شهد
[ شهد ] شهد : مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : الشَّهِيدُ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : الشَّهِيدُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْأَمِينُ فِي شَهَادَتِهِ . قَالَ : وَقِيلَ الشَّهِيدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ .
وَالشَّهِيدُ : الْحَاضِرُ . وَفَعِيلٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي فَاعِلٍ ، فَإِذَا اعْتُبِرَ الْعِلْمُ مُطْلَقًا ، فَهُوَ الْعَلِيمُ ، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ ، فَهُوَ الْخَبِيرُ ، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ ، فَهُوَ الشَّهِيدُ ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ مَعَ هَذَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ابْنُ سِيدَهْ : الشَّاهِدُ الْعَالِمُ الَّذِي يُبَيِّنُ مَا عَلِمَهُ شَهِدَ شَهَادَةً ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ أَيِ الشَّهَادَةُ بَيْنَكُمْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ : إِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ اثْنَيْنِ بِحِينَ الْوَصِيَّةِ ، أَيْ لِيَشْهَدْ مِنْكُمُ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، هَذَا لِلسَّفَرِ وَالضَّرُورَةِ إِذْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا فِي هَذَا . وَرَجُلٌ شَاهِدٌ ، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ أَعْرَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُذَكَّرِ ، وَالْجَمْعُ أَشْهَادٌ وَشُهُودٌ ، وَشَهِيدٌ ، وَالْجَمْعُ شُهَدَاءُ . وَالشَّهْدُ : اسْمٌ لِلْجَمعِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : هُوَ جَمْعٌ .
وَأَشْهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ . وَاسْتَشْهَدَهُ : سَأَلَهُ الشَّهَادَةَ . وَفِي التَّنْزِيلِ : ج٨ / ص١٥٢وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ .
وَالشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ تَقُولُ مِنْهُ : شَهِدَ الرَّجُلُ عَلَى كَذَا ، وَرُبَّمَا قَالُوا شَهْدَ الرَّجُلُ بِسُكُونِ الْهَاءِ لِلتَّخْفِيفِ ; عَنِ الْأَخْفَشِ . وَقَوْلُهُمُ : اشْهَدْ بِكَذَا أَيِ احْلِفْ . وَالتَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ : مَعْرُوفٌ ; ابْنُ سِيدَهْ : وَالتَّشَهُّدُ قِرَاءَةُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ " أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " ، وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنَ الشَّهَادَةِ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : كَانَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ . كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ; يُرِيدُ تَشَهُّدَ الصَّلَاةِ التَّحِيَّاتُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأُبَيِّنُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
قَالَ : وَقَوْلُهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَعْنَى شَهِدَ اللَّهُ قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحَقِيقَتُهُ عَلِمَ اللَّهُ وَبَيَّنَ اللَّهُ ; ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي يُبَيِّنَ مَا عَلِمَهُ فَاللَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى تَوْحِيدِهِ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُنْشِئَ شَيْئًا وَاحِدًا مِمَّا أَنْشَأَ ، وَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِمَا عَايَنَتْ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَشَهِدَ أُولُو الْعِلْمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ وَتَبَيَّنَ مِنْ خَلْقِهِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : شَهِدَ اللَّهُ ، بَيَّنَ اللَّهُ وَأَظْهَرَ .
وَشَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْ بَيَّنَ مَا يَعْلَمُهُ وَأَظْهَرَهُ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنْبِيَاءَ شَعَرُوا بِمُحَمَّدٍ وَحَثُّوا عَلَى اتِّبَاعِهِ ، ثُمَّ خَالَفُوهُمْ فَكَذَّبُوهُ ، فَبَيَّنُوا بِذَلِكَ الْكُفْرَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا نَحْنُ كُفَّارٌ ; وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ مَعْنَاهُ : أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تُنْسَبُ إِلَى دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ سِوَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ فإنهم كَانُوا لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ هَذَا الِاسْمِ ، فَقَبُولُهُمْ إِيَّاهُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . وَسَأَلَ الْمُنْذِرِيُّ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَالَ : كُلُّ مَا كَانَ شَهِدَ اللَّهُ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى عَلِمَ اللَّهُ . قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : مَعْنَاهُ قَالَ اللَّهُ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلِمَ اللَّهُ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ كَتَبَ اللَّهُ ; وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَعْنَاهُ بَيَّنَ اللَّهُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .
وَشَهِدَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ ، فَهُوَ شَاهِدٌ وَشَهِيدٌ . وَاسْتُشْهِدَ فُلَانٌ ، فَهُوَ شَهِيدٌ . وَالْمُشَاهَدَةُ : الْمُعَايَنَةُ .
