هجر
[ هجر ] هجر : الْهَجْرُ : ضِدُّ الْوَصْلِ . هَجَرَهُ يَهْجُرُهُ هَجْرًا وَهِجْرَانًا : صَرَمَهُ ، وَهُمَا يَهْتَجِرَانِ وَيَتَهَاجَرَانِ ، وَالْاسْمُ الْهِجْرَةُ . وَفِي الْحَدِيثِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ - يُرِيدُ بِهِ الْهَجْرَ ضِدَ الْوَصْلِ ؛ يَعْنِي فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَتْبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الدِّينِ ، فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ دَائِمَةٌ عَلَى مَرِّ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا خَافَ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا ، وَقَدْ هَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا ، وَهَجَرَتْ عَائِشَةُ ابْنَ الزُّبَيْرِ مُدَّةً ، وَهَجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَمَاتُوا مُتَهَاجِرِينَ .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَلَعَلَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَنْسُوخٌ بِالْآخَرِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا مُهَاجِرًا ; يُرِيدُ هِجْرَانَ الْقَلْبِ وَتَرْكَ الْإِخْلَاصِ فِي الذِّكْرِ ، فَكَأَنَّ قَلْبَهُ مُهَاجِرٌ لِلِسَانِهِ غَيْرَ مُوَاصِلٍ لَهُ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ إِلَّا هَجْرًا ; يُرِيدُ التَّرْكَ لَهُ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ . يُقَالُ : هَجَرْتُ الشَّيْءَ هَجْرًا إِذَا تَرَكْتُهُ وَأَغْفَلْتُهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ : وَلَا يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ إِلَّا هُجْرًا - بِالضَّمِّ ، وَقَالَ : هُوَ الْخَنَا وَالْقَبِيحُ مِنَ الْقَوْلِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا غَلَطٌ فِي الرِّوَايَةِ وَالْمَعْنَى ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ " وَلَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ " ، وَمَنْ رَوَاهُ " الْقَوْلَ " فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ قَوْلَ النَّاسِ ، وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ مُبَرَّأٌ عَنِ الْخَنَا وَالْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْلِ . وَهَجَرَ فُلَانٌ الشِّرْكَ هَجْرًا وَهِجْرَانًا وَهِجْرَةً حَسَنَةً - حَكَاهُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ ، وَالْهِجْرَةُ وَالْهُجْرَةُ : الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ . وَالْمُهَاجِرُونَ : الَّذِينَ ذَهَبُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْتَقٌّ مِنْهُ ، وَتَهَجَّرَ فُلَانٌ أَيْ تَشَبَّهَ بِالْمُهَاجِرِينَ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَاجِرُوا وَلَا تَهَجَّرُوا .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَقُولُ أَخْلِصُوا الْهِجْرَةَ لله وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْمُهَاجِرِينَ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ مِنْكُمْ ، فَهَذَا هُوَ التَّهَجُّرِ ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ فُلَانٌ يَتَحَلَّمُ وَلَيْسَ بِحَلِيمٍ وَيَتَشَجَّعُ ، أَيْ أَنَّهُ يُظْهِرُ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَأَصْلُ الْمُهَاجَرَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ خُرُوجُ الْبَدَوِيِّ مِنْ بَادِيَتِهِ إِلَى الْمُدُنِ ، يُقَالُ : هَاجَرَ الرَّجُلُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مُخْلٍ بِمَسْكَنِهِ مُنْتَقِلٍ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ بِسُكْنَاهُ فَقَدْ هَاجَرَ قَوْمَهُ . وَسُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ مُهَاجِرِينَ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمُ الَّتِي نَشَؤوا بِهَا لِلَّهِ وَلَحِقُوا بِدَارٍ لَيْسَ لَهُمْ بِهَا أَهْلٌ وَلَا مَالٌ حِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَكُلُّ مَنْ فَارَقَ بَلَدَهُ مِنْ بَدَوِيٍّ أَوْ حَضَرِيٍّ أَوْ سَكَنَ بَلَدًا آخَرَ فَهُوَ مُهَاجِرٌ وَالْاسْمُ مِنْهُ الْهِجْرَةُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ، وَكُلُّ مَنْ أَقَامَ مِنَ الْبَوَادِي بِمَبَادِيِهِمْ وَمَحَاضِرِهِمْ فِي الْقَيْظِ وَلَمْ يَلْحَقُوا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَهُمْ غَيْرُ مُهَاجِرِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ نَصِيبٌ ، وَيُسَمَّوْنَ الْأَعْرَابَ .
