لا
حَرْفُ اللَّامِ اللَّامُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ وَهِيَ مِنْ حُرُوفِ الذُّلْقِ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ : الرَّاءُ وَاللَّامُ وَالنُّونُ ، وَهِيَ فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ حَرْفِ الْبَاءِ كَثْرَةَ دُخُولِ الْحُرُوفِ الذُّلْقِ وَالشَّفَوِيَّةِ فِي الْكَلَامِ . ] [ لا ] لا : اللَّيْثُ : لَا حَرْفٌ يُنْفَى بِهِ وَيُجْحَدُ بِهِ ، وَقَدْ تَجِيءُ زَائِدَةً مَعَ الْيَمِينِ كَقَوْلِكَ : لَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾وَأَشْكَالِهَا فِي الْقُرْآنِ : لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ لَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا لَغْوٌ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ : لَا رَدٌّ لِكَلَامٍ تَقَدَّمَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ . قَالَ الْفَرَّاءُ : وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ لَا صِلَةٌ ، قَالَ : وَلَا يُبْتَدَأُ بِجَحْدٍ ثُمَّ يُجْعَلُ صِلَةً يُرَادُ بِهِ الطَّرْحَ ، لِأَنَّ هَذَا لَوْ جَازَ لَمْ يُعْرَفْ خَبَرٌ فِيهِ جَحْدٌ مِنْ خَبَرٍ لَا جَحْدَ فِيهِ ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ نَزَلَ بِالرَّدِّ عَلَى الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، فَجَاءَ الْإِقْسَامُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَإ مِنْهُ وَغَيْرِ الْمُبْتَدَإ كَقَوْلِكَ فِي الْكَلَامِ : لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ ، جَعَلُوا لَا ، وَإِنْ رَأَيْتَهَا مُبْتَدَأَةً ، رَدًّا لِكَلَامٍ قَدْ مَضَى . فَلَوْ أُلْغِيَتْ لَا مِمَّا يُنْوَى بِهِ الْجَوَابُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْيَمِينِ الَّتِي تَكُونُ جَوَابًا وَالْيَمِينِ الَّتِي تُسْتَأْنَفُ فَرْقٌ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : الْعَرَبُ تَطْرَحُ لَا وَهِيَ مَنْوِيَّةٌ كَقَوْلِكَ : وَاللَّهِ أَضْرِبُكَ ، تُرِيدُ وَاللَّهِ لَا أَضْرِبُكَ; وَأَنْشَدَ : وَآلَيْتُ آسَى عَلَى هَالِكِ وَأَسْأَلُ نَائِحَةً مَا لَهَا . أَرَادَ : لَا آسَى وَلَا أَسْأَلُ . قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَأَفَادَنِي الْمُنْذِرِيُّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا قَالَ : مَخَافَةَ أَنْ تَضِلُّوا وَحِذَارَ أَنْ تَضِلُّوا ، وَلَوْ كَانَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ لَا تَضِلُّوا لَكَانَ صَوَابًا .
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَكَذَلِكَ أَنْ لَا تَضِلَّ وَأَنْ تَضِلَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . قَالَ : وَمِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا يُرِيدُ أَنْ لَا تَزُولَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَيْ : أَنْ لَا تَحْبَطَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا مَعْنَاهُ : أَنْ لَا تَقُولُوا ، قَالَ : وَقَوْلُكَ : أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ أَنْ لَا تَقُولَهُ وَأَنْ تَقُولَهُ ، فَأَمَّا أَنْ لَا تَقُولَهُ فَجَاءَتْ لَا لِأَنَّكَ لَمْ تُرِدْ أَنْ يَقُولَهُ .