وَشَهِدَهُ شُهُودًا أَيْ حَضَرَهُ ، فَهُوَ شَاهِدٌ . وَقَوْمٌ شُهُودٌ أَيْ حُضُورٌ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَشُهَّدٌ أَيْضًا مِثْلُ رَاكِعٍ وَرُكَّعٍ . وَشَهِدَ لَهُ بِكَذَا شَهَادَةً أَيْ أَدَّى مَا عِنْدَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ ، فَهُوَ شَاهِدٌ ، وَالْجَمْعُ شَهْدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَسَافِرٍ وَسَفْرٍ ، وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُهُ ، وَجَمْعُ الشَّهْدِ شُهُودٌ وَأَشْهَادٌ .
وَالشَّهِيدُ : الشَّاهِدُ ، وَالْجَمْعُ الشُّهَدَاءُ . وَأَشْهَدْتُهُ عَلَى كَذَا فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَيْ صَارَ شَاهِدًا عَلَيْهِ . وَأَشْهَدْتُ الرَّجُلَ عَلَى إِقْرَارِ الْغَرِيمِ وَاسْتَشْهَدْتُهُ بِمَعْنًى ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ أَيْ أَشْهِدُوا شَاهِدَيْنِ .
يُقَالُ لِلشَّاهِدِ : شَهِيدٌ ، وَيُجْمَعُ شُهَدَاءَ . وَأَشْهَدَنِي إِمْلَاكَهُ : أَحْضَرَنِي . وَاسْتَشْهَدْتُ فُلَانًا عَلَى فُلَانٍ إِذَا سَأَلْتَهُ إِقَامَةَ شَهَادَةٍ احْتَمَلَهَا .
وَفِي الْحَدِيثِ : خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ; قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّ لَهُ مَعَهُ شَهَادَةً ; وَقِيلَ : هِيَ فِي الْأَمَانَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَمَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ; وَقِيلَ : هُوَ مَثَلٌ فِي سُرْعَةِ إِجَابَةِ الشَّاهِدِ إِذَا اسْتُشْهِدَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَهَا وَيَمْنَعَهَا ; وَأَصْلُ الشَّهَادَةِ : الْإِخْبَارُ بِمَا شَاهَدَهُ . وَمِنْهُ : يَأْتِي قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، هَذَا عَامٌّ فِي الَّذِي يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا صَاحِبُ الْحَقِّ مِنْهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا يُعْمَلُ بِهَا ، وَالَّذِي قَبْلَهُ خَاصٌّ ; وَقِيلَ : مَعْنَاهُ هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَحْمِلُوا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ . وَفِي الْحَدِيثِ : اللَّعَّانُونَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ أَيْ لَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمْ ; وَقِيلَ : لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ .
وَفِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ : فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ ; الْأَمْرُ بِالشَّهَادَةِ أَمْرُ تَأْدِيبٍ وَإِرْشَادٍ لِمَا يُخَافُ مِنْ تَسْوِيلِ النَّفْسِ ، وَانْبِعَاثِ الرَّغْبَةِ فِيهَا ، فَيَدْعُوهُ إِلَى الْخِيَانَةِ بَعْدَ الْأَمَانَةِ ، وَرُبَّمَا نَزَلَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ فَادَّعَاهَا وَرَثَتُهُ وَجَعَلُوهَا فِي جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ ; ارْتَفَعَ شَاهِدَاكَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْنَاهُ مَا قَالَ شَاهِدَاكَ ; وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ : إِنَّ الشَّهَادَةَ لَيَشْهَدُونَ بِكَذَا أَيْ أَهْلُ الشَّهَادَةِ ، كَمَا يُقَالُ : إِنَّ الْمَجْلِسَ لَيَشْهَدُ بِكَذَا أَيْ أَهْلُ الْمَجْلِسِ . ابْنُ بُزُرْجَ : شَهِدْتُ عَلَى شَهَادَةِ سَوْءٍ ; يُرِيدُ شُهَدَاءَ سَوْءٍ .
وَكُلًّا تَكُونُ الشَّهَادَةُ كَلَامًا يُؤَدَّى وَقَوْمًا يَشْهَدُونَ . وَالشَّاهِدُ وَالشَّهِيدُ : الْحَاضِرُ ، وَالْجَمْعُ شُهَدَاءُ وَشُهَّدٌ وَأَشْهَادٌ وَشُهُودٌ ; وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ :
وَشَهِدَ الْأَمْرَ وَالْمِصْرَ شَهَادَةً ، فَهُوَ شَاهِدٌ مِنْ قَوْمٍ شُهَّدٍ ، حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ أَيْ مَحْضُورٌ يَحْضُرُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . وَمِثْلُهُ : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ يَحْضُرُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ أَيْ أَحْضَرَ سَمْعَهُ وَقَلْبُهُ شَاهِدٌ لِذَلِكَ غَيْرُ غَائِبٍ عَنْهُ . وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَشَهِيدُكَ عَلَى أُمَّتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ شَاهِدُكَ . وَفِي الْحَدِيثِ : سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هُوَ شَاهِدٌ أَيْ يَشْهَدُ لِمَنْ حَضَرَ صَلَاتَهُ .
