نور
[ نور ] نور : فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى : النُّورُ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِنُورِهِ ذُو الْعَمَايَةِ وَيَرْشُدُ بِهُدَاهُ ذُو الْغَوَايَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي بِهِ كُلُّ ظُهُورٍ ، وَالظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ يُسَمَّى نُورًا . قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَالنُّورُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ : هَادِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَقِيلَ : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ أَيْ مَثَلُ نُورِ هُدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ . وَالنُّورُ : الضِّيَاءُ .
وَالنُّورُ : ضِدُّ الظُّلْمَةِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : النُّورُ الضَّوْءُ أَيًّا كَانَ ، وَقِيلَ : هُوَ شُعَاعُهُ وَسُطُوعُهُ ، وَالْجَمْعُ أَنْوَارٌ وَنِيرَانٌ ، عَنْ ثَعْلَبٍ . وَقَدْ نَارَ نَوْرًا وَاسْتَنَارَ وَنَوَّرَ ، الْأَخِيرَةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَيْ أَضَاءَ ، كَمَا يُقَالُ : بَانَ الشَّيْءُ وَأَبَانَ وَبَيَّنَ وَتَبَيَّنَ وَاسْتَبَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَاسْتَنَارَ بِهِ : اسْتَمَدَّ شُعَاعَهُ . وَنَوَّرَ الصُّبْحُ : ظَهَرَ نُورُهُ ؛ قَالَ :
وَالتَّنْوِيرُ : الْإِنَارَةُ . وَالتَّنْوِيرُ : الْإِسْفَارُ . وَفِي حَدِيثِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ : أَنَّهُ نَوَّرَ بِالْفَجْرِ أَيْ ج١٤ / ص٣٨٠صَلَّاهَا وَقَدِ اسْتَنَارَ الْأُفُقُ كَثِيرًا .
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ : نَائِرَاتُ الْأَحْكَامِ وَمُنِيرَاتُ الْإِسْلَامِ ، النَّائِرَاتُ الْوَاضِحَاتُ الْبَيِّنَاتُ ، وَالْمُنِيرَاتُ كَذَلِكَ ، فَالْأُولَى مِنْ نَارَ ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ أَنَارَ ، وَأَنَارَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ، وَمِنْهُ : ثُمَّ أَنَارَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ . وَأَنَارَ الْمَكَانَ : وَضَعَ فِيهِ النُّورَ . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ قَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يَهْتَدِ .
وَالْمَنَارُ وَالْمَنَارَةُ : مَوْضِعُ النُّورِ . وَالْمَنَارَةُ : الشَّمْعَةُ ذَاتُ السِّرَاجِ . ابْنُ سِيدَهْ : وَالْمَنَارَةُ الَّتِي يُوضَعُ عَلَيْهَا السِّرَاجُ ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ :
وَقَوْلُهُ : أَصْلَعُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا صَدَأَ عَلَيْهِ فَهُوَ يَبْرُقُ ، وَالْجَمْعُ مَنَاوِرُ عَلَى الْقِيَاسِ ، وَمَنَائِرُ مَهْمُوزٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُشَبِّهُ الْحَرْفَ بِالْحَرْفِ ، فَشَبَّهُوا مَنَارَةً وَهِيَ مَفْعَلَةٌ مِنَ النُّورِ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ بِفَعَالَةٍ فَكَسَّرُوهَا تَكْسِيرَهَا ، كَمَا قَالُوا : أَمْكِنَةٌ فِيمَنْ جَعَلَ مَكَانًا مِنَ الْكَوْنِ ، فَعَامَلَ الْحَرْفَ الزَّائِدَ مُعَامَلَةَ الْأَصْلِيِّ ، فَصَارَتِ الْمِيمُ عِنْدَهُمْ فِي مَكَانٍ كَالْقَافِ مِنْ قَذَالٍ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ . قَالَ : وَأَمَّا سِيبَوَيْهِ فَحَمَلَ مَا هُوَ مِنْ هَذَا عَلَى الْغَلَطِ . الْجَوْهَرِيُّ : الْجَمْعُ مَنَاوِرُ بِالْوَاوِ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ النُّورِ ، وَمَنْ قَالَ : مَنَائِرُ وَهَمَزَ فَقَدْ شَبَّهَ الْأَصْلِيَّ بِالزَّائِدِ كَمَا قَالُوا : مَصَائِبُ ، وَأَصْلُهُ مَصَاوِبُ .
وَالْمَنَارُ : الْعَلَمُ ، وَمَا يُوضَعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْحُدُودِ . وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ أَيْ أَعْلَامَهَا . وَالْمَنَارُ : عَلَمُ الطَّرِيقِ .
