سبح
[ سبح ] سبح : السَّبْحُ وَالسِّبَاحَةُ : الْعَوْمُ . سَبَحَ بِالنَّهْرِ وَفِيهِ يَسْبَحُ سَبْحًا وَسِبَاحَةً ، وَرَجُلٌ سَابِحٌ وَسَبُوحٌ مِنْ قَوْمٍ سُبَحَاءَ ، وَسَبَّاحٌ مِنْ قَوْمٍ سَبَّاحِينَ ؛ وَأَمَّا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : فَجَعَلَ السُّبَحَاءَ جَمْعَ سَابِحٍ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
وَالْمُوَاشِكَةُ : الْجَادَّةُ فِي سَيْرِهَا وَالْخَبُوبُ مِنَ الْخَبَبِ فِي السَّيْرِ ؛ جَعَلَ النَّاقَةَ مِثْلَ السَّفِينَةِ حِينَ جَعَلَ السَّرَابَ كَالْمَاءِ . وَأَسْبَحَ الرَّجُلَ فِي الْمَاءِ : عَوَّمَهُ ؛ قَالَ أُمَيَّةُ :
وَالسَّوَابِحُ : الْخَيْلُ لِأَنَّهَا تَسْبَحُ وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَةٌ . وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى فَرَسٍ ، يُقَالُ لَهُ سَبْحَةُ ؛ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ سَابِحٌ إِذَا كَانَ حَسَنَ مَدِّ الْيَدَيْنِ فِي الْجَرْيِ ؛ وَقَوْلُهُ أَنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ :
وَالسَّبْحُ : الْفَرَاغُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ؛ إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ فَرَاغًا طَوِيلًا ، وَتَصَرُّفًا ، وَقَالَ اللَّيْثُ : مَعْنَاهُ فَرَاغًا لِلنَّوْمِ ؛ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مُنْقَلَبًا طَوِيلًا وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ : هُوَ الْفَرَاغُ وَالْجَيْئَةُ وَالذَّهَابُ ؛ قَالَ أَبُو الدُّقَيْشِ : وَيَكُونُ السَّبْحُ أَيْضًا فَرَاغًا بِاللَّيْلِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يَقُولُ لَكَ فِي النَّهَارِ مَا تَقْضِي حَوَائِجَكَ ؛ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : مَنْ قَرَأَ سَبْخًا فَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنَ السَّبْحِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : مَنْ قَرَأَ سَبْحًا فَمَعْنَاهُ اضْطِرَابًا وَمَعَاشًا ، وَمَنْ قَرَأَ سَبْخًا ، أَرَادَ رَاحَةً وَتَخْفِيفًا لِلْأَبْدَانِ . قَالَ ابْنُ الْفَرَجِ : سَمِعْتُ أَبَا الْجَهْمِ الْجَعْفَرِيَّ يَقُولُ : سَبَحْتُ فِي الْأَرْضِ وَسَبَخْتُ فِيهَا إِذَا تَبَاعَدْتَ فِيهَا ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ؛ أَيْ يَجْرُونَ ، وَلَمْ يَقُلْ تَسْبَحُ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِلُ ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ؛ هِيَ النُّجُومُ تَسْبَحُ فِي الْفَلَكِ ، أَيْ تَذْهَبُ فِيهَا بَسْطًا كَمَا يَسْبَحُ السَّابِحُ فِي الْمَاءِ سَبْحًا ، وَكَذَلِكَ السَّابِحُ مِنَ الْخَيْلِ يَمُدُّ يَدَيْهِ فِي الْجَرْيِ سَبْحًا ؛ وَقَالَ الْأَعْشَى :
وَسَبَحَ الْيَرْبُوعُ فِي الْأَرْضِ إِذَا حَفَرَ فِيهَا ، وسَبَحَ فِي الْكَلَامِ إِذَا أَكْثَرَ فِيهِ . وَالتَّسْبِيحُ : التَّنْزِيهُ . وَسُبْحَانَ اللَّهِ : مَعْنَاهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنَ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ ، وَقِيلَ : تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوصَفَ ، قَالَ : وَنَصْبُهُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ فِعْلٍ عَلَى مَعْنَى تَسْبِيحًا لَهُ ، تَقُولُ : سَبَّحْتُ اللَّهَ تَسْبِيحًا لَهُ أَيْ نَزَّهْتُهُ تَنْزِيهًا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ؛ قَالَ : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ؛ الْمَعْنَى أُسَبِّحُ اللَّهَ تَسْبِيحًا .
