزِ خَلَفٍ الْأَحْمَرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَوَلِّدِينَ . وَنَاقَةٌ مُدْنِيَةٌ وَمُدْنٍ : دَنَا نِتَاجُهَا ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ .
التَّهْذِيبُ : وَالْمُدَنِّي مِنَ النَّاسِ الضَّعِيفُ الَّذِي إِذَا آوَاهُ اللَّيْلُ لَمْ يَبْرَحْ ضَعْفًا وَقَدْ دَنَّى فِي مَبِيتِهِ ; وَقَالَ لَبِيدٌ :
فَيُدَنِّي فِي مَبِيتٍ وَمَحَلِّ
وَالدَّنِيُّ مِنَ الرِّجَالِ : السَّاقِطُ الضَّعِيفُ الَّذِي إِذَا آوَاهُ اللَّيْلُ لَمْ يَبْرَحْ ضَعْفًا ، وَالْجَمْعُ أَدْنِيَاءُ . وَمَا كَانَ دَنِيًّا وَلَقَدْ دَنِيَ دَنًا وَدَنَايَةً وَدِنَايَةً ، الْيَاءُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْوَاوِ لِقُرْبِ الْكَسْرَةِ ; كُلُّ ذَلِكَ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ . وَتَدَانَتْ إِبِلُ الرَّجُلِ : قَلَّتْ وَضَعُفَتْ ; قَالَ ذُو الرُّمَّةِ :
تَبَاعَدَتْ مِنِّي أَنْ رَأَيْتَ حَمُولَتِي تَدَانَتْ ، وَأَنْ أَحْنَى عَلَيْكَ قَطِيعٌ
وَدَنَّى فُلَانٌ : طَلَبَ أَمْرًا خَسِيسًا ، عَنْهُ أَيْضًا .
وَالدَّنَا : أَرْضٌ لِكَلْبٍ ; قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ :
مِنْ أَخْدَرِيَّاتِ الدَّنَا الْتَفَعَتْ لَهُ بُهْمَى الرِّفَاغِ ، وَلَجَّ فِي إِحْنَاقِ
الْجَوْهَرِيُّ :
وَالدَّنَا مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ ; قَالَ :
فَأَمْوَاهُ الدَّنَا فَعُوَيْرِضَاتٌ دَوَارِسُ بَعْدَ أَحْيَاءٍ حِلَالِ
وَالْأَدْنَيَانِ : وَادِيَانِ . وَدَانِيَا : نَبِيٌّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ :
دَانْيَالُ .