وَقَوْلُهُ : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا الْيَمِينُ هَاهُنَا . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا أَيْ عَلَى أُمَّتِكَ بِالْإِبْلَاغِ وَالرِّسَالَةِ ، وَقِيلَ : مُبَيِّنًا . وَقَوْلُهُ : وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا أَيِ اخْتَرْنَا مِنْهَا نَبِيًّا ، وَكُلُّ نَبِيٍّ شَهِيدُ أُمَّتِهِ .
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ أَيْ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ وَتَعْلَمُونَ أَنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ ; ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ بَيَّنَهُ فِي كِتَابِكُمْ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْأَشْهَادُ : جَمْعُ شَاهِدٍ مِثْلُ نَاصِرٍ ، وَأَنْصَارٍ وَصَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْأَشْهَادَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يَشْهَدُونَ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ أَيْ حَافِظٌ مَلَكٌ . وَرَوَى شَمِرٌ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ قَالَ : ج٨ / ص١٥٣وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يُرَى الشَّاهِدُ ، قَالَ : قُلْنَا لِأَبِي أَيُّوبَ : مَا الشَّاهِدُ ؟ قَالَ : النَّجْمُ كَأَنَّهُ يَشْهَدُ فِي اللَّيْلِ أَيْ يَحْضُرُ وَيَظْهَرُ .
وَصَلَاةُ الشَّاهِدِ : صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ، وَهُوَ اسْمُهَا ; قَالَ شَمِرٌ : هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فَسَّرَهُ أَبُو أَيُّوبَ أَنَّهُ النَّجْمُ ; قَالَ غَيْرُهُ : وَتُسَمَّى هَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الْبَصَرِ ; لِأَنَّهُ تُبْصَرُ فِي وَقْتِهِ نُجُومُ السَّمَاءِ ، فَالْبَصَرُ يُدْرِكُ رُؤْيَةَ النَّجْمِ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ صَلَاةُ الْبَصَرِ ، وَقِيلَ فِي صَلَاةِ الشَّاهِدِ إِنَّهَا صَلَاةُ الْفَجْرِ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يُصَلِّيهَا كَالشَّاهِدِ لَا يَقْصُرُ مِنْهَا ; قَالَ :
وَامْرَأَةٌ مُشْهِدٌ : حَاضِرَةُ الْبَعْلِ بِغَيْرِ هَاءٍ . وَامْرَأَةٌ مُغِيبَةٌ : غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا . وَهَذِهِ بِالْهَاءِ ، هَكَذَا حُفِظَ عَنِ الْعَرَبِ لَا عَلَى مَذْهَبِ الْقِيَاسِ .
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : قَالَتْ لِامْرَأَةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَقَدْ تَرَكَتِ الْخِضَابَ وَالطِّيبَ : أَمُشْهِدٌ أَمْ مُغِيبٌ ؟ قَالَتْ : مُشْهِدٌ كَمُغِيبٍ ، يُقَالُ : امْرَأَةٌ مُشْهِدٌ إِذَا كَانَ زَوْجُهَا حَاضِرًا عِنْدَهَا ، وَمُغِيبٌ إِذَا كَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا عَنْهَا . وَيُقَالُ فِيهِ : مُغِيبَةٌ ، وَلَا يُقَالُ مُشْهِدَةٌ ; أَرَادَتْ أَنَّ زَوْجَهَا حَاضِرٌ لَكِنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا ، فَهُوَ كَالْغَائِبِ عَنْهَا . وَالشَّهَادَةُ وَالْمَشْهَدُ : الْمَجْمَعُ مِنَ النَّاسِ .
وَالْمَشْهَدِ : مَحْضَرُ النَّاسِ . وَمَشَاهِدُ مَكَّةَ : الْمَوَاطِنُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ بِهَا مِنْ هَذَا . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ؛ الشَّاهِدُ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَشْهُودُ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَشْهَدُونَهُ وَيَحْضُرُونَهُ وَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ . قَالَ : وَيُقَالُ أَيْضًا : الشَّاهِدُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَالشَّاهِدِ ، فَجَعَلَ الشَّاهِدَ مِنْ صِلَةِ الْمَوْعُودِ يَتْبَعُهُ فِي خَفْضِهِ . وَفِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ : فَإِنَّهَا مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ أَيْ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ وَتَكْتُبُ أَجْرَهَا لِلْمُصَلِّي .