قَالَ : وَسُبْحَانَ فِي اللُّغَةِ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ السُّوءِ ؛ قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا فَسَّرَ لِي سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ : أَمَا تَرَى الْفَرَسَ يَسْبَحُ فِي سُرْعَتِهِ ؟ وَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ السُّرْعَةُ إِلَيْهِ وَالْخِفَّةُ فِي طَاعَتِهِ ، وَجِمَاعُ مَعْنَاهُ بُعْدُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ شَرِيكٌ أَوْ نِدٌّ أَوْ ضِدٌّ ، قَالَ سِيبَوَيْهِ زَعَمَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ كَقَوْلِكَ بَرَاءَةَ اللَّهِ أَيْ أُبَرِّئُ اللَّهَ مِنَ السُّوءِ بَرَاءَةً ؛ وَقِيلَ : قَوْلُهُ سُبْحَانَكَ أَيْ أُنَزِّهُكَ يَا رَبِّ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَأُبَرِّئُكَ . وَرَوَى الْأَزْهَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّا سَأَلَ عَلِيًّا ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، عَنْ سُبْحَانَ اللَّهِ : فَقَالَ : كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ فَأَوْصَى بِهَا . وَالْعَرَبُ تَقُولُ سُبْحَانَ مِنْ كَذَا إِذَا تَعَجَّبَتْ مِنْهُ وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْأَعْشَى فِي مَعْنَى الْبَرَاءَةِ أَيْضًا :
وَمَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ أَيْضًا الْعَجَبُ مِنْهُ إِذْ يَفْخَرُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُنَوَّنْ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَفِيهِ شَبَهُ التَّأْنِيثِ ؛ وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : إِنَّمَا امْتَنَعَ صَرْفُهُ لِلتَّعْرِيفِ وَزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ ، وَتَعْرِيفُهُ كَوْنُهُ اسْمًا عَلَمًا لِلْبَرَاءَةِ كَمَا أَنَّ نَزَالِ اسْمُ عَلَمٍ لِلنُّزُولِ ، وَشَتَّانَ اسْمُ عَلَمٍ لِلتَّفَرُّقِ ؛ قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ سُبْحَانَ مُنَوَّنَةً نَكِرَةً ؛ قَالَ أُمَيَّةُ :
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : قِيلَ : إِنَّ كُلَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَإِنَّ صَرِيرَ السَّقْفِ وَصَرِيرَ الْبَابِ مِنَ التَّسْبِيحِ ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ وَحْدَهُمْ : وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ : وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَسْبِيحُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمَا اللَّهُ بِهِ أَعْلَمُ لَا نَفْقَهُ مِنْهُ إِلَّا مَا عُلِّمْنَاهُ ، قَالَ : وَقَالَ قَوْمٌ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أَيْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، خَالِقُهُ وَأَنَّ خَالِقَهُ حَكِيمٌ مُبَرَّأٌ مِنَ الْأَسْوَاءِ ، وَلَكِنَّكُمْ أَيُّهَا الْكُفَّارُ لَا تَفْقَهُونَ أَثَرَ الصَّنْعَةِ فِي هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذَا كَانُوا مُقِرِّينَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، فَكَيْفَ يَجْهَلُونَ الْخِلْقَةَ وَهُمْ عَارِفُونَ بِهَا ؟ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ تَسْبِيحَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ تَسْبِيحٌ تَعَبَّدَتْ بِهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجِبَالِ : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَمَعْنَى أَوِّبِي سَبِّحِي مَعَ دَاوُدَ النَّهَارَ كُلَّهُ إِلَى اللَّيْلِ ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجِبَالِ بِالتَّأْوِيبِ إِلَّا تَعَبُّدًا لَهَا ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ؛ فَسُجُودُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ عِبَادَةٌ مِنْهَا لِخَالِقِهَا لَا نَفْقَهُهَا عَنْهَا كَمَا لَا نَفَقُهُ تَسْبِيحَهَا ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ؛ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ هُبُوطَهَا مِنْ خَشْيَتِهِ وَلَمْ يُعَرِّفْنَا ذَلِكَ فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِمَا أُعْلِمْنَا وَلَا نَدَّعِي بِمَا لَا نُكَلَّفُ بِأَفْهَامِنَا مِنْ عِلْمِ فِعْلِهَا كَيْفِيَّةً نَحُدُّهَا . وَمِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : السُّبُّوحُ الْقُدُّوسُ ؛ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : السُّبُّوحُ الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَالْقُدُّوسُ الْمُبَارَكُ ، وَقِيلَ : الطَّاهِرُ ؛ وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ وَيُقَدَّسُ ، وَيُقَالُ : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ : الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فِيهَا الضَّمُّ ، قَالَ : فَإِنْ فَتَحْتَهُ فَجَائِزٌ ؛ هَذِهِ حِكَايَتُهُ . وَلَا أَدْرِي مَا هِيَ ، قَالَ سِيبَوَيْهِ : إِنَّمَا قَوْلُهُمْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ سُبْحَانَ ، لِأَنَّ سُبُّوحًا قُدُّوسًا صِفَةٌ كَأَنَّكَ قُلْتَ ذَكَرْتُ سُبُّوحًا قُدُّوسًا ، فَنَصَبْتَهُ عَلَى إِضْمَارِ الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إِظْهَارُهُ كَأَنَّهُ خَطَرَ عَلَى بَالِهِ ، أَنَّهُ ذَكَرَهُ ذَاكِرٌ ، فَقَالَ : سُبُّوحًا أَيْ ذَكَرْتُ سُبُّوحًا أَوْ ذَكَرَهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ فَأَضْمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَمَّا رَفْعُهُ فَعَلَى إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأ ، وَتَرْكُ إِظْهَارِ مَا يَرْفَعُ كَتَرْكِ إِظْهَارِ مَا يَنْصِبُ ؛ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِنَاءٌ عَلَى فُعُّولٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ غَيْرُ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ وَحَرْفٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ لِلذِّرِّيحِ وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ ذُرُّوحٌ زَادَهَا ابْنُ سِيدَهْ ؛ فَقَالَ : وَفُرُّوجٌ قَالَ : وَقَدْ يُفْتَحَانِ كَمَا يُفْتَحُ سُبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ رَوَى ذَلِكَ كُرَاعٌ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : كُلُّ اسْمٍ عَلَى فَعُّولٍ فَهُوَ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ إِلَّا السُّبُّوحَ وَالْقُدُّوسَ ، فَإِنَّ الضَّمَّ فِيهِمَا " أَكْثَرُ ؛ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعُّولٌ بِوَاحِدَةٍ ، هَذَا قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ ؛ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَسَائِرُ الْأَسْمَاءِ تَجِيءُ عَلَى فَعُّولٍ مِثْلَ سَفُّودٍ وَقَفُّورٍ وَقَبُّورٍ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَالْفَتْحُ فِيهِمَا أَقْيَسُ ، وَالضَّمُّ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا ، وَهُمَا مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا التَّنْزِيهُ ، ج٧ / ص١٠٥وَسُبُحَاتُ وَجْهِ اللَّهِ ، بِضَمِّ السِّينِ وَالْبَاءِ : أَنْوَارُهُ وَجَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ ، وَقَالَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ لِلَّهِ دُونَ الْعَرْشِ سَبْعِينَ حِجَابًا لَوْ دَنَوْنَا مِنْ أَحَدِهَا لَأَحْرَقَتْنَا سُبُحُاتُ وَجْهِ رَبِّنَا ؛ رَوَاهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ ، قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ : سُبُحُاتُ وَجْهِهِ نُورُ وَجْهِهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : حِجَابُهُ النُّورُ وَالنَّارُ ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحُاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ سُبُحُاتُ وَجْهِ اللَّهِ جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ جَمْعُ سُبْحَةٍ ؛ وَقِيلَ : أَضْوَاءُ وَجْهِهِ ؛ وَقِيلَ : سُبُحَاتُ الْوَجْهِ مَحَاسِنُهُ لِأَنَّكَ إِذَا رَأَيْتَ الْحَسَنَ الْوَجْهِ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تَنْزِيهٌ لَهُ أَيْ سُبْحَانَ وَجْهِهِ ؛ وَقِيلَ : سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ أَيْ : لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَأَحْرَقَتْ سُبُحُاتُ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ أَبْصَرَهُ ، كَمَا تَقُولُ : لَوْ دَخَلَ الْمَلِكُ الْبَلَدَ لَقُتِلَ ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ، كُلُّ مِنْ فِيهِ ؛ قَالَ : وَأَقْرَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمَعْنَى لَوِ انْكَشَفَ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ الَّتِي تُحْجَبُ الْعِبَادُ عَنْهُ شَيْءٌ لَأَهْلَكَ كُلَّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النُّورُ ، كَمَا خَرَّ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ صَعِقًا وَتَقَطَّعَ الْجَبَلُ دَكًّا ، لَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ وَيُقَالُ : السُّبُحُاتُ مَوَاضِعُ السُّجُودِ .