الْجَوْهَرِيُّ : الْهِجْرَتَانِ هِجْرَةٌ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهِجْرَةٌ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَالْمُهَاجَرَةُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ : تَرْكُ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ ؛ إِحْدَاهُمَا الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْجَنَّةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدَعُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَلَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَيَنْقَطِعُ بِنَفْسِهِ إِلَى مُهَاجَرِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ : لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ - يَرْثِي لَهُ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ، وَقَالَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ كَالْمَدِينَةِ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ .
وَالْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ : مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَزَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى ، فَهُوَ مُهَاجِرٌ ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي فَضْلِ مَنْ هَاجَرَ تِلْكَ الْهِجْرَةَ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَإِذَا أُطْلِقَ ذِكْرُ الْهِجْرَتَيْنِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِمَا هِجْرَةُ الْحَبَشَةِ وَهِجْرَةُ الْمَدِينَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ : سَيَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ ; الْمُهَاجَرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ : مَوْضِعُ الْمُهَاجَرَةِ ، وَيُرِيدُ بِهِ الشَّامُ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ مَضَى إِلَى الشَّامِ وَأَقَامَ بِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْهِجْرَةُ فِي الْأَصْلِ الْاسْمُ ، مِنَ الْهَجْرِ ضِدِّ الْوَصْلِ ، وَقَدْ هَاجَرَ مُهَاجَرَةً ، وَالتَّهَاجُرُ التَّقَاطُعُ ، وَالْهِجِرُّ الْمُهَاجَرَةُ إِلَى الْقُرَى - عَنْ ثَعْلَبٍ ، وَأَنْشَدَ :
وَهَجَرَ فِي الصَّوْمِ يَهْجُرُ هِجْرَانًا : اعْتَزَلَ فِيهِ النِّكَاحَ . وَلَقِيتُهُ عَنْ هَجْرٍ أَيْ بَعْدَ الْحَوْلِ وَنَحْوِهِ ، وَقِيلَ : الْهَجْرُ السَّنَةُ فَصَاعِدًا ، وَقِيلَ : بَعْدَ سِتَّةِ أَيْامٍ فَصَاعِدًا ، وَقِيلَ : الْهَجْرُ الْمَغِيبُ أَيًّا كَانَ ، أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ :
وَنَاقَةٌ مُهْجِرَةٌ : فَائِقَةٌ فِي الشَّحْمِ وَالسَّيْرِ ، وَفِي التَّهْذِيبِ : فَائِقَةٌ فِي الشَّحْمِ وَالسِّمَنِ . وَبَعِيرٌ مُهْجِرٌ : وَهُوَ الَّذِي يَتَنَاعَتُهُ النَّاسُ وَيَهْجُرُونَ بِذِكْرِهِ أَيْ يَنْتَعِتُونَهُ ، قَالَ الْشَّاعِرُ :
الْأَزْهَرِيُّ : وَنَاقَةٌ هَاجِرَةٌ فَائِقَةٌ ، قَالَ أَبُو وَجْزَةَ :
وَأَهْجَرَتِ الْجَارِيَةُ : شَبَّتْ شَبَابًا حَسَنًا . وَالْمُهْجِرُ : الْجَيِّدُ الْجَمِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقِيلَ : الْفَائِقُ الْفَاضِلُ عَلَى غَيْرِهِ ، قَالَ :
وَهَذَا الْمَكَانُ أَهْجَرُ مِنْ هَذَا أَيْ أَحْسَنُ - حَكَاهُ ثَعْلَبٌ ، وَأَنْشَدَ :
وَالْهُجْرُ : الْقَبِيحُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَقَدْ أَهْجَرَ فِي مَنْطِقِهِ إِهْجَارًا وَهُجْرًا - عَنْ كُرَاعٍ وَاللِّحْيَانِيِّ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْهُجْرَ - بِالضَّمِّ - الْاسْمُ مِنَ الْإِهْجَارِ ، وَأَنَّ الْإِهْجَارَ الْمَصْدَرُ . وَأَهْجَرَ بِهِ إِهْجَارًا : اسْتَهْزَأَ بِهِ وَقَالَ فِيهِ قَوْلًا قَبِيحًا . وَقَالَ : هَجْرًا وَبَجْرًا وَهُجْرًا وَبُجْرًا ؛ إِذَا فُتِحَ فَهُوَ مَصْدَرٌ ، وَإِذَا ضُمَّ فَهُوَ اسْمٌ .