وَفِي التَّهْذِيبِ : الْمَنَارُ الْعَلَمُ وَالْحَدُّ بَيْنَ الْأَرْضِينَ . وَالْمَنَارُ : جَمْعُ مَنَارَةٍ ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ تُجْعَلُ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ ، وَمَنَارُ الْحَرَمِ : أَعْلَامُهُ الَّتِي ضَرَبَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَقْطَارِ الْحَرَمِ وَنَوَاحِيهِ ، وَبِهَا تُعْرَفُ حُدُودُ الْحَرَمِ مِنْ حُدُودِ الْحِلِّ ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ أَرَادَ بِهِ مَنَارَ الْحَرَمِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَعَنَ مِنْ غَيْرِ تُخُومِ الْأَرَضِينَ ، وَهُوَ أَنْ يَقْتَطِعَ طَائِفَةً مِنْ أَرْضِ جَارِهِ ، أَوْ يُحَوِّلَ الْحَدَّ مِنْ مَكَانِهِ .
وَرَوَى شَمِرٌ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ : الْمَنَارُ الْعَلَمُ يُجْعَلُ لِلطَّرِيقِ أَوِ الْحَدِّ لِلْأَرْضِينَ مِنْ طِينٍ أَوْ تُرَابٍ . وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا . أَيْ عَلَامَاتٍ وَشَرَائِعَ يُعْرَفُ بِهَا .
وَالْمَنَارَةُ : الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ الْمِئْذَنَةُ وَأَنْشَدَ :
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أَيِ اتَّبِعُوا الْحَقَّ الَّذِي بَيَانُهُ فِي الْقُلُوبِ كَبَيَانِ النُّورِ فِي الْعُيُونِ . قَالَ : وَالنُّورُ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ الْأَشْيَاءَ وَيُرِي الْأَبْصَارَ حَقِيقَتَهَا ، قَالَ : فَمَثَلُ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُلُوبِ فِي بَيَانِهِ وَكَشْفِهِ الظُّلُمَاتِ كَمَثَلِ النُّورِ ، ثُمَّ قَالَ : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَهُ ابْنُ شَقِيقٍ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : قَدْ سَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ .
أَيْ هُوَ نُورٌ كَيْفَ أَرَاهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ مُنْكِرًا لَهُ وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : فِي الْقَلْبِ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ ، فَإِنَّ ابْنَ شَقِيقٍ لَمْ يَكُنْ يُثْبِتُ أَبَا ذَرٍّ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : النُّورُ جِسْمٌ وَعَرَضٌ ، وَالْبَارِي تَقَدَّسَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ حِجَابَهُ النُّورُ ، قَالَ : وَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْمَعْنَى كَيْفَ أَرَاهُ وَحِجَابُهُ النُّورُ ، أَيْ أَنَّ النُّورَ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ .
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَبَاقِي أَعْضَائِهِ ، أَرَادَ ضِيَاءَ الْحَقِّ وَبَيَانَهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مِنِّي فِي الْحَقِّ ، وَاجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ وَالْخَيْرِ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : سَأَلْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ قَوْلِهِ : لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : النَّارُ هَاهُنَا الرَّأْيُ أَيْ لَا تُشَاوِرُوهُمْ ، فَجَعَلَ الرَّأْيَ مَثَلًا لِلضَّوْءِ عِنْدَ الْحَيْرَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، فَقِيلَ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَالَ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا . قَالَ : إِنَّهُ كَرِهَ النُّزُولَ فِي جِوَارِ الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا أَمَانَ ، ثُمَّ وَكَّدَهُ فَقَالَ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا .
أَيْ لَا يَنْزِلُ الْمُسْلِمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تُقَابِلُ نَارُهُ إِذَا أَوْقَدَهَا نَارَ مُشْرِكٍ لِقُرْبِ مَنْزِلِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَكِنَّهُ يَنْزِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا أَيْ لَا يَجْتَمِعَانِ بِحَيْثُ تَكُونُ نَارُ أَحَدِهِمَا تُقَابِلُ نَارَ الْآخَرِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ سِمَةِ الْإِبِلِ بِالنَّارِ . وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ أَيْ نَيِّرُ الْجِسْمِ .
يُقَالُ لِلْحَسَنِ الْمُشْرِقِ اللَّوْنِ : أَنْوَرُ ، وَهُوَ أَفْعَلُ مِنَ النُّورِ . يُقَالُ : نَارٌ فَهُوَ نَيِّرٌ ، وَأَنَارَ فَهُوَ مُنِيرٌ . وَالنَّارُ : مَعْرُوفَةُ أُنْثَى ، وَهِيَ مِنَ الْوَاوِ لِأَنَّ تَصْغِيرَهَا نُوَيْرَةٌ .
