كون
[ كون ] كون : الْكَوْنُ : الْحَدَثُ ، وَقَدْ كَانَ كَوْنًا وَكَيْنُونَةً ; عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَكُرَاعٍ ، وَالْكَيْنُونَةُ فِي مَصْدَرِ كَانَ يَكُونُ أَحْسَنُ . قَالَ الْفَرَّاءُ : الْعَرَبُ تَقُولُ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ مِمَّا يُشْبِهُ زِغْتُ وَسِرْتُ : طِرْتُ طَيْرُورَةً وَحِدْتُ حَيْدُودَةً فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ هَذَا الضَّرْبِ ، فَأَمَّا ذَوَاتُ الْوَاوِ مِثْلَ قُلْتُ وَرُضْتُ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَتَى عَنْهُمْ فِي أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ : مِنْهَا الْكَيْنُونَةُ مِنْ كُنْتُ ، وَالدَّيْمُومَةُ مِنْ دُمْتُ ، وَالْهَيْعُوعَةُ مِنَ الْهُوَاعِ ، وَالسَّيْدُودَةُ مِنْ سُدْتُ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَوْنُونَةً ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا قَلَّتْ فِي مَصَادِرِ الْوَاوِ وَكَثُرَتْ فِي مَصَادِرِ الْيَاءِ أَلْحَقُوهَا بِالَّذِي هُوَ أَكْثَرُ مَجِيئًا مِنْهَا ، إِذ كَانَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ مَتَقَارِبَتَيِ الْمَخْرَجِ . قَالَ : ج١٣ / ص١٣٦وَكَانَ الْخَلِيلُ يَقُولُ : كَيْنُونَةٌ فَيْعُولَةٌ هِيَ فِي الْأَصْلِ كَيْوَنُونَةٌ ، الْتَقَتْ مِنْهَا يَاءٌ وَوَاوٌ وَالْأُولَى مِنْهُمَا سَاكِنَةٌ فَصَيَّرَتَا يَاءً مُشَدَّدَةً مِثْلَ مَا قَالُوا الْهَيِّنُ مَنْ هُنْتُ ، ثُمَّ خَفَّفُوهَا فَقَالُوا كَيْنُونَةٌ كَمَا قَالُوا هَيْنٌ لَيْنٌ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : وَقَدْ ذَهَبَ مَذْهَبًا إِلَّا أَنَّ الْقَوْلَ عِنْدِي هُوَ الْأَوَّلُ ; وَقَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، جَاهِلِيٌّ : لَمْ يَكُ الْحَقُّ سِوَى أَنْ هَاجَهُ رَسْمُ دَارٍ قَدْ تَعَفَّى بِالسَّرَرْ .
إِنَّمَا أَرَادَ : لَمْ يَكُنِ الْحَقُّ ، فَحَذَفَ النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، وَكَانَ حُكْمُهُ إِذَا وَقَعَتِ النُّونُ مَوْقِعًا تُحَرَّكُ فِيهِ فَتَقْوَى بِالْحَرَكَةِ أَنْ لَا يَحْذِفَهَا لِأَنَّهَا بِحَرَكَتِهَا قَدْ فَارَقَتْ شِبْهَ حُرُوفِ اللِّينِ ، إِذْ كُنَّ لَا يَكُنَّ إِلَّا سَوَاكِنَ ، وَحَذْفُ النُّونِ مِنْ يَكُنْ أَقْبَحُ مِنْ حَذْفِ التَّنْوِينِ وَنُونِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ ، لِأَنَّ نُونَ يَكُنْ أَصْلٌ وَهِيَ لَامُ الْفِعْلِ ، وَالتَّنْوِينُ وَالنُّونُ زَائِدَانِ ، فَالْحَذْفُ مِنْهُمَا أَسْهَلُ مِنْهُ فِي لَامِ الْفِعْلِ ، وَحَذْفُ النُّونِ أَيْضًا مِنْ يَكُنْ أَقْبَحُ مِنْ حَذْفِ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ : غَيْرَ الَّذِي قَدْ يُقَالُ مِلْكَذِبِ ، لِأَنَّ أَصْلَهُ يَكُونُ قَدْ حُذِفَتْ مِنْهُ الْوَاوُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، فَإِذَا حَذَفْتَ مِنْهُ النُّونَ أَيْضًا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ أَجْحَفْتَ بِهِ لِتَوَالِيَ الْحَذْفَيْنِ ، لَا سِيَّمَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : وَلَكَ أَيْضًا أَنْ تَقُولَ إِنَّ ( مِنْ ) حَرْفٌ ، وَالْحَذْفُ فِي الْحَرْفِ ضَعِيفٌ إِلَّا مَعَ التَّضْعِيفِ ، نَحْوَ إِنَّ وَرَبَّ ، قَالَ : هَذَا قَوْلُ ابْنِ جِنِّي ، قَالَ : وَأَرَى أَنَا شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَاءَ بِالْحَقِّ بَعْدَمَا حَذَفَ النُّونَ مِنْ يَكُنْ ، فَصَارَ يَكُ مِثْلَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَمْ يَكُ شَيْئًا . فَلَمَّا قَدَّرَهُ يَكُ ، جَاءَ بِالْحَقِّ بَعْدَمَا جَازَ الْحَذْفُ فِي النُّونِ ، وَهِيَ سَاكِنَةٌ تَخْفِيفًا ، فَبَقِيَ مَحْذُوفًا بِحَالِهِ فَقَالَ : لَمْ يَكُ الْحَقُّ ، وَلَوْ قَدَّرَهُ يَكُنْ فَبَقِيَ مْحَذُوفًا ، ثُمَّ جَاءَ بِالْحَقِّ لَوَجَبَ أَنْ يَكْسِرَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَيَقْوَى بِالْحَرَكَةِ ، فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَذْفِهَا إِلَّا مُسْتَكْرَهًا ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَكُنِ الْحَقُّ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْخَنْجَرِ بْنِ صَخْرٍ الْأَسَدِيِّ :
وَمِثْلُهُ مَا حَكَاهُ قُطْرُبٌ : أَنَّ يُونُسَ أَجَازَ لَمْ يَكُ الرَّجُلُ مُنْطَلِقًا ; وَأَنْشَدَ بَيْتَ الْحَسَنِ بْنِ عُرْفُطَةَ :
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : التَّكَوُّنُ التَّحَرُّكُ ، تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ تَشْنَؤُهُ : لَا كَانَ وَلَا تَكَوَّنَ ; لَا كَانَ : لَا خُلِقَ ، وَلَا تَكَوَّنَ : لَا تَحَرَّكَ أَيْ مَاتَ . وَالْكَائِنَةُ : الْأَمْرُ الْحَادِثُ . وَكَوَّنَهُ فَتَكَوَّنَ : أَحْدَثَهُ فَحَدَثَ .
وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَتَكَوَّنُ عَلَى صُورَتِي . وَكَوَّنَ الشَّيْءَ : أَحْدَثَهُ . وَاللَّهُ مُكَوِّنُ الْأَشْيَاءِ يُخْرِجُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ .
وَبَاتَ فُلَانٌ بِكِينَةِ سَوْءٍ وَبِجِيبَةِ سَوْءٍ أَيْ بِحَالَةِ سَوْءٍ . وَالْمَكَانُ : الْمَوْضِعُ ، وَالْجَمْعُ أَمْكِنَةٌ وَأَمَاكِنُ ، تَوَهَّمُوا الْمِيمَ أَصْلًا حَتَّى قَالُوا تَمَكَّنَ فِي الْمَكَانِ ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا فِي تَكْسِيرِ الْمَسِيلِ أَمْسِلَةً ، وَقِيلَ : الْمِيمُ فِي الْمَكَانِ أَصْلٌ كَأَنَّهُ مِنَ التَّمَكُّنِ دُونَ الْكَوْنِ ، وَهَذَا يُقَوِّيهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَكْسِيرِهِ عَلَى أَفْعِلَةٍ ; وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ فِي جَمْعِهِ أَمْكُنٌ ، وَهَذَا زَائِدٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ وَزْنَ الْكَلِمَةِ فَعَالٌ دُونَ مَفْعَلٍ ، فَإِنْ قُلْتَ فَإِنَّ فَعَالًا لَا يُكْسَرُ عَلَى أَفْعُلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا كَأَتَانٍ وَآتُنٍ . اللَّيْثُ : الْمَكَانُ اشْتِقَاقُهُ مَنْ كَانَ يَكُونُ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَثُرَ فِي الْكَلَامِ صَارَتِ الْمِيمُ كَأَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ ، وَالْمَكَانُ مُذَكَّرٌ ، قِيلَ : تَوَهَّمُوا فِيهِ طَرْحَ الزَّائِدِ كَأَنَّهُمْ كَسَّرُوا مَكَنًا وَأَمْكُنٌ ، عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، مِمَّا كُسِّرَ عَلَى غَيْرِ مَا يُكَسَّرُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ ، وَمَضَيْتُ مَكَانَتِي وَمَكِينَتِي أَيْ عَلَى طِيَّتِي .
وَالِاسْتِكَانَةُ : الْخُضُوعُ . الْجَوْهَرِيُّ : وَالْمَكَانَةُ الْمَنْزِلَةُ . وَفُلَانٌ مَكِينٌ عِنْدَ فُلَانٍ بَيِّنُ الْمَكَانَةِ .
وَالْمَكَانَةُ الْمَوْضِعُ . قَالَ تَعَالَى : وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ . قَالَ : وَلَمَّا كَثُرَ لُزُومُ الْمِيمِ تُوُهِّمَتْ أَصْلِيَّةً فَقِيلَ تَمَكَّنَ كَمَا قَالُوا مِنَ الْمِسْكِينِ تَمَسْكَنَ ، ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ ذَلِكَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : مَكِينٌ فَعِيلٌ وَمَكَانٌ فَعَالٌ وَمَكَانَةٌ فَعَالَةٌ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مِنَ الْكَوْنِ فَهَذَا سَهْوٌ ، وَأَمْكِنَةٌ أَفْعِلَةٌ ، وَأَمَا تَمَسْكَنَ فَهُوَ تَمَفْعَلَ كَتَمَدْرَعَ مُشْتَقًّا مِنَ الْمِدْرَعَةِ بِزِيَادَتِهِ ، فَعَلَى قِيَاسِهِ يَجِبُ فِي تَمَكَّنَ تَمَكْوَنَ ؛ لِأَنَّهُ تَمَفْعَلَ عَلَى اشْتِقَاقِهِ لَا تَمَكَّنَ ، وَتَمَكَّنَ وَزْنُهُ تَفَعَّلَ ، وَهَذَا كُلُّهُ سَهْوٌ وَمَوْضِعُهُ فَصْلُ الْمِيمِ مِنْ بَابِ النُّونِ ، وَسَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ .
وَكَانَ وَيَكُونُ : مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَرْفَعُ الْأَسْمَاءَ وَتَنْصِبُ الْأَخْبَارَ ، كَقَوْلِكَ كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا وَيَكُونُ عَمْرٌو ذَاهِبًا ، وَالْمَصْدَرُ كَوْنًا وَكَيَانًا . قَالَ الْأَخْفَشُ فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِالْقَوَافِي : وَيَقُولُونَ أَزَيْدًا كُنْتَ لَهُ ; قَالَ ابْنُ جِنِّي : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنِ الْعَرَبِ لِأَنَّ الْأَخْفَشَ إِنَّمَا يَحْتَجُّ بِمَسْمُوعِ الْعَرَبِ لَا بِمَقِيسِ النَّحْوِيِّينَ ، وَإِذَا كَانَ قَدْ سَمِعَ عَنْهُمْ أَزَيْدًا كُنْتَ لَهُ ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ كَانَ عَلَيْهَا ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُفَسِّرُ الْفِعْلَ النَّاصِبَ الْمُضْمَرَ إِلَّا بِمَا لَوْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لَتَسَلَّطَ عَلَى الِاسْمِ الْأَوَّلِ فَنَصَبَهُ ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ أَزَيْدًا ضَرَبْتَهُ ، وَلَوْ شِئْتَ لَحَذَفْتَ الْمَفْعُولَ فَتَسَلَّطَتْ ضَرَبْتَ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ عَلَى زَيْدٍ نَفْسِهِ فَقُلْتَ أَزَيْدًا ضَرَبْتَ ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ أَزَيْدًا كُنْتَ لَهُ يَجُوزُ فِي قِيَاسِهِ أَنْ تَقُولَ أَزَيْدًا كُنْتَ ، وَمَثَّلَ سِيبَوَيْهِ كَانَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فَقَالَ : وَتَقُولُ كُنَّاهُمْ كَمَا تَقُولُ ضَرَبْنَاهُمْ ، وَقَالَ إِذَا لَمْ تَكُنْهُمْ فَمَنْ ذَا يَكُونُهُمْ كَمَا تَقُولُ إِذَا لَمْ تَضْرِبْهُمْ فَمَنْ ذَا يَضْرِبُهُمْ ، قَالَ : وَتَقُولُ هُوَ كَائِنٌ وَمَكُونٌ كَمَا تَقُولُ ضَارِبٌ وَمَضْرُوبٌ . غَيْرُهُ : وَكَانَ تَدُلُّ عَلَى خَبَرٍ مَاضٍ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ ، وَلَا تَكُونُ صِلَةً فِي أَوَّلِهِ لِأَنَّ الصِّلَةَ تَابِعَةٌ لَا مَتْبُوعَةٌ ; وَكَانَ فِي مَعْنَى جَاءَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ :
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ هَاهُنَا صِلَةٌ ، وَمَعْنَاهُ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، قَالَ : وَقَالَ الْفَرَّاءُ كَانَ هَاهُنَا شَرْطٌ وَفِي الْكَلَامِ تَعَجُّبٌ ، وَمَعْنَاهُ مَنْ يَكُنْ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ يُكَلَّمُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا . وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ قَالَ : قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَانَ فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : كَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا لِعِبَادِهِ وَعَنْ عِبَادِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ ، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ الْبَصْرِيُّونَ : كَأَنَّ الْقَوْمَ شَاهَدُوا مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً فَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَادِثٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ : كَانَ وَفَعَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ مَا فِي الْحَالِ ، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَاللَّهُ عَفُوٌّ غَفُورٌ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : الَّذِي قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ أَدْخَلُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ فَمَعْنَاهُ يَؤُولُ إِلَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَسِيبَوَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ كَوْنَ الْمَاضِي بِمَعْنَى الْحَالِ يَقِلُّ ، وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ لَهُ مِنَ الْحُجَّةِ ، قَوْلُنَا غَفَرَ اللَّهُ لِفُلَانٍ بِمَعْنَى لِيَغْفِرَ اللَّهُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْحَالِ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ الْمَاضِي مُؤَدِّيًا عَنْهَا اسْتِخْفَافًا ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ الْأَفْعَالِ إِنَّمَا وَقَعَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ; أَيْ أَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ ، قَالَ : وَيُقَالُ مَعْنَاهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْكَوْنُ مَصْدَرُ كَانَ التَّامَّةِ ; يُقَالُ : كَانَ يَكُونُ كَوْنًا أَيْ وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ ، يَعْنِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّقْصِ بَعْدَ الْوُجُودِ وَالثَّبَاتِ ، وَيُرْوَى : بَعْدَ الْكَوْرِ ، بِالرَّاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ في مَوْضِعُهُ . الْجَوْهَرِيُّ : كَانَ إِذَا جَعَلْتَهُ عِبَارَةً عَمَّا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ احْتَاجَ إِلَى خَبَرٍ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى الزَّمَانِ فَقَطْ ، تَقُولُ : كَانَ زَيْدٌ عَالِمًا ، وَإِذَا جَعَلْتَهُ عِبَارَةً عَنْ حُدُوثِ الشَّيْءِ وَوُقُوعِهِ اسْتُغْنَى عَنِ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَزَمَانٍ ، تَقُولُ : كَانَ الْأَمْرُ وَأَنَا أَعْرِفُهُ مُذْ كَانَ أَيْ مُذْ خُلِقَ ; قَالَ مَقَّاسٌ الْعَائِذِيُّ :
وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ :
وَفِيهِ : فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ; وَفِيهِ : وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ; وَفِيهِ : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ; وَفِيهِ : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا . أَيْ صِرْتَ إِلَيْهَا ; وَقَالَ ابْنُ أَحْمَرَ :
وَكَانَ الزَّائِدَةُ لَا تُزَادُ أَوَّلًا ، وَإِنَّمَا تُزَادُ حَشْوًا ، وَلَا يَكُونُ لَهَا اسْمٌ وَلَا خَبَرٌ ، وَلَا عَمَلَ لَهَا ; وَمِنْ شَوَاهِدِهَا بِمَعْنَى يَكُونُ لِلْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ :
قَالَ : وَقَدْ يَجِيءُ خَبَرُ كَانَ فِعْلًا مَاضِيًّا كَقَوْلِ حُمَيْدٍ الْأَرْقَطِ :
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : أَصْلُ كَيَّنُونَةٍ كَيْوَنُونَةٌ ، وَوَزْنُهَا فَيْعَلُولَةٌ ، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً فَصَارَ كَيَّنُونَةً ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا فَصَارَ كَيْنُونَةً ، وَقَدْ جَاءَتْ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْأَصْلِ ; قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَنْشَدَنِي النَّهْشَلِيُّ :
وَتَقُولُ : جَاءَ زَيْدٌ الشَّرِيفَ أَيْ صَارَ زَيْدٌ الشَّرِيفَ ; وَمِنْهَا : طَفِقَ يَفْعَلُ ، وَأَخَذَ يَكْتُبُ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ ، وَجَعَلَ يَقُولُ . وَفِي حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ : رَأَى رَجُلًا لَا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ ، فَقَالَ كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ أَيْ صِرْهُ . يُقَالُ لِلرَّجُلِ يُرَى مِنْ بُعْدٍ : كُنْ فُلَانًا أَيْ أَنْتَ فُلَانٌ أَوْ هُوَ فُلَانٌ .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى رَجَلًا بَذَّ الْهَيْئَةِ ، فَقَالَ : كُنْ أَبَا مُسْلِمٍ ، يَعْنِي الْخَوْلَانِيَّ . وَرَجُلٌ كُنْتِيٌّ : كَبِيرٌ ، نُسِبَ إِلَى كُنْتُ . وَقَدْ قَالُوا كُنْتُنِيٌّ نُسِبَ إِلَى كُنْتُ أَيْضًا ، وَالنُّونُ الْأَخِيرَةُ زَائِدَةٌ ; قَالَ : وَمَا أَنَّا كُنْتِيٌّ وَلَا أَنَا عَاجِنُ وَشَرُّ الرِّجَالِ الْكُنْتُنِيُّ وَعَاجِنُ .
وَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ إِخْرَاجَهُ عَلَى الْأَصْلِ أَقِيسُ فَتَقُولُ كُونِيٌّ ، عَلَى حَدِّ مَا يُوجِبُ النَّسَبَ إِلَى الْحِكَايَةِ . الْجَوْهَرِيُّ : يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا شَاخَ هُوَ كُنْتِيٌّ ، كَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى قَوْلِهِ كُنْتُ فِي شَبَابِي كَذَا ; وَأَنْشَدَ :
وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَامَّةُ أَهْلِهِ الْكُنْتِيُّونَ ; هُمُ الشُّيُوخُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كُنَّا كَذَا ، وَكَانَ كَذَا ، وَكُنْتُ كَذَا ، فَكَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى كُنْتُ . يُقَالُ : كَأَنَّكَ وَاللَّهِ قَدْ كُنْتَ وَصِرْتَ إِلَى كَانَ وَكُنْتَ أَيْ صِرْتَ ج١٣ / ص١٣٩إِلَى أَنْ يُقَالَ عَنْكَ : كَانَ فُلَانٌ ، أَوْ يُقَالُ لَكَ فِي حَالِ الْهَرَمُ : كُنْتَ مَرَّةً كَذَا ، وَكُنْتَ مَرَّةً كَذَا . الْأَزْهَرِيُّ فِي تَرْجَمَةِ كَنَتَ : ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ كَنَتَ فُلَانٌ فِي خَلْقِهِ ، وَكَانَ فِي خَلْقِهِ ، فَهُوَ كُنْتِيٌّ وَكَانِيٌّ .
ابْنُ بُزُرْجَ : الْكُنْتِيُّ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ ; وَأَنْشَدَ :
قَالَ أَبُو نَصْرٍ : اكْتَنِتِ ارْضَ بِمَا أَنْتَ فِيهِ ; وَقَالَ غَيْرُهُ : الِاكْتِنَاتُ الْخُضُوعُ ; قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ :
ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : قِيلَ لِصَبِيَّةٍ مِنَ الْعَرَبِ مَا بَلَغَ الْكِبَرُ مِنْ أَبِيكَ ؟ قَالَتْ : قَدْ عَجَنَ وَخَبَزَ ، وَثَنَّى وَثَلَّثَ ، وَأَلْصَقَ وَأَوْرَصَ ، وَكَانَ وَكَنَتَ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : وَأَخْبَرَنِي سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ : الْكُنْتُنِيُّ فِي الْجِسْمِ ، وَالْكَانِيُّ فِي الْخُلُقِ . قَالَ : وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ إِذَا قَالَ كُنْتُ شَابًّا وَشُجَاعًا فَهُوَ كُنْتِيٌّ ، وَإِذَا قَالَ كَانَ لِي مَالٌ فَكُنْتُ أُعْطِي مِنْهُ فَهُوَ كَانِيٌّ .
وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ فِي بَابِ الْمَجْمُوعِ مُثَلَّثًا : رَجُلٌ كِنْتَأْوٌ وَرَجُلَانِ كِنْتَأْوَانِ وَرِجَالٌ كِنْتَأْوُونَ ، وَهُوَ الْكَثِيرُ شَعَرِ اللِّحْيَةِ الْكَثُّهَا ; وَمِنْهُ : جَمَلٌ سِنْدَأْوٌ وَسِنْدَأْوَانِ وَسِنْدَأْوُونَ ، وَهُوَ الْفَسِيحُ مِنَ الْإِبِلِ فِي مِشْيَتِهِ ، وَرَجُلٌ قِنْدَأْوٌ وَرَجُلَانِ قِنْدَأْوَانِ ، وَرِجَالٌ قِنْدَأْوُونَ مَهْمُوزَاتٌ . وَفِي الْحَدِيثِ : دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْمَسْجِدَ وَعَامَّةُ أَهْلِهِ الْكُنْتِيُّونَ ، فَقُلْتُ : مَا الْكُنْتِيُّونَ ؟ فَقَالَ : الشُّيُوخُ الَّذِينَ يَقُولُونَ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَكُنْتُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : دَارَتْ رَحَى الْإِسْلَامِ عَلَيَّ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ ، وَلِأَنْ تَمُوتَ أَهْلُ دَارِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الذِّبَّانِ وَالْجِعْلَانِ . قَالَ شَمِرٌ : قَالَ الْفَرَّاءُ تَقُولُ كَأَنَّكَ وَاللَّهِ قَدْ مُتَّ وَصِرْتَ إِلَى كَانَ ، وَكَأَنَّكُمَا مُتُّمَا وَصِرْتُمَا إِلَى كَانَا ، وَالثَّلَاثَةُ كَانُوا ; الْمَعْنَى صِرْتَ إِلَى أَنْ يُقَالَ كَانَ وَأَنْتَ مَيِّتٌ لَا وَأَنْتَ حَيُّ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى لَهُ الْحِكَايَةُ عَلَى كُنْتَ مَرَّةً لِلْمُوَاجَهَةِ وَمَرَّةً لِلْغَائِبِ ، كَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَسَيُغْلَبُونَ ; هَذَا عَلَى مَعْنَى كُنْتَ وَكُنْتَ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَكُلُّ أَمْرٍ يَوْمًا يَصِيرُ كَانَ .
وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ : كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ صِرْتَ كَانِيًّا أَيْ يُقَالُ كَانَ وَلِلْمَرْأَةِ كَانِيَّةٌ ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّكَ صِرْتَ مِنَ الْهَرَمِ إِلَى أَنْ يُقَالَ كُنْتَ مَرَّةً وَكُنْتَ مَرَّةً ، قِيلَ : أَصْبَحْتَ كُنْتِيًّا وَكُنْتُنِيًّا ، وَإِنَّمَا قَالَ كُنْتُنِيًّا لِأَنَّهُ أَحْدَثَ نُونًا مَعَ الْيَاءِ فِي النِّسْبَةِ لِيَتَبَيَّنَ الرَّفْعُ ، كَمَا أَرَادُوا تَبَيُّنَ النَّصْبِ فِي ضَرَبَنِي ، وَلَا يَكُونُ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِثْنَاءِ ، تَقُولُ : جَاءَ الْقَوْمُ لَا يَكُونُ زَيْدًا ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضْمَرًا فِيهَا ، وَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يَكُونُ الْآتِي زَيْدًا وَتَجِيءُ كَانَ زَائِدَةً كَقَوْلِهِ :
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : كَانَ إِذَا كَفَلَ . وَالْكِيَانَةُ : الْكَفَالَةُ ، كُنْتُ عَلَى فُلَانٍ أَكُونُ كَوْنًا أَيْ تَكَفَّلْتُ بِهِ . وَتَقُولُ : كُنْتُكَ وَكُنْتُ إِيَّاكَ كَمَا تَقُولُ ظَنَنْتُكَ زَيْدًا وَظَنَنْتُ زَيْدًا إِيَّاكَ ، تَضَعُ الْمُنْفَصِلَ مَوْضِعَ الْمُتَّصِلِ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ ، لِأَنَّهُمَا مُنْفَصِلَانِ فِي الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ :
وَالْكَوْنُ : وَاحِدُ الْأَكْوَانِ . وَسَمْعُ الْكِيَانِ : كِتَابٌ لِلْعَجَمِ ; قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : سَمْعُ الْكِيَانِ بِمَعْنَى سَمَاعِ الْكِيَانِ ; وَسَمْعُ بِمَعْنَى ذِكْرِ الْكِيَانِ ، وَهُوَ كِتَابٌ أَلَّفَهُ أَرَسْطُو . وَكِيُوانُ زُحَلُ : الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي خَيْوَانَ ; وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ ، وَالْمَانِعُ لَهُ مِنَ الصَّرْفِ الْعُجْمَةُ ، كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ لِخَيْوَانَ مِنَ الصَّرْفِ إِنَّمَا هُوَ التَّأْنِيثُ وَإِرَادَةُ الْبُقْعَةِ أَوِ الْأَرْضِ أَوِ الْقَرْيَةِ .
وَالْكَانُونُ : إِنْ جَعَلْتَهُ مِنَ الْكِنِّ فَهُوَ فَاعُولٌ ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ فَعَلُولًا عَلَى تَقْدِيرِ قَرَبُوسٍ فَالْأَلِفُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ ، وَهِيَ مِنَ الْوَاوِ ، سُمِّيَ بِهِ مَوْقِدُ النَّارِ .