وَالسُّبْحَةُ : الْخَرَزَاتُ الَّتِي يَعُدُّ الْمُسَبِّحُ بِهَا تَسْبِيحَهُ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ . وَقَدْ يَكُونُ التَّسْبِيحُ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ تَقُولُ قَضَيْتُ سُبْحَتِي ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : جَلَدَ رَجُلَيْنِ سَبَّحَا بَعْدَ الْعَصْرِ أَيْ صَلَّيَا قَالَ الْأَعْشَى :
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ أَرَادَ مِنَ الْمُصَلِّينَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ : لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . وَقَوْلُهُ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُقَالُ : إِنَّ مَجْرَى التَّسْبِيحِ فِيهِمْ كَمَجْرَى النَّفَسِ مِنَّا لَا يَشْغَلُنَا عَنِ النَّفَسِ شَيْءٌ . وَقَوْلُهُ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ أَيْ تَسْتَثْنَوْنَ ، وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، فَوَضَعَ تَنْزِيهَ اللَّهِ مَوْضِعَ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَالسُّبْحَةُ الدُّعَاءُ وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ وَالنَّافِلَةُ ؛ يُقَالُ : فَرَغَ فُلَانٌ مِنْ سُبْحَتِهِ أَيْ مِنْ صَلَاتِهِ النَّافِلَةِ سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ تَسْبِيحًا لِأَنَّ التَّسْبِيحَ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَتَنْزِيهُهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ ؛ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَإِنَّمَا خُصَّتِ النَّافِلَةُ بِالسُّبْحَةِ ، وَإِنْ شَارَكَتْهَا الْفَرِيضَةُ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ نَوَافِلُ ، فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالْأَذْكَارِ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ؛ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ السُّبْحَةِ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرًا فَمِنْهَا : اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً أَيْ نَافِلَةً ، وَمِنْهَا كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ ؛ أَرَادَ صَلَاةَ الضُّحَى بِمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ اهْتِمَامِهِمْ بِالصَّلَاةِ لَا يُبَاشِرُونَهَا حَتَّى يَحُطُّوا الرِّحَالَ وَيُرِيحُوا الْجِمَالَ رِفْقًا بِهَا وَإِحْسَانًا .
وَالسُّبْحَةُ : التَّطَوُّعُ مِنَ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَقَدْ يُطْلَقُ التَّسْبِيحُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مَجَازًا كَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَغَيْرِهِمَا وَسُبْحَةُ اللَّهِ جَلَالُهُ ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ؛ أَيْ فَرَاغًا لِلنَّوْمِ ، وَقَدْ يَكُونُ السَّبْحُ بِاللَّيْلِ ، وَالسَّبْحُ أَيْضًا النَّوْمُ نَفْسُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : الْمُلَقَّبُ بِنَفْطَوَيْهِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أَيْ سَبِّحْهِ بِأَسْمَائِهِ وَنَزِّهْهُ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِغَيْرِ مَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ ، قَالَ : وَمَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ مَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ ، فَهُوَ مُلْحِدٌ فِي أَسْمَائِهِ ، وَكُلُّ مَنْ دَعَاهُ بِأَسْمَائِهِ فَمُسَبِّحٌ لَهُ بِهَا إِذْ كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ مَدَائِحَ لَهُ وَأَوْصَافًا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ؛ وَهِيَ صِفَاتُهُ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ ، وَكُلُّ مَنْ دَعَا اللَّهَ بِأَسْمَائِهِ فَقَدْ أَطَاعَهُ وَمَدَحَهُ وَلَحِقَهُ ثَوَابُهُ .
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَالسَّبْحُ أَيْضًا السُّكُونُ ، وَالسَّبْحُ التَّقَلُّبُ وَالِانْتِشَارُ فِي الْأَرْضِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَعَاشِ ، فَكَأَنَّهُ ضِدٌّ ، وَفِي حَدِيثِ الْوُضُوءِ : فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ ؛ السَّبَّاحَةُ وَالْمُسَبِّحَةُ : الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ ، وَالسَّبْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ : ثَوْبٌ مِنْ جُلُودٍ وَجَمْعُهَا سِبَاحٌ ؛ قَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ الْهُذَلِيُّ :
أَبُو عَمْرٍو : كِسَاءٌ مُسَبَّحٌ ، بِالْبَاءِ ، قَوِيٌّ شَدِيدٌ ، قَالَ : وَالْمُسَبَّحُ ، بِالْبَاءِ أَيْضًا ، الْمُعَرَّضُ ، وَقَالَ شَمِرٌ : السِّبَاحُ ، بِالْحَاءِ ، قُمُصٌ لِلصِّبْيَانِ مِنْ جُلُودٍ ؛ وَأَنْشَدَ : ج٧ / ص١٠٦