وَتَكَلَّمَ بِالْمَهَاجِرِ أَيْ بِالْهُجْرِ ، وَرَمَاهُ بِهَاجِرَاتٍ وَمُهْجِرَاتٍ ، وَفِي التَّهْذِيبِ : بِمُهَجِّرَاتٍ أَيْ فَضَائِحَ . وَالْهُجْرُ : الْهَذَيَانُ . وَالْهُجْرُ بِالضَّمِّ : الْاسْمُ مِنَ الْإِهْجَارِ وَهُوَ الْإِفْحَاشُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَكْثَرَ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي .
وَهَجَرَ فِي نَوْمِهِ وَمَرَضِهِ يَهْجُرُ هَجْرًا وَهِجِّيرَى وَإِهْجِيرَى : هَذَى . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : الْهِجِّيرَى كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ السَّيِّئ . اللِّيْثُ : الْهِجِّيرَى اسْمٌ مِنْ هَجَرَ إِذَا هَذَى ، وَهَجَرَ الْمَرِيضُ يَهْجُرُ هَجْرًا فَهُوَ هَاجِرٌ ، وَهَجَرَ بِهِ فِي النَّوْمِ يَهْجُرُ هَجْرًا : حَلَمَ وَهَذَى .
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ وَتُهْجِرُونَ ; فَتُهْجِرُونَ تَقُولُونَ الْقَبِيحَ ، وَتَهْجُرُونَ تَهْذُوَنَ . الْأَزْهَرِيُّ قَالَ : الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ تَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُهُ ، وَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ سَمَرْتُمْ وَهَجَرْتُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقُرْآنَ ، فَهَذَا مِنَ الْهَجْرِ وَالرَّفْضِ . قال : وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " تُهْجِرُونَ " مِنْ أَهْجَرْتُ ، وَهَذَا مِنَ الْهُجْرِ وَهُوَ الْفُحْشُ ، وَكَانُوا يَسُبُّونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَلَوْا حَوْلَ الْبَيْتِ لَيْلًا .
قَالَ الْفَرَّاءُ : وَإِنْ قُرِئَ " تَهْجُرُونَ " جُعِلَ مِنْ قَوْلِكَ : هَجَرَ الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ إِذَا هَذَى ، أَيْ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَمَا لَا يَضُرُّهُ فَهُوَ كَالْهَذَيَانِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ : إِذَا طُفْتُمْ بِالْبَيْتِ فَلَا تَلْغُوا وَلَا تَهْجُرُوا - يُرْوَى بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ ، مِنَ الْهُجْرِ الْفُحْشِ وَالتَّخْلِيطِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ وَلَا تَهْذُوا ، وَهُوَ مِثْلُ كَلَامِ الْمَحْمُومِ وَالْمُبَرْسَمِ . يُقَالُ : هَجَرَ يَهْجُرُ هَجْرًا ، وَالْكَلَامُ مَهْجُورٌ ، وَقَدْ هَجَرَ الْمَرِيضُ .