وَفِي حَدِيثِ صَلَاةِ الْفَجْرِ : فَإِنَّهَا مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ يَحْضُرُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، هَذِهِ صَاعِدَةٌ وَهَذِهِ نَازِلَةٌ . قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَالشَّاهِدُ مِنَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ ; لَمْ يُفَسِّرْهُ كُرَاعٌ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا . وَالشَّهِيدُ الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْجَمْعُ شُهَدَاءُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِنْ وَرَقَ الْجَنَّةِ ، وَالِاسْمُ الشَّهَادَةُ . وَاسْتُشْهِدَ : قُتِلَ شَهِيدًا . وَتَشَهَّدَ طَلَبَ الشَّهَادَةَ .
وَالشَّهِيدُ : الْحَيُّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ فِي تَفْسِيرِ الشَّهِيدِ الَّذِي يُسْتَشْهَدُ : الْحَيُّ أَيْ هُوَ عِنْدَ رَبِّهِ حَيٌّ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّضْرَ عَنِ الشَّهِيدِ فُلَانٌ شَهِيدٌ ، يُقَالُ : فُلَانٌ حَيٌّ أَيْ هُوَ عِنْدَ رَبِّهِ حَيٌّ ; قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : أُرَاهُ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؛ كَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ أُحْضِرَتْ دَارَ السَّلَامِ أَحْيَاءً ، وَأَرْوَاحَ غَيْرِهِمْ أُخِّرَتْ إِلَى الْبَعْثِ ; قَالَ : وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : سُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا ; لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ شُهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ ; وَقِيلَ : سُمُّوا شُهَدَاءَ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ يُسْتَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ; وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ أُمَمَ الْأَنْبِيَاءِ تُكَذِّبُ فِي الْآخِرَةِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فَيَجْحَدُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ ، هَذَا فِيمَنْ جَحَدَ فِي الدُّنْيَا مِنْهُمْ أَمْرَ الرُّسُلِ ، فَتَشْهَدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ ، وَيَشْهَدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذِهِ بِصِدْقِهِمْ . قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَالشَّهَادَةُ تَكُونُ لِلْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ مِنَ الْأُمَّةِ ، فَأَفْضَلُهُمْ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مُيِّزُوا عَنِ الْخَلْقِ بِالْفَضْلِ ، وَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ; ثُمَّ يَتْلُوهُمْ فِي الْفَضْلِ مَنْ عَدَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ . قَالَ : وَمِنْهُمْ أَنْ تَمُوتَ الْمَرْأَةُ بِجُمْعٍ .
وَدَلَّ خَبَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ مُنْكَرًا وَأَقَامَ حَقًّا وَلَمْ يَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ أَنَّهُ فِي جُمْلَةِ الشُّهَدَاءِ لِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا لَكَمَ إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَخْرِقُ أَعْرَاضَ النَّاسِ أَنْ لَا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ ؟ قَالُوا : نَخَافُ لِسَانَهُ ، فَقَالَ : ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا تَكُونُوا شُهَدَاءَ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مَعْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّكُمْ إِذَا لَمْ تَعْزِمُوا وَتُقَبِّحُوا عَلَى مَنْ يَقْرِضُ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ مَخَافَةَ لِسَانِهِ ، لَمْ تَكُونُوا فِي جُمْلَةِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ يُسْتَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ أَنْبِيَاءَهَا فِي الدُّنْيَا . الْكِسَائِيُّ : أُشْهِدَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهُوَ مُشْهَدٌ بِفَتْحِ الْهَاءِ ; وَأَنْشَدَ :
وَالشَّهْدُ وَالشُّهْدُ : الْعَسَلُ مَا دَامَ لَمْ يُعْصَرْ مِنْ شَمَعِهِ ، وَاحِدَتُهُ شَهْدَةٌ وَشُهْدَةٌ وَيُكْسَرُ عَلَى الشِّهَادِ ; قَالَ أُمَيَّةُ :
وَأَشْهَدَ : اشْقَرَّ وَاخْضَرَّ مِئْزَرُهُ . وَأَشْهَدَ : أَمْذَى وَالْمَذْيُ : عُسَيْلَةٌ . أَبُو عَمْرٍو : أَشْهَدَ الْغُلَامُ إِذَا أَمْذَى وَأَدْرَكَ .
وَأَشْهَدَتِ الْجَارِيَةُ إِذَا حَاضَتْ ج٨ / ص١٥٤وَأَدْرَكَتْ ; وَأَنْشَدَ :
وَالشَّاهِدُ : اللِّسَانُ مِنْ قَوْلِهِمْ : لِفُلَانٍ شَاهِدٌ حَسَنٌ أَيْ عِبَارَةٌ جَمِيلَةٌ . وَالشَّاهِدُ : الْمَلَكُ ، قَالَ الْأَعْشَى :