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا قَالَ الزَّجَّاجُ : جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ مَنْ فِي النَّارِ هُنَا نُورُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَمَنْ حَوْلَهَا قِيلَ الْمَلَائِكَةُ ، وَقِيلَ نُورُ اللَّهِ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَقَدْ تُذَكَّرُ النَّارُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ :
وَفِي حَدِيثِ شَجَرِ جَهَنَّمَ : فَتَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا وَلَكِنْ هَكَذَا رُوِيَ ، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارُ النِّيرَانِ بِجْمَعِ النَّارِ عَلَى أَنْيَارٍ ، وَأَصْلُهَا أَنْوَارٌ ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ كَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ ، وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ . وَتَنَوَّرَ النَّارَ : نَظَرَ إِلَيْهَا أَوْ أَتَاهَا . وَتَنَوَّرَ الرَّجُلَ : نَظَرَ إِلَيْهِ عِنْدَ النَّارِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ .
وَتَنَوَّرْتُ النَّارَ مِنْ بَعِيدٍ أَيْ تَبَصَّرْتُهَا . وَفِي الْحَدِيثِ : النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ : الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ . أَرَادَ لَيْسَ لِصَاحِبِ النَّارِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَضِيءَ مِنْهَا أَوْ يَقْتَبِسَ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالنَّارِ الْحِجَارَةَ الَّتِي تُورِي النَّارَ ، أَيْ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا .
وَفِي حَدِيثِ الْإِزَارِ : وَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ ، مَعْنَاهُ أَنَّ مَا دُونَ ج١٤ / ص٣٨١الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِ الْإِزَارِ الْمُسْبَلِ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ وَفِعْلَهُ فِي النَّارِ أَيْ أَنَّهُ مَعْدُودٌ مَحْسُوبٌ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ . وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ قَالَ لِعَشَرَةِ أَنْفُسٍ فِيهِمْ سَمُرَةُ : آخِرُكُمْ يَمُوتُ فِي النَّارِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : فَكَانَ لَا يَكَادُ يَدْفَأُ فَأَمَرَ بِقِدْرٍ عَظِيمَةٍ فَمُلِئَتْ مَاءً وَأَوْقَدَ تَحْتَهَا وَاتَّخَذَ فَوْقَهَا مَجْلِسًا ، وَكَانَ يَصْعَدُ بُخَارُهَا فَيُدْفِئُهُ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ خُسِفَتْ بِهِ فَحَصَلَ فِي النَّارِ ، قَالَ : فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَالنَّارُ جُبَارٌ ، قِيلَ : هِيَ النَّارُ الَّتِي يُوقِدُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ فَتُطِيرُهَا الرِّيحُ إِلَى مَالِ غَيْرِهِ فَيَحْتَرِقُ وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهَا فَيَكُونُ هَدَرًا .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَقِيلَ : الْحَدِيثُ غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيُّ ، وَقِيلَ : هُوَ تَصْحِيفُ الْبِئْرُ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يُمِيلُونَ النَّارَ فَتَنْكَسِرُ النُّونُ ، فَسَمِعَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِمَالَةِ فَكَتَبَهُ بِالْيَاءِ ، فَقَرَؤُوهُ مُصَحَّفًا بِالْيَاءِ ، وَالْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ فِي مَوَاتٍ فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ فَيَهْلِكُ فَهُوَ هَدَرٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَتَّى وَجَدْتُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى . وَفِي الْحَدِيثِ : فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هَذَا تَفْخِيمٌ لِأَمْرِ الْبَحْرِ وَتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ وَإِنَّ الْآفَةَ تُسْرِعُ إِلَى رَاكِبِهِ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ كَمَا يُسْرِعُ الْهَلَاكُ مِنَ النَّارِ لِمَنْ لَابَسَهَا وَدَنَا مِنْهَا . وَالنَّارُ : السِّمَةُ ، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ ، وَهِيَ النُّورَةُ .
وَنُرْتُ الْبَعِيرَ : جَعَلْتُ عَلَيْهِ نَارًا . وَمَا بِهِ نُورَةٌ أَيْ وَسْمٌ . الْأَصْمَعِيُّ : وَكُلُّ وَسْمٍ بِمِكْوًى ، فَهُوَ نَارٌ ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِ مِكْوًى ، فَهُوَ حَرْقٌ وَقَرْعٌ وَقَرْمٌ وَحَزٌّ وَزَنْمٌ .
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : مَا نَارُ هَذِهِ النَّاقَةِ أَيْ مَا سِمَتُهَا ، سُمِّيَتْ نَارًا ؛ لِأَنَّهَا بِالنَّارِ تُوسَمُ ، وَقَالَ الرَّاجِزُ :
وَنَارُ الْمُهَوِّلِ : نَارٌ كَانَتْ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُوقِدُونَهَا عِنْدَ التَّحَالُفِ وَيَطْرَحُونَ فِيهَا مِلْحًا يَفْقَعُ ، يُهَوِّلُونَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحِلْفِ . وَالْعَرَبُ تَدْعُو عَلَى الْعَدُوِّ فَتَقُولُ : أَبْعَدَ اللَّهُ دَارَهُ وَأَوْقَدَ نَارًا إِثْرَهُ ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : قَالَتِ الْعُقَيْلِيَّةُ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا خِفْنَا شَرَّهُ فَتَحَوَّلَ عَنَّا أَوْقَدْنَا خَلْفَهُ نَارًا ، قَالَ فَقُلْتُ لَهَا : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : لِيَتَحَوَّلَ ضَبْعُهُمْ مَعَهُمْ أَيْ شَرُّهُمْ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ :
وَالنَّوْرُ وَالنَّوْرَةُ جَمِيعًا : الزَّهْرُ ، وَقِيلَ : النَّوْرُ الْأَبْيَضُ وَالزَّهْرُ الْأَصْفَرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَبْيَضُّ ثُمَّ يَصْفَرُّ ، وَجَمْعُ النَّوْرِ أَنْوَارٌ . وَالنُّوَّارُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ : كَالنَّوْرِ ، وَاحِدَتُهُ نُوَّارَةٌ ، وَقَدْ نَوَّرَ الشَّجَرُ وَالنَّبَاتُ . اللَّيْثُ : النَّوْرُ نَوْرُ الشَّجَرِ ، وَالْفِعْلُ التَّنْوِيرُ ، وَتَنْوِيرُ الشَّجَرَةِ إِزْهَارُهَا .
وَفِي حَدِيثِ خُزَيْمَةَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَنْوَرَتْ أَيْ حَسُنَتْ خُضْرَتُهَا ، مِنَ الْإِنَارَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا أَطْلَعَتْ نَوْرَهَا وَهُوَ زَهْرُهَا . يُقَالُ : نَوَّرَتِ الشَّجَرَةُ وَأَنَارَتْ ، فَأَمَّا أَنْوَرَتْ فَعَلَى الْأَصْلِ ، وَقَدْ سَمَّى خِنْدِفُ بْنُ زِيَادٍ الزُّبَيْرُيُّ إِدْرَاكَ الزَّرْعِ تَنْوِيرًا ، فَقَالَ : سَامَى طَعَامَ الْحَيِّ حَتَّى نَوَّرَا وَجَمَعَهُ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ :
وَأَنَارَ النَّبْتُ وَأَنْوَرَ : ظَهَرَ وَحَسُنَ . وَالْأَنْوَرُ : الظَّاهِرُ الْحَسَنِ ، وَمِنْهُ فِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ . وَالنُّورَةُ : الْهِنَاءُ .
التَّهْذِيبُ : وَالنُّورَةُ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي يُحْرَقُ وَيُسَوَّى مِنْهُ الْكِلْسُ وَيُحْلَقُ بِهِ شَعْرُ الْعَانَةِ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : يُقَالُ انْتَوَرَ الرَّجُلُ وَانْتَارَ مِنَ النُّورَةِ ، قَالَ : وَلَا يُقَالُ تَنَوَّرَ إِلَّا عِنْدَ إِبْصَارِ النَّارِ . قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَقَدِ انْتَارَ الرَّجُلُ وَتَنَوَّرَ تَطَلَّى بِالنُّورَةِ ، قَالَ : حَكَى الْأَوَّلَ ثَعْلَبٌ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ :
وَقَدْ نَوَّرَ ذِرَاعُهُ إِذَا غَرَزَهَا بِإِبْرَةٍ ثُمَّ ذَرَّ عَلَيْهَا النَّؤُورَ . وَالنَّؤُورُ : حَصَاةٌ مِثْلُ الْإِثْمِدِ تُدَقُّ فَتُسَفُّهَا اللِّثَةُ أَيْ تُقْمَحُهَا ، مِنْ قَوْلِكَ : سَفِفْتُ الدَّوَاءَ . وَكَانَ نِسَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَّشِمْنَ بِالنَّؤُورِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ بِشْرٍ :
وَالنَّؤُورُ وَالنَّوَارُ : الْمَرْأَةُ النَّفُورُ مِنَ الرِّيبَةِ ، وَالْجَمْعُ نُورٌ . غَيْرُهُ : النُّورُ جَمْعُ نَوَارٍ ، وَهِيَ النُّفَّرُ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْوَحْشِ وَغَيْرِهَا ، قَالَ ج١٤ / ص٣٨٢مُضَرِّسٌ الْأَسَدِيُّ وَذَكَرَ الظِّبَاءَ وَأَنَّهَا كَنَسَتْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ :
وَمُنْتَكِثٌ : مُنْتَقِضٌ . وَحَذِيقٌ : مَقْطُوعٌ ، وَبَعْدَهُ :
وَفِي صِفَةِ نَاقَةِ صَالِحٍ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هِيَ أَنْوَرُ مِنْ أَنْ تُحْلَبَ أَيْ أَنْفَرُ . وَالنَّوَارُ : النِّفَارُ . وَنُرْتُهُ وَأَنَرْتُهُ : نَفَّرْتُهُ .