وَقَوْلُكَ : أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقُولَهُ سَأَلْتُكَ هَذَا فِيهَا مَعْنَى النَّهْيِ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ فِي الْكَلَامِ وَاللَّهِ أَقُولُ ذَلِكَ أَبَدًا ، وَاللَّهِ لَا أَقُولُ ذَلِكَ أَبَدًا ؟ لَا هَاهُنَا طَرْحُهَا وَإِدْخَالُهَا سَوَاءٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ لَهُ إِبَاءٌ وَإِنْعَامٌ ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَجِيءُ مِنْ بَابِ الْإِنْعَامِ مُوَافِقًا لِلْإِبَاءِ كَانَ سَوَاءً وَمَا لَمْ يَكُنْ لَمْ يَكُنْ . أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : آتِيكَ غَدًا وَأَقُومُ مَعَكَ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْإِنْعَامِ ؟ فَإِذَا قُلْتَ : وَاللَّهِ أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى وَاللَّهِ لَا أَقُولُ ذَلِكَ صَلَحَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْعَامَ وَاللَّهِ لِأَقُولَنَّهُ وَاللَّهِ لِأَذْهَبَنَّ مَعَكَ لَا يَكُونُ وَاللَّهِ أَذْهَبُ مَعَكَ وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ ، قَالَ : وَاعْلَمْ أَنَّ لَا لَا تَكُونُ صِلَةً إِلَّا فِي مَعْنَى الْإِبَاءِ وَلَا تَكُونُ فِي مَعْنَى الْإِنْعَامِ . ( التَّهْذِيبُ ) : قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ لَا صِلَةً إِذَا اتَّصَلَتْ بِجَحْدٍ قَبْلَهَا ; قَالَ الشَّاعِرُ : مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ وَالْأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ .
أَرَادَ : وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قَالَ الْعَرَبُ تَقُولُ : لَا صِلَةً فِي كُلِّ كَلَامٍ دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ جَحْدٌ أَوْ فِي آخِرِهِ جَحْدٌ غَيْرُ مُصَرَّحٍ ، فَهَذَا مِمَّا دَخَلَ آخِرَهُ الْجَحْدُ فَجُعِلَتْ لَا فِي أَوَّلِهِ صِلَةً . قَالَ : وَأَمَّا الْجَحْدُ السَّابِقُ الَّذِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فَقَوْلُكَ : مَا مَنَعَكَ ألَا تَسْجُدَ ، وَقَوْلُهُ : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ .
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾، وَفِي الْحَرَامِ مَعْنَى جَحْدٍ وَمَنْعٍ ، وَفِي قَوْلِهِ : وَمَا يُشْعِرُكُمْ مِثْلُهُ ، فَلِذَلِكَ جُعِلَتْ لَا بَعْدَهُ صِلَةً مَعْنَاهَا السُّقُوطُ مِنَ الْكَلَامِ . قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ ، قَالَ : وَأُرَاهُ عَرَّضَ بِأَبِي عُبَيْدَةَ ، إِنَّ مَعْنَى غَيْرِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مَعْنَى سِوَى وَإِنَّ لَا صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ ; وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : فِي بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ بِإِفْكِهِ ، حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرْ قَالَ : وَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَقَعَ فِيمَا لَا يَتَبَيَّنْ فِيهِ عَمَلَهُ ، فَهُوَ جَحْدٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ فِي بِئْرٍ مَا لَا يُحِيرُ عَلَيْهِ شَيْئًا ، كَأَنَّكَ قُلْتَ إِلَى غَيْرِ رُشْدٍ تُوَجَّهُ وَمَا يَدْرِي . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَى غَيْرِ فِي قَوْلِهِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ مَعْنَى لَا ، وَلِذَلِكَ زِدْتَ عَلَيْهَا لَا ، كَمَا تَقُولُ : فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ ، فَإِذَا كَانَتْ غَيْرُ بِمَعْنَى سِوَى لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُرَّ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ : عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ ؟ وَرُوِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ : فِي بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ .
أَرَادَ : حُؤُورٍ أَيْ : رُجُوعٍ ، الْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي بِئْرِ هَلَكَةٍ لَا رُجُوعَ فِيهَا وَمَا شَعَرَ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ : وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ وَمَا شَعَرَ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَيَجِيءُ لَا بِمَعْنَى غَيْرٍ ; قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾; فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ، الْمَعْنَى مَا لَكَمَ غَيْرَ مُتَنَاصِرِينَ ; قَالَهُ الزَّجَّاجُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ لِسَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ : أَفَعَنْكَ لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ . قَالَ : يُرِيدُ أَمِنْكَ بَرْقٌ ، وَلَا صِلَةٌ .
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ : إِنَّ ( لَا ) لَا تَكُونُ صِلَةً إِلَّا مَعَ حَرْفِ نَفْيٍ تَقَدَّمَهُ ; وَأَنْشَدَ الْبَاهِلِيُّ لِلشَّمَّاخِ : إِذَا مَا أَدْلَجَتْ وَضَعَتْ يَدَاهَا لَهَا الْإِدْلَاجَ لَيْلَهُ لَا هُجُوعِ أَيْ : عَمِلَتْ يَدَاهَا عَمَلَ اللَّيْلَةِ الَّتِي لَا يُهْجَعُ فِيهَا ، يَعْنِي : النَّاقَةَ وَنَفَى بِلَا الْهُجُوعَ وَلَمْ يُعْمِلْ ، وَتُرِكَ هُجُوعٌ مَجْرُورًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِضَافَةِ ; قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ : لَقَدْ عَرَفْتُ حِينَ لَا اعْتِرَافِ نَفَى بِلَا وَتَرَكَهُ مَجْرُورًا ; وَمِثْلُهُ : أَمْسَى بِبَلْدَةِ لَا عَمٍّ وَلَا خَالٍ . وَقَالَ الْمُبَرِّدُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ : إِنَّمَا جَازَ أَنْ تَقَعَ لَا فِي قَوْلِهِ : وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّ مَعْنَى غَيْرِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى النَّفْيِ ، وَالنَّحْوِيُّونَ يُجِيزُونَ أَنْتَ زَيْدًا غَيْرُ ضَارِبٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَوْلِكَ : أَنْتَ زَيْدًا لَا ضَارِبٌ ، وَلَا يُجِيزُونَ أَنْتَ زَيْدًا مِثْلُ ضَارِبٍ لِأَنَّ زَيْدًا مِنْ صِلَةِ ضَارِبٍ فَلَا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ . قَالَ : فَجَاءَتْ لَا تُشَدِّدُ مِنْ هَذَا النَّفْيِ الَّذِي تَضْمَنُهُ غَيْرُ لِأَنَّهَا تُقَارِبُ الدَّاخِلَةَ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو ، فَيَقُولُ السَّامِعُ : مَا جَاءَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو ؟ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَاءَهُ أَحَدُهُمَا ، فَإِذَا قَالَ : مَا جَاءَنِي زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ يُقَارِبُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ . غَيْرُهُ : لَا حَرْفُ جَحْدٍ وَأَصْلُ أَلِفِهَا يَاءٌ ، عِنْدَ قُطْرُبٍ ، حِكَايَةً عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَمَالَ لَا . الْجَوْهَرِيُّ : لَا حَرْفُ نَفْيٍ لِقَوْلِكَ : يَفْعَلُ وَلَمْ يَقَعِ الْفِعْلُ ، إِذَا قَالَ : هُوَ يَفْعَلُ غَدًا قُلْتُ لَا يَفْعَلُ غَدًا ، وَقَدْ يَكُونُ ضِدًّا لِبَلَى وَنَعَمْ ، وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّهْيِ كَقَوْلِكَ : لَا تَقُمْ وَلَا يَقُمْ زَيْدٌ ، يُنْهَى بِهِ كُلُّ مَنْهِيٍّ مِنْ غَائِبٍ وَحَاضِرٍ ، وَقَدْ يَكُونُ لَغْوًا ; قَالَ الْعَجَّاجُ : فِي بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ ، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أَيْ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ، وَقَدْ يَكُونُ حَرْفَ عَطْفٍ لِإِخْرَاجِ الثَّانِي مِمَّا دَخَلَ فِيهِ الْأَوَّلُ كَقَوْلِكَ : رَأَيْتُ زَيْدًا لَا عَمْرًا ، فَإِنْ أَدْخَلْتَ عَلَيْهَا الْوَاوَ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَرْفَ عَطْفٍ كَقَوْلِكَ : لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو ، لِأَنَّ حُرُوفَ النَّسَقِ لَا يَدْخُلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَتَكُونُ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَلَا إِنَّمَا هِيَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ .
وَقَدْ تُزَادُ فِيهَا التَّاءُ فَيُقَالُ : لَاتَ ; قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ : طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ . وَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ ذَهَبَتْ أَلِفُهُ كَمَا قَالَ : أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ ، وَاسْتَعْجَلَتْ نَعَمْ بِهِ مِنْ فَتًى ، لَا يَمْنَعُ الْجُوعَ قَاتِلَهْ . قَالَ : وَذَكَرَ يُونُسُ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ كَانَ يَجُرُّ الْبُخْلَ وَيَجْعَلُ لَا مُضَافَةً إِلَيْهِ لِأَنَّ لَا قَدْ تَكُونُ لِلْجُودِ وَالْبُخْلِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ : امْنَعِ الْحَقَّ فَقَالَ : لَا كَانَ جُودًا مِنْهُ ؟ فَأَمَّا إِنْ جَعَلْتَهَا لَغْوًا نَصَبْتَ الْبُخْلَ بِالْفِعْلِ وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلَى الْبَدَلِ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو : أَرَادَ أَبَى جُودُهُ لَا الَّتِي تُبَخِّلُ الْإِنْسَانَ كَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَهُ : لَا تُسْرِفْ وَلَا تُبَذِّرْ أَبَى جُودُهُ قَوْلَ لَا هَذِهِ ، وَاسْتَعْجَلَتْ نَعَمْ فَقَالَ : نَعَمْ أَفْعَلُ وَلَا أَتْرُكُ الْجُودَ . قَالَ : حَكَى ذَلِكَ الزَّجَّاجُ لِأَبِي عَمْرٍو ثُمَّ قَالَ : وَفِيهِ قَوْلَانِ آخَرَانِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى : أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ : أَحَدُهُمَا : مَعْنَاهُ : أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ وَتَجْعَلُ لَا صِلَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ وَمَعْنَاهُ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ، قَالَ : وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ حَسَنٌ ، قَالَ : أَرَى أَنْ يَكُونَ لَا غَيْرَ لَغْوٍ وَأَنْ يَكُونَ الْبُخْلُ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنْ لَا ، الْمَعْنَى : أَبَى جُودُهُ لَا الَّتِي هِيَ لِلْبُخْلِ ، فَكَأَنَّكَ قُلْتَ : أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ وَعَجَّلَتْ بِهِ نَعَمٌ .
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي مَعْنَى الْبَيْتِ : أَيْ : لَا يَمْنَعُ الْجُوعَ الطُّعْمُ الَّذِي يَقْتُلُهُ ; قَالَ : وَمَنْ خَفَضَ الْبُخْلَ فَعَلَى الْإِضَافَةِ ، وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ نَعْتًا لِلَا ، وَلَا فِي الْبَيْتِ اسْمٌ ، وَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَبَى ، وَإِنَّمَا أَضَافَ لَا إِلَى الْبُخْلِ لِأَنَّ لَا قَدْ تَكُونُ لِلْجُودِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَتَمْنَعُنِي مِنْ عَطَائِكَ ، فَيَقُولُ الْمَسْؤُولُ : لَا ، وَلَا هُنَا جُودٌ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلَى الْبَدَلِ ، قَالَ : يَعْنِي : الْبُخْلُ تَنْصِبُهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَا لِأَنَّ لَا هِيَ الْبُخْلُ فِي الْمَعْنَى ، فَلَا يَكُونُ لَغْوًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ . لَا الَّتِي تَكُونُ لِلتَّبْرِئَةِ : النَّحْوِيُّونَ يَجْعَلُونَ لَهَا وُجُوهًا فِي نَصْبِ الْمُفْرَدِ وَالْمُكَرَّرِ وَتَنْوِينِ مَا يُنَوَّنُ وَمَا لَا يُنَوَّنُ ، وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ أَنْ يُنْصَبَ بِهَا مَا لَا تُعَادُ فِيهِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ؛ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى نَصْبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ بُزُرْجَ : لَا صَلَاةَ لَا رُكُوعَ فِيهَا ، جَاءَ بِالتَّبْرِئَةِ مَرَّتَيْنِ ، وَإِذَا أَعَدْتَ لَا كَقَوْلِهِ : لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ وَنَوَّنْتَ ، وَفِيهَا لُغَاتٌ كَثِيرَةٌ سِوَى مَا ذَكَرْتُ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمْ . وَقَالَ اللَّيْثُ : تَقُولُ : هَذِهِ لَاءٌ مَكْتُوبَةٌ فَتَمُدُّهَا لِتَتِمَّ الْكَلِمَةَ اسْمًا ، وَلَوْ صَغَّرْتَ لَقُلْتَ : هَذِهِ لُوَيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةَ الْكِتْبَةِ غَيْرَ جَلِيلَةٍ . وَحَكَى ثَعْلَبٌ : لَوَّيْتُ لَاءً حَسَنَةً عَمِلْتُهَا ، وَمَدَّ لَا لِأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهَا اسْمًا ، وَالِاسْمُ لَا يَكُونُ عَلَى حَرْفَيْنِ وَضْعًا ، وَاخْتَارَ الْأَلِفَ مِنْ بَيْنِ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ لِمَكَانِ الْفَتْحَةِ ، قَالَ : وَإِذَا نُسِبَتْ إِلَيْهَا قُلْتَ : لَوَوِيٌّ ، وَقَصِيدَةٌ لَوَوِيَّةٌ : قَافِيَتُهَا لَا .
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾، فَلَا بِمَعْنَى فَلَمْ كَأَنَّهُ قَالَ : فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ ، وَمِثْلُهُ : ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ﴾، إِلَّا أَنَّ لَا بِهَذَا الْمَعْنَى إِذَا كُرِّرَتْ أَسْوَغُ وَأَفْصَحُ مِنْهَا إِذَا لَمْ تُكَرَّرْ ; وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾مَعْنَاهَا : فَمَا ، وَقِيلَ : فَهَلَّا ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْمَعْنَى فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ كَمَا قَالَ ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ﴾وَلَمْ يَذْكُرْ لَا هَاهُنَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَلَّمَا تَتَكَلَّمُ الْعَرَبُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ إِلَّا بِلَا مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، لَا تَكَادُ تَقُولُ : لَا جِئْتَنِي تُرِيدُ : مَا جِئْتَنِي فَإِنْ قُلْتَ لَا جِئْتَنِي وَلَا زُرْتَنِي صَلُحَ . وَالْمَعْنَى فِي فَلَا اقْتَحَمَ مَوْجُودٌ ؛ لِأَنَّ لَا ثَابِتَةٌ كُلُّهَا فِي الْكَلَامِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى فَلَا اقْتَحَمَ وَلَا آمَنَ ، قَالَ : وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الْفَرَّاءُ ، قَالَ اللَّيْثُ : وَقَدْ يُرْدَفُ أَلَا بِلَا فَيُقَالُ : أَلَا لَا ; وَأَنْشَدَ : فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ وَقَالَ : أَلَا لَا مِنْ سَبِيلٍ إِلَى هِنْدِ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ : هَلْ كَانَ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيُقَالُ : أَلَا لَا . جَعَلَ أَلَا تَنْبِيهًا وَلَا نَفْيًا .
وَقَالَ اللَّيْثُ فِي لِي قَالَ : هُمَا حَرْفَانِ مُتَبَايِنَانِ قُرِنَا وَاللَّامُ لَامُ الْمِلْكِ وَالْيَاءُ يَاءُ الْإِضَافَةِ ; وَأَمَّا قَوْلُ الْكُمَيْتِ : كَلَا وَكَذَا تَغْمِيضَةً ثُمَّ هِجْتُمُ لَدَى حِينَ أَنْ كَانُوا إِلَى النَّوْمِ أَفْقَرَا ، فَيَقُولُ : كَانَ نَوْمُهُمْ فِي الْقِلَّةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : لَا وَذَا ، وَالْعَرَبُ إِذَا أَرَادُوا تَقْلِيلَ مُدَّةِ فِعْلٍ أَوْ ظُهُورَ شَيْءٍ خَفِيَ قَالُوا : كَانَ فِعْلُهُ كَلَا ، وَرُبَّمَا كَرَّرُوا فَقَالُوا : كَلَا وَلَا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ : أَصَابَ خَصَاصَةً فَبَدَا كَلَيْلًا كَلَا وَانْغَلَّ سَائِرُهُ انْغِلَالًا ، وَقَالَ آخَرُ : يَكُونُ نُزُولُ الْقَوْمِ فِيهَا كَلَا وَلَا لَاتَ : أَبُو زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ قَالَ : التَّاءُ فِيهَا صِلَةٌ وَالْعَرَبُ تَصِلُ هَذِهِ التَّاءَ فِي كَلَامِهَا وَتَنْزِعُهَا ; وَأَنْشَدَ : طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ . قَالَ : وَالْأَصْلُ فِيهَا لَا ، وَالْمَعْنَى فِيهَا : لَيْسَ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : مَا أَسْتَطِيعُ وَمَا أَسْطِيعُ ، وَيَقُولُونَ : ثُمَّتَ فِي مَوْضِعِ ثُمَّ ، وَرُبَّتَ فِي مَوْضِعِ رُبَّ ، وَيَا وَيْلَتَنَا وَيَا وَيْلَنَا .
وَذَكَرَ أَبُو الْهَيْثَمِ عَنْ نَصْرٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِمْ : لَاتَ هَنَّا أَيْ : لَيْسَ حِينَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ لَا هَنَّا ، فَأَنَّثَ لَا فَقِيلَ : لَاةَ ثُمَّ أُضِيفَ فَتَحَوَّلَتِ الْهَاءُ تَاءً ، كَمَا أَنَّثُوا رُبَّ رُبَّةَ وَثُمَّ ثُمَّتَ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ الْكِسَائِيِّ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَى وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ أَيْ : لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ ، وَتَنْصِبُ بِهَا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى لَيْسَ ; وَأَنْشَدَ : تَذَكَّرْ حُبَّ لَيْلَى لَاتَ حِينًا قَالَ : وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَخْفِضُ بِلَاتَ ; وَأَنْشَدَ : طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ . قَالَ شَمِرٌ : أَجْمَعَ عُلَمَاءُ النَّحْوِيِّينَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ التَّاءِ الَّتِي فِي لَاتَ هَاءٌ ، وُصِلَتْ بِلَا فَقَالُوا : لَاةَ لِغَيْرِ مَعْنًى حَادِثٍ ، كَمَا زَادُوا فِي ثُمَّ وَثُمَّةَ ، ولَزِمَتْ ، فَلَمَّا وصَلُوهَا جَعَلُوهَا تَاءً .