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ، قَالَ : قَالُوا فِيهِ غَيْرَ الْحَقِّ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَرِيضِ إِذَا هَجَرَ قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ ؟ وَعَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا - فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ ذَكَرَ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : الْهُجْرُ الْإِفْحَاشُ فِي الْمَنْطِقِ وَالْخَنَا ، وَهُوَ بِالضَّمِّ مِنَ الْإِهْجَارِ ، يُقَالُ مِنْهُ : يُهْجِرُ ، كَمَا قَالَ الشَّمَّاخُ :
قَالَ : وَرَأَيْتُ فِي الْحَاشِيَةِ بَيْتًا جُمِعَ فِيهِ هُجْرٌ عَلَى هَوَاجِرَ ، وَهُوَ مِنَ الْجُمُوعِ الشَّاذَّةِ عَنِ الْقِيَاسِ كَأَنَّهُ جَمْعُ هَاجِرَةٍ ، وَهُوَ :
قَالَ : وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ جِنِّي يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْهَوَاجِرَ جَمْعُ هُجْرٍ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ ، وَيَرَى أَنَّهُ مِنَ الْجُمُوعِ الشَّاذَّةِ كَأَنَّ وَاحِدَهَا هَاجِرَةٌ ، كَمَا قَالُوا فِي جَمْعِ حَاجَةٍ حَوَائِجَ ، كَأَنَّ وَاحِدَهَا حَائِجَةٌ . قَالَ : وَالصَّحِيحُ فِي هَوَاجِرَ أَنَّهَا جَمْعُ هَاجِرَةٍ بِمَعْنَى الْهُجْرِ ، وَيَكُونُ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَاعِلَةٍ مِثْلَ الْعَاقِبَةِ وَالْكَاذِبَةِ وَالْعَافِيَةِ ، قَالَ : ج١٥ / ص٢٥وَشَاهَدَ هَاجِرَةً بِمَعْنَى الْهُجْرِ قَوْلِ الشَّاعِرِ أَنْشَدَهُ الْمُفَضَّلُ :
قَالَ : وَالْقَائِلُ كَانَ عُمَرَ ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ . وَمَا زَالَ ذَلِكَ هِجِّيرَاهُ وَإِجْرِيَّاهُ وَإِهْجِيرَاهُ وَإِهْجِيرَاءَهُ - بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ - وَهِجِّيرَهُ وَأُهْجُورَتَهُ وَدَأْبَهُ وَدَيْدَنَهُ أَيْ دَأْبَهُ وَشَأْنَهُ وَعَادَتَهُ ، وَمَا عِنْدَهُ غَنَاءٌ ذَلِكَ وَلَا هَجْرَاؤُهُ بِمَعْنًى . التَّهْذِيبُ : هِجِّيرَى الرَّجُلُ كَلَامُهُ وَدَأْبُهُ وَشَأْنُهُ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ :
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا لَهُ هِجِّيرَى غَيْرُهَا ; هِيَ الدَّأْبُ وَالْعَادَةُ وَالدَّيْدَنُ . وَالْهَجِيرُ وَالْهَجِيرَةُ وَالْهَجْرُ وَالْهَاجِرَةُ : نِصْفُ النَّهَارِ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى الْعَصْرِ ، وَقِيلَ فِي كُلِّ ذَلِكَ : إِنَّهُ شِدَّةُ الْحَرِّ . الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ نِصْفُ النَّهَارِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ :
وَقَدْ هَجَّرَ النَّهَارُ وَهَجَّرَ الرَّاكِبُ فَهُوَ مُهَجِّرٌ ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو : وَهَلْ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ ؛ أَيْ هَلْ مَنْ سَارَ فِي الْهَاجِرَةِ كَمَنْ أَقَامَ فِي الْقَائِلَةِ . وَهَجَّرَ الْقَوْمُ وَأَهْجَرُوا وَتَهَجَّرُوا : سَارُوا فِي الْهَاجِرَةِ - الْأَخِيرَةُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، وَأَنْشَدَ :
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ : الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ التَّهْجِيرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ . قَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ : التَّهْجِيرُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا التَّبْكِيرُ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ : وَسَمِعْتُ الْخَلِيلَ يَقُولُ ذَلِكَ - قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ . يُقَالُ : هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيرًا فَهُوَ مُهَجِّرٌ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنْ قَيْسٍ ، قَالَ لَبِيدٌ :
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، أَرَادَ التَّبْكِيرَ إِلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ الْمُضِيُّ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَسَائِرُ الْعَرَبِ يَقُولُونَ : هَجَّرَ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَهِيَ نِصْفُ النَّهَارِ . وَيُقَالُ : أَتَيْتُهُ بِالْهَجِيرِ وَبِالْهَجْرِ ، وَأَنْشَدَ الْأَزْهَرِيُّ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي نَوَادِرِهِ قَالَ : قَالَ جِعْثِنَةُ بْنُ جَوَّاسٍ الرَّبَعِيُّ فِي نَاقَتِهِ :
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : قَوْلُهُ " يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ " ؛ أَيْ يُبَكِّرُونَ بِوَقْتِ الْفَجْرِ . وَحَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ عَنِ النَّضْرِ أَنَّهُ قَالَ : الْهَاجِرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْقَيْظِ ، وَهِيَ قَبْلَ الظُّهْرِ بِقَلِيلٍ وَبَعْدَهَا بِقَلِيلٍ . قَالَ : الظَّهِيرَةُ نِصْفُ النَّهَارِ فِي الْقَيْظِ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ بِحِيَالِ رَأْسِكَ كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تَبْرَحَ .