وَفَرَسٌ وَدِيقٌ نَوَارٌ إِذَا اسْتَوْدَقَتْ وَهِيَ تُرِيدُ الْفَحْلَ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْهَا ضَعْفٌ تَرْهَبُ صَوْلَةَ النَّاكِحِ . وَيُقَالُ : بَيْنَهُمْ نَائِرَةٌ أَيْ عَدَاوَةٌ وَشَحْنَاءُ . وَفِي الْحَدِيثِ : كَانَتْ بَيْنَهُمْ نَائِرَةٌ أَيْ فِتْنَةٌ حَادِثَةٌ وَعَدَاوَةٌ .
وَنَارُ الْحَرْبِ وَنَائِرَتُهَا : شَرُّهَا وَهَيْجُهَا . وَنُرْتُ الرَّجُلَ : أَفْزَعْتُهُ وَنَقَّرْتُهُ ؛ قَالَ :
الْأَزْهَرِيُّ : يُقَالُ فُلَانٌ يُنَوِّرُ عَلَى فُلَانٍ إِذَا شَبَّهَ عَلَيْهِ أَمْرًا ، قَالَ : وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَرَبِيَّةً وَأَصْلُهَا أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُسَمَّى نُورَةَ وَكَانَتْ سَاحِرَةً ، فَقِيلَ لِمَنْ فَعَلَ فِعْلَهَا : قَدْ نَوَّرَ فَهُوَ مُنَوِّرٌ . قَالَ زَيْدُ بْنُ كُثْوَةَ : عَلِقَ رَجُلٌ امْرَأَةً فَكَانَ يَتَنَوَّرُهَا بِاللَّيْلِ ، وَالتَّنَوُّرُ مِثْلُ التَّضَوُّءِ ، فَقِيلَ لَهَا : إِنَّ فُلَانًا يَتَنَوَّرُكِ لِتَحْذَرَهُ فَلَا يَرَى مِنْهَا إِلَّا حَسَنًا ، فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ رَفَعَتْ مُقَدَّمَ ثَوْبِهَا ثُمَّ قَابَلَتْهُ ، وَقَالَتْ : يَا مُتَنَوِّرًا هَاهْ ، فَلَمَّا سَمِعَ مَقَالَتَهَا وَأَبْصَرَ مَا فَعَلَتْ ، قَالَ : فَبِئْسَمَا أَرَى هَاهْ ، وَانْصَرَفَتْ نَفْسُهُ عَنْهَا ، فَصُيِّرَتْ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ لَا يَتَّقِي قَبِيحًا وَلَا يَرْعَوِي لِحَسَنٍ . ابْنُ سِيدَهْ : وَأَمَّا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ الْإِمَالَةِ ابْنُ نُورٍ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا سُمِّيَ بِالنُّورِ الَّذِي هُوَ الضَّوْءُ أَوْ بِالنُّورِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ نَوَارٍ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا صَاغَهُ لِتَسُوغَ فِيهِ الْإِمَالَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَصُوغُ أَشْيَاءَ فَتَسُوغُ فِيهَا الْإِمَالَةَ وَيَصُوغُ أَشْيَاءَ أُخَرَ لِتَمْتَنِعَ فِيهَا الْإِمَالَةُ .
وَحَكَى ابْنُ جِنِّي فِيهِ : ابْنُ بُورٍ ، بِالْبَاءِ ، كَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَمَنْوَرٌ : اسْمُ مَوْضِعٍ صَحَّتْ فِيهِ الْوَاوُ صِحَّتَهَا فِي مَكْوَرَةَ لِلْعَلْمِيَّةِ ، قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ :