كفر
[ كفر ] كفر : الْكُفْرُ : نَقِيضُ الْإِيمَانِ ، آمَنَّا بِاللَّهِ وَكَفَرْنَا بِالطَّاغُوتِ ؛ كَفَرَ بِاللَّهِ يَكْفُرُ كُفْرًا وَكُفُورًا وَكُفْرَانًا . وَيُقَالُ لِأَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ : قَدْ كَفَرُوا أَيْ عَصَوْا وَامْتَنَعُوا . وَالْكُفْرُ : كُفْرُ النِّعْمَةِ ، وَهُوَ نَقِيضُ الشُّكْرِ .
وَالْكُفْرُ : جُحُودُ النِّعْمَةِ ، وَهُوَ ضِدُ الشُّكْرِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ؛ أَيْ جَاحِدُونَ . وَكَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ يَكْفُرُهَا كُفُورًا وَكُفْرَانًا وَكَفَرَ بِهَا : جَحَدَهَا وَسَتَرَهَا .
وَكَافَرَهُ حَقَّهُ : جَحَدَهُ . وَرَجُلٌ مُكَفَّرٌ : مَجْحُودُ النِّعْمَةِ مَعَ إِحْسَانِهِ . وَرَجُلٌ كَافِرٌ : جَاحِدٌ لِأَنْعُمِ اللَّهِ ، مُشْتَقٌّ مِنَ السَّتْرِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مُغَطًّى عَلَى قَلْبِهِ .
قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : كَأَنَّهُ فَاعِلٌ فِي مَعْنَى مَفْعُولٍ ، وَالْجَمْعُ كُفَّارٌ وَكَفَرَةٌ وَكِفَارٌ مِثْلَ جَائِعٍ وَجِيَاعٍ وَنَائِمٍ وَنِيَامٍ ؛ قَالَ الْقُطَامِيُّ :
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا . قَالَ الْأَخْفَشُ : هُوَ جَمْعُ الْكُفْرِ مِثْلَ بُرْدٍ وَبُرُودٍ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ وَسِبَابُهُ فِسْقٌ ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ : كُفْرُ إِنْكَارٍ بِأَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ أَصْلًا وَلَا يَعْتَرِفَ بِهِ ، وَكُفْرُ جُحُودٍ ، وَكُفْرُ مُعَانَدَةٍ ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ ؛ مَنْ لَقِيَ رَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ وَيَغْفِرْ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .
فَأَمَّا كُفْرُ الْإِنْكَارِ فَهُوَ أَنْ يَكْفُرَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَلَا يَعْرِفَ مَا يُذْكَرُ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ : أَيِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَأَمَّا كُفْرُ الْجُحُودِ فَأَنْ يَعْتَرِفَ بِقَلْبِهِ وَلَا يُقِرَّ بِلِسَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ جَاحِدٌ كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . يَعْنِي كُفْرَ الْجُحُودِ ، وَأَمَّا كُفْرُ الْمُعَانَدَةِ فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَيُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِينَ بِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا ، كَكُفْرِ أَبِي جَهْلٍ وَأَضْرَابِهِ ، وَفِي التَّهْذِيبِ : يَعْتَرِفُ بِقَلْبِهِ وَيُقِرُّ بِلِسَانِهِ وَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ كَأَبِي طَالِبٍ حَيْثُ يَقُولُ :
قَالَ شَمِرٌ : وَالْكُفْرُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْبَرَاءَةِ ، كَقَوْلِ الله تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الشَّيْطَانِ فِي خَطِيئَتِهِ إِذَا دَخَلَ النَّارَ : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ أَيْ تَبَرَّأْتُ . وَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْكُفْرِ فَقَالَ : الْكُفْرُ عَلَى وُجُوهٍ : فَكُفْرٌ هُوَ شِرْكٌ يَتَّخِذُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ، وَكُفْرٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَكُفْرٌ بِادِّعَاءِ وَلَدٍ لِلَّهِ ، وَكُفْرُ مُدَّعِي الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ أَعْمَالًا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَيَسْعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَيَقْتُلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً بِغَيْرِ حَقٍّ ، ثُمَّ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ كُفْرَانِ : أَحَدُهُمَا كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ ، وَالْآخَرُ : التَّكْذِيبُ بِاللَّهِ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : قِيلَ فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِهِ الْيَهُودَ ؛ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بِعُزَيْرٍ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُحَارِبٌ آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ ، وَقِيلَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقٌ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ ، ثُمَّ آمَنَ بَعْدُ ثُمَّ كَفَرَ وَازْدَادَ كُفْرًا بِإِقَامَتِهِ عَلَى الْكُفْرِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَغْفِرُ كُفْرَ مَرَّةٍ ، فِلْمَ قِيلَ هَاهُنَا فِيمَنْ آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ ثُمَّ آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ، مَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا ؟ فَالْجَوَابُ فِي هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِلْكَافِرِ إِذَا آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ ، فَإِنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانه لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ الْكُفْرَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ، فَإِذَا كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِ قَبْلَهُ كُفْرٌ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِجَمِيعِ كُفْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِذَا آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُغْفَرُ لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْفِرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدَ كُفْرِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ، وَهَذَا سَيِّئَةٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ؛ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ الَّذِي أَتَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، بَاطِلٌ فَهُوَ كَافِرٌ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قِيلَ لَهُ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، وَلَيْسُوا كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُحْصَنَيْنِ لَا يَجِبُ أَنْ يُرْجَمَا إِذَا زَنَيَا وَكَانَا حُرَّيْنِ كَافِرٌ ، وَإِنَّمَا كُفْرُ مَنْ رَدَّ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ قَالَ كَافِرٌ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنْتَ لِي عَدُوٌّ فَقَدْ كَفَرَ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ ، أَرَادَ كُفْرَ نِعْمَتِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ فَأَصْبَحُوا بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَقَدْ كَفَرَهَا . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ تَرَكَ قَتْلَ الْحَيَّاتِ خَشْيَةَ النَّارِ فَقَدْ كَفَرَ أَيْ كَفَرَ النِّعْمَةَ ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : مَنْ أَتَى حَائِضًا فَقَدْ كَفَرَ ، وَحَدِيثُ الْأَنْوَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ الْغَيْثَ فَيُصْبِحُ قَوْمٌ بِهِ كَافِرِينَ ؛ يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا : أَيْ كَافِرِينَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ حَيْثُ يَنْسُبُونَ الْمَطَرَ إِلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ لِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ يَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ : أَيْ يَجْحَدْنَ إِحْسَانَ أَزْوَاجِهِنَّ ؛ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فَنِعْمَةٌ كَفَرَهَا ، وَالْأَحَادِيثُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ ، وَأَصْلُ الْكُفْرِ تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ تَغْطِيَةً تَسْتَهْلِكُهُ . وَقَالَ اللَّيْثُ : يُقَالُ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْكَافِرُ كَافِرًا ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ غَطَّى قَلْبَهُ كُلَّهُ ؛ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَمَعْنَى قَوْلِ اللَّيْثِ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْكُفْرَ فِي اللُّغَةِ التَّغْطِيَةُ ، وَالْكَافِرُ ذُو كُفْرٍ أَيْ ذُو تَغْطِيَةٍ لِقَلْبِهِ بِكُفْرِهِ ، كَمَا يُقَالُ لِلَابِسِ السِّلَاحِ كَافِرٌ ، وَهُوَ الَّذِي غَطَّاهُ السِّلَاحُ ، وَمِثْلُهُ رَجُلٌ كَاسٍ : أَيْ ذُو كُسْوَةٍ ، وَمَاءٌ دَافِقٌ ذُو دَفْقٍ ، قَالَ : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَحْسَنُ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا دَعَاهُ اللَّهُ إِلَى تَوْحِيدِهِ فَقَدْ دَعَاهُ إِلَى نِعْمَةٍ وَأَحَبَّهَا لَهُ إِذَا أَجَابَهُ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا أَبَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ كَانَ كَافِرًا نِعْمَةَ اللَّهِ أَيْ مُغَطِّيًا لَهَا بِإِبَائِهِ حَاجِبًا لَهَا عَنْهُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ : أَلَا لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ، قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : فِي قَوْلِهِ كُفَّارًا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لَابِسِينَ السِّلَاحَ مُتَهَيِّئِينَ لِلْقِتَالِ ، مَنْ كَفَرَ فَوْقَ دِرْعِهِ إِذَا لَبِسَ فَوْقَهَا ثَوْبًا ، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الْحَرْبِ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يُكَفِّرُ النَّاسَ فَيَكْفُرُ كَمَا تَفْعَلُ الْخَوَارِجُ إِذَا اسْتَعْرَضُوا النَّاسَ فَيُكَفِّرُونَهُمْ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ : يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَوْ يَكْذِبَ ، فَإِنْ صَدَقَ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَإِنْ كَذَبَ عَادَ الْكُفْرُ إِلَيْهِ بِتَكْفِيرِهِ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ . قَالَ : وَالْكُفْرُ صِنْفَانِ : أَحَدُهُمَا الْكُفْرُ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَهُوَ ضِدُّهُ ، وَالْآخَرُ : الْكُفْرُ بِفَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُخْرجُ بِهِ عَنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ . وَفِي حَدِيثِ الرِّدَّةِ : وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ ؛ أَصْحَابُ الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ : صَنْفٌ ارْتَدُّوا عَنِ الدِّينِ وَكَانُوا طَائِفَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الَّذِينَ آمَنُوا بِنُبُوَّتِهِمَا ، وَالْأُخْرَى : طَائِفَةٌ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهَؤُلَاءِ اتَّفَقَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ وَسَبْيِهِمْ ، وَاسْتَوْلَدَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ سَبْيِهِمْ أُمَّ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، ثُمَّ لَمْ يَنْقَرِضْ عَصْرُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حَتَّى أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْبَى ، وَالصِّنْفُ الثَّانِي مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ : لَمْ يَرْتَدُّوا عَنِ الْإِيمَانِ وَلَكِنْ أَنْكَرُوا فَرْضَ الزَّكَاةِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ، خَاصَّة بِزَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قِتَالُهُمْ لِإِقْرَارِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ ، وَثَبَتَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى قِتَالِهِمْ بِمَنْعِ الزَّكَاةِ ، فَتَابَعَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَرِيبِي الْعَهْدِ بِزَمَانٍ يَقَعُ فِيهِ التَّبْدِيلُ وَالنَّسْخُ ، فَلَمْ يُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَهْلَ بَغْيِ فَأُضِيفُوا إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ حَيْثُ كَانُوا فِي زَمَانِهِمْ ، فَانْسَحَبَ عَلَيْهِمُ اسْمُهَا ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّةَ أَحَدِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ كَانَ كَافِرًا بِالْإِجْمَاعِ ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حَقَّهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا ارْتَدُّوا إِذَا مُنِعُوا عَنِ الْحَقِّ .
وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَاوِيَةُ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ ، وَالْعُرُشُ : بُيُوتُ مَكَّةَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقِيمٌ مُخْتَبِئٌ بِمَكَّةَ ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَمُعَاوِيَةُ ج١٣ / ص٨٦أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنَ التَّكْفِيرِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ . وَأَكْفَرْتُ الرَّجُلَ : دَعَوْتُهُ كَافِرًا . يُقَالُ : لَا تُكْفِرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِكَ : أَيْ لَا تَنْسُبْهُمْ إِلَى الْكُفْرِ أَيْ لَا تَدْعُهُمْ كُفَّارًا وَلَا تَجْعَلْهُمْ كُفَّارًا بِقَوْلِكَ وَزَعْمِكَ .
وَكَفَّرَ الرَّجُلَ : نَسَبَهُ إِلَى الْكُفْرِ . وَكُلٌّ مَنْ سَتَرَ شَيْئًا ، فَقَدَ كَفَرَهَ وَكَفَّرَهُ . وَالْكَافِرُ : الزَّرَّاعُ لِسَتْرِهِ الْبَذْرَ بِالتُّرَابِ .
وَالْكُفَّارُ : الزُّرَّاعُ . وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلزَّرَّاعِ : كَافِرٌ لِأَنَّهُ يَكْفُرُ الْبَذْرَ الْمَبْذُورَ بِتُرَابِ الْأَرْضِ الْمُثَارَةِ إِذَا أَمَرَّ عَلَيْهَا مَالَقَهُ ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ : أَيْ أَعْجَبَ الزُّرَّاعَ نَبَاتُهُ ، وَإِذَا أَعْجَبَ الزُّرَّاعَ نَبَاتُهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ فَهُوَ غَايَةُ مَا يُسْتَحْسَنُ ، وَالْغَيْثُ الْمَطَرُ هَاهُنَا ؛ وَقَدْ قِيلَ : الْكُفَّارُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكُفَّارُ بِاللَّهِ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْجَابًا بِزِينَةِ الدُّنْيَا وَحَرْثِهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَالْكَفْرُ ، بِالْفَتْحِ : التَّغْطِيَةُ .
وَكَفَرْتُ الشَّيْءَ أَكْفِرُهُ ، بِالْكَسْرِ ، أَيْ سَتَرْتُهُ . وَالْكَافِرُ : اللَّيْلُ ، وَفِي الصِّحَاحِ : اللَّيْلُ الْمُظْلِمُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ شَيْءٍ . وَكَفَرَ اللَّيْلُ الشَّيْءَ وَكَفَرَ عَلَيْهِ : غَطَّاهُ .
وَكَفَرَ اللَّيْلُ عَلَى أَثَرِ صَاحِبِي : غَطَّاهُ بِسَوَادِهِ وَظُلْمَتِهِ . وَكَفَرَ الْجَهْلُ عَلَى عِلْمِ فُلَانٍ : غَطَّاهُ . وَالْكَافِرُ : الْبَحْرُ لِسَتْرِهِ مَا فِيهِ ، وَيُجْمَعُ الْكَافِرُ كِفَارًا ؛ وَأَنْشَدَ اللِّحْيَانِيُّ :
أَلْقَتْ يَمِينَهَا فِي كَافِرٍ أَيْ بَدَأَتْ فِي الْمَغِيبِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اللَّيْلَ ، وَذَكَرَ ابْنُ السِّكِّيتُ أَنَّ لَبِيدًا سَرَقَ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ :
وَالْكَافِرُ : الْوَادِي الْعَظِيمُ ، وَالنَّهْرُ كَذَلِكَ أَيْضًا : وَكَافِرٌ : نَهْرٌ بِالْجَزِيرَةِ ؛ قَالَ الْمُتَلَمِّسُ يَذْكُرُ طَرْحَ صَحِيفَتِهِ :
وَالْكَافِرُ : السَّحَابُ الْمُظْلِمُ . وَالْكَافِرُ وَالْكَفْرُ : الظُّلْمَةُ لِأَنَّهَا تَسْتُرُ مَا تَحْتَهَا ؛ وَقَوْلُ لَبِيدٍ :
وَرَمَادٌ مَكْفُورٌ : مُلْبَسٌ تُرَابًا أَيْ سَفَتْ عَلَيْهِ الرِّيَاحُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَتْهُ وَغَطَّتْهُ ؛ قَالَ :
ابْنُ شُمَيْلٍ : الْقِيرُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ : الْكُفْرُ وَالزِّفْتُ وَالْقِيرُ ، فَالْكُفْرُ تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ ، وَالزِّفْتُ يُجْعَلُ فِي الزُّقَاقِ ، وَالْقِيرُ يُذَابُ ثُمَّ يُطْلَى بِهِ السُّفُنُ . وَالْكَافِرُ : الَّذِي كَفَرَ دِرْعَهُ بِثَوْبٍ أَيْ غَطَّاهُ وَلَبِسَهُ فَوْقَهُ . وَكُلُّ شَيْءٍ غَطَّى شَيْئًا ، فَقَدَ كَفَرَهُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ ذَكَرُوا مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَثَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَلَكِنْ عَلَى تَغْطِيَتِهِمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ . وَكَفَرَ دِرْعَهُ بِثَوْبٍ وَكَفَّرَهَا بِهِ ، لَبِسَ فَوْقَهَا ثَوْبًا فَغَشَّاهَا بِهِ . ابْنُ السِّكِّيتِ : إِذَا لَبِسَ الرَّجُلُ فَوْقَ دِرْعِهِ ثَوْبًا فَهُوَ كَافِرٌ .
وَقَدْ كَفَّرَ فَوْقَ دِرْعِهِ ؛ وَكُلُّ مَا غَطَّى شَيْئًا ، فَقَدَ كَفَرَهُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلِ كَافِرٌ ؛ لِأَنَّهُ سَتَرَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ شَيْءٍ وَغَطَّاهُ . وَرَجُلٌ كَافِرٌ وَمُكَفَّرٌ فِي السِّلَاحِ دَاخِلٌ فِيهِ .
وَالْمُكَفَّرُ : الْمُوثَقُ فِي الْحَدِيدِ كَأَنَّهُ غُطِّيَ بِهِ وَسُتِرَ . وَالْمُتَكَفِّرُ : الدَّاخِلُ فِي سِلَاحِهِ . وَالتَّكْفِيرُ أَنْ يَتَكَفَّرَ الْمُحَارِبُ فِي سِلَاحِهِ ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ :
وَتَكَفَّرَ الْبَعِيرُ بِحِبَالِهِ إِذَا وَقَعَتْ فِي قَوَائِمِهِ ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ . وَالْكَفَّارَةُ مَا كُفِّرَ بِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، قَالَ بَعْضُهُمْ كَأَنَّهُ غُطِّيَ عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ . وَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ : فِعْلُ مَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ فِيهَا ، وَالِاسْمُ الْكَفَّارَةُ .
وَالتَّكْفِيرُ فِي الْمَعَاصِي : كَالْإِحْبَاطِ فِي الثَّوَابِ . التَّهْذِيبُ : وَسُمِّيَتِ الْكَفَّارَاتُ كَفَّارَاتٍ لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ أَيْ تَسْتُرُهَا مِثْلَ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ الْخَطَإِ ، وَقَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَمَرَ بِهَا عِبَادَهُ . وَأَمَّا الْحُدُودُ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرِي أَلْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا ؟ وَفِي حَدِيثِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ : كَفَّارَتُهَا أَنْ تُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرْتَهَا وَفِي رِوَايَةٍ : لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ .
وَتَكَرَّرَ ذِكْرُ الْكَفَّارَةِ فِي الْحَدِيثِ اسْمًا وَفِعْلًا مُفْرَدًا وَجَمْعًا ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْفَعْلَةِ وَالْخَصْلَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُكَفِّرَ الْخَطِيئَةَ أَيْ تَمْحُوَهَا وَتَسْتُرَهَا ، وَهِيَ فَعَّالَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَقَتَّالَةٍ وَضَرَّابَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ فِي بَابِ الْأَسْمِيَةِ ، وَمَعْنَى حَدِيثِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي تَرْكِهَا غَيْرُ قَضَائِهَا مِنْ غُرْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، كَمَا يَلْزَمُ الْمُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، وَالْمُحْرِمَ إِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . وَفِي الْحَدِيثِ : الْمُؤْمِنُ مُكَفَّرٌ أَيْ مُرَزَّأٌ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِتُكَفَّرَ خَطَايَاهُ . وَالْكَفْرُ : الْعَصَا الْقَصِيرَةُ ، وَهِيَ الَّتِي تُقْطَعُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ .
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْكَفْرُ الْخَشَبَةُ الْغَلِيظَةُ الْقَصِيرَةُ . وَالْكَافُورُ : كِمُّ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يُنَوِّرَ . وَالْكَفَرُ وَالْكُفُرَّى وَالْكِفِرَّى وَالْكَفَرَّى وَالْكُفَرَّى : وِعَاءُ طَلْعِ النَّخْلِ ، وَهُوَ أَيْضًا الْكَافُورُ ، وَيُقَالُ لَهُ الْكُفُرَّى وَالْجُفُرَّى .
وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ : هُوَ الطِّبِّيعُ فِي كُفُرَّاهُ ؛ الطِّبِّيعُ لُبُّ الطَّلْعِ وَكُفُرَّاهُ ، بِالضَّمِّ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا ، هُوَ وِعَاءُ الطَّلْعِ وَقِشْرُهُ الْأَعْلَى ، وَكَذَلِكَ كَافُورُهُ ، وَقِيلَ هُوَ الطَّلْعُ حِينَ يَنْشَقُّ ، وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : قِشْرُ الْكُفُرَّى ، وَقِيلَ : وِعَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ كَافُورُهُ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : سَمِعْتُ أُمَّ رَبَاحٍ تَقُولُ : هَذِهِ كُفُرَّى وَهَذَا كُفُرَّى وَكَفَرَّى وَكِفِرَّاهُ وَكُفَرَّاهُ ، وَقَدْ قَالُوا فِيهِ كَافِرٌ ، وَجَمْعُ الْكَافُورِ كَوَافِيرُ ، وَجَمْعُ الْكَافِرِ كَوَافِرُ ، قَالَ لَبِيدٌ :
وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ كَانَ اسْمُ كِنَانَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَافُورَ تَشْبِيهًا بِغِلَافِ الطَّلْعِ وَأَكْمَامِ الْفَوَاكِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتُرُهَا وَهِيَ فِيهَا كَالسِّهَامِ فِي الْكِنَانَةِ . وَالْكَافُورُ : أَخْلَاطٌ تُجْمَعُ مِنَ الطِّيبِ تُرَكَّبُ مِنْ كَافُورِ الطَّلْعِ ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : لَا أَحْسُبُ الْكَافُورَ عَرَبِيًّا ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا قَالُوا الْقَفُورُ وَالْقَافُورُ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا .
قِيلَ : هِيَ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْصَرِفَ لِأَنَّهُ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَعْرِفَةٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ لَكِنْ إِنَّمَا صَرَفَهُ لِتَعْدِيلِ رُؤوسِ الْآيِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : إِنَّمَا أَجْرَاهُ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ تَشْبِيهًا وَلَوْ كَانَ اسْمًا لِلْعَيْنِ لَمْ يَصْرِفْهُ ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : قَوْلُهُ جَعَلَهُ تَشْبِيهًا ؛ أَرَادَ كَانَ مِزَاجُهَا مِثْلَ كَافُورٍ . قَالَ الْفَرَّاءُ : يُقَالُ إِنَّهَا عَيْنٌ تُسَمَّى الْكَافُورَ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ كَانَ مِزَاجُهَا كَالْكَافُورِ لِطِيبِ رِيحِهِ ؛ وَقَالَ الزَّجَّاجُ : يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ طَعْمُ الطِّيبِ فِيهَا وَالْكَافُورِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَمْزُجَ بِالْكَافُورِ وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَلَا وَصَبٌ .
اللَّيْثُ : الْكَافُورُ نَبَاتٌ لَهُ نَوْرٌ أَبْيَضُ كَنَوْرِ الْأُقْحُوَانِ ، وَالْكَافُورُ عَيْنُ مَاءٍ فِي الْجَنَّةِ طَيِّبِ الرِّيحِ ، وَالْكَافُورُ مِنْ أَخْلَاطِ الطِّيبِ . وَفِي الصِّحَاحِ : مِنَ الطِّيبِ ، وَالْكَافُورُ وِعَاءُ الطَّلْعِ ؛ وَأَمَّا قَوْلُ الرَّاعِي :
وَالْكَافُورُ أَيْضًا : الْإِغْرِيضُ ، وَالْكُفُرَّى : الْكَافُورُ الَّذِي هُوَ الْإِغْرِيضُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الصُّمُوغِ الْكَافُورُ . وَالْكَافِرُ مِنَ الْأَرَضِينَ : مَا بَعُدَ وَاتَّسَعَ .
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ . الْكَوَافِرُ النِّسَاءُ الْكَفَرَةُ ، وَأَرَادَ عَقْدَ نِكَاحِهِنَّ . وَالْكَفْرُ : الْقَرْيَةُ ، سُرْيَانِيَّةٌ ، وَمِنْهُ قِيلَ كَفْرُ تُوتَى وَكَفْرُ عَاقِبٍ وَكَفْرُ بَيَّا ، وَإِنَّمَا هِيَ قُرَى نُسِبَتْ إِلَى رِجَالٍ ، وَجَمْعُهُ كُفُورٌ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : لَتُخْرِجَنَّكُمْ الرُّومُ مِنْهَا كَفْرًا كَفْرًا إِلَى سُنْبُكٍ مِنَ الْأَرْضِ ، قِيلَ : وَمَا ذَلِكَ السُّنْبُكُ ؟ قَالَ : حِسْمَى جُذَامٍ أَيْ مِنْ قُرَى الشَّامِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَوْلُهُ كَفْرًا كَفْرًا يَعْنِي قَرْيَةً قَرْيَةً ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا أَهْلُ الشَّامِ يُسَمُّونَ الْقَرْيَةَ الْكَفْرَ . وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَهْلُ الْكُفُورِ هُمْ أَهْلُ الْقُبُورِ .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : يَعْنِي بِالْكُفُورِ الْقُرَى النَّائِيَةَ عَنِ الْأَمْصَارِ وَمُجْتَمَعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَالْجَهْلُ عَلَيْهِمْ أَغْلَبُ وَهُمْ إِلَى الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ أَسْرَعُ ؛ يَقُولُ : إِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتَى لَا يُشَاهِدُونَ الْأَمْصَارَ وَالْجُمُعَ وَالْجَمَاعَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا . وَالْكَفْرُ : الْقَبْرُ ، وَمِنْهُ قِيلَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ الْكُفُورِ . ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : اكْتَفَرَ فُلَانٌ أَيْ لَزِمَ الْكُفُورَ .
وَفِي الْحَدِيثِ : لَا تَسْكُنِ الْكُفُورَ فَإِنَّ سَاكِنَ الْكُفُورِ كَسَاكِنِ الْقُبُورِ . قَالَ الْحَرْبِيُّ : الْكُفُورُ مَا بَعُدَ مِنَ الْأَرْضِ عَنِ النَّاسِ فَلَا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ ؛ وَأَهْلُ الْكُفُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْمُدُنِ كَالْأَمْوَاتِ عِنْدَ الْأَحْيَاءِ فَكَأَنَّهُمْ فِي الْقُبُورِ . وَفِي الْحَدِيثِ : عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ أَيْ قَرْيَةً قَرْيَةً .
وَقَوْلُ الْعَرَبِ : كَفْرٌ عَلَى كَفْرٍ أَيْ بَعْضٌ عَلَى بَعْضْ . وَأَكْفَرَ الرَّجُلُ مُطِيعَهُ : أَحْوَجَهُ أَنْ يَعْصِيَهُ . التَّهْذِيبُ : إِذَا أَلْجَأْتَ مُطِيعَكَ إِلَى أَنْ يَعْصِيَكَ فَقَدَ أَكْفَرْتَهُ .
وَالتَّكْفِيرُ : إِيمَاءُ الذِّمِّيِّ بِرَأْسِهِ ، لَا يُقَالُ : سَجَدَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ وَلَكِنْ كَفَّرَ لَهُ تَكْفِيرًا . وَالْكُفْرُ : تَعْظِيمُ الْفَارِسِيِّ لِمَلِكِهِ . وَالتَّكْفِيرُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ : أَنْ يُطَأْطِئَ أَحَدُهُمْ رَأْسَهُ لِصَاحِبِهِ كَالتَّسْلِيمِ عِنْدَنَا ، وَقَدْ كَفَّرَ لَهُ .
ج١٣ / ص٨٨وَالتَّكْفِيرُ : أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ يَدَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ ، قَالَ جَرِيرٌ يُخَاطِبُ الْأَخْطَلَ وَيَذْكُرُ مَا فَعَلَتْ قَيْسٌ بِتَغْلِبَ فِي الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَهُمْ :
وَالتَّكْفِيرُ : هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنَ الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ . وَالتَّكْفِيرُ : تَتْوِيجُ الْمَلِكِ بِتَاجٍ إِذَا رُؤِيَ كُفِّرَ لَهُ . الْجَوْهَرِيُّ : التَّكْفِيرُ أَنْ يَخْضَعَ الْإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ كَمَا يُكَفِّرُ الْعِلْجُ لِلدَّهَاقِينَ ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ جَرِيرٍ .
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَالنَّجَاشِيِّ : رَأَى الْحَبَشَةَ يَدْخُلُونَ مِنْ خَوْخَةٍ مُكَفِّرِينَ فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ وَدَخَلَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَعْشَرٍ : أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّكْفِيرَ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الِانْحِنَاءُ الْكَثِيرُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ قَبْلَ الرُّكُوعِ ؛ وَقَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ ثَوْرًا :
قَالَ أَبُو عَمْرٍو : الْكَفَرُ الثَّنَايَا الْعِقَابُ ، الْوَاحِدَةُ كَفَرَةٌ ؛ قَالَ أُمَيَّةُ :
وَفِي نَوَادِرِ الْأَعْرَابِ : الْكَافِرَتَانِ وَالْكَافِلَتَانِ الْأَلْيَتَانِ .