وَقَالَ اللِّيْثُ : أَهْجَرَ الْقَوْمُ إِذَا صَارُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَهَجَّرَ الْقَوْمُ إِذَا سَارُوا فِي وَقْتِهِ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : الْهَاجِرَةُ مِنْ حِينَ نُزُولِ الشَّمْسِ ، وَالْهُوَيْجِرَةُ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُ : الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ نِصْفَ النَّهَارِ الْهَجُورِيُّ .
وَالْهَجِيرُ : الْحَوْضُ الْعَظِيمُ ، وَأَنْشَدَ الْقَنَانِيُّ :
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالْهَجِيرُ يَبِيسُ الْحَمْضِ الَّذِي كَسَرَتْهُ الْمَاشِيَةُ وَهُجِرَ أَيْ تُرِكَ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ :
وَقَالَ اللِّيْثُ : تُشَدُّ يَدُ الْفَحْلِ إِلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ ، يُقَالُ فَحْلٌ مَهْجُورٌ ، وَأَنْشَدَ :
قَالَ : وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ : هَجِّرُوا خَيْلَكُمْ ، وَقَدْ هَجَّرَ فُلَانٌ فَرَسَهُ . وَالْمَهْجُورُ : الْفَحْلُ يُشَدُّ رَأْسُهُ إِلَى رِجْلِهِ . وَعَدَدٌ مُهْجِرٌ : كَثِيرٌ ، قَالَ أَبُو نُخَيْلَةَ :
وَالْهِجَارُ : الْوَتَرُ ، قَالَ :
وَهَجَرٌ : اسْمُ بَلَدٍ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ . وَفِي الْمُحْكَمِ : هَجَرٌ مَدِينَةٌ تُصْرَفُ وَلَا تُصْرَفُ ; قَالَ سِيبَوَيْهِ : سَمِعْنَا مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : كَجَالِبِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرٍ يَا فَتَى ، فَقَوْلُهُ " يَا فَتَى " مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِيِّ ، وَإِنَّمَا قَالَ يَا فَتَى لِئَلَّا يَقِفُ عَلَى التَّنْوِينِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ يَا فَتَى لَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ كَجَالِبِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرْ ، فَلَمْ يَكُنْ سِيبَوَيْهِ يَعْرِفُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مَصْرُوفٌ أَوْ غَيْرُ مَصْرُوفٍ . الْجَوْهَرِيُّ : وَفِي الْمَثَلِ : كَمُبْضِعِ تَمْرٍ إِلَى هَجَرَ .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرَ ، وَرَاكِبِ الْبَحْرِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هَجَرُ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِالْبَحْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا لِكَثْرَةِ وَبَائِهَا - أَيْ تَاجِرُهَا وَرَاكِبُ الْبَحْرِ سَوَاءٌ فِي الْخَطَرِ ، فَأَمَّا هَجَرُ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ الْهَجَرِيَّةُ فَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ ، وَالنَّسَبُ إِلَى هَجَرَ هَجَرِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ ، وَهَاجِرِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، قَالَ :
وَهَاجَرُ : قَبِيلَةٌ ، أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ :