840- باب بيان مشكل ما روي عن علي بن أبي طالب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله : لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة . 6212 - حدثنا بكار بن قتيبة ويزيد بن سنان جميعا ، قالا : حدثنا أبو داود الطيالسي . - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال كل واحد منهم في حديثه : قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني منصور ، قال : سمعت هلال بن يساف ، يحدث عن وهب بن الأجدع ، قال : سمعت عليا -عليه السلام - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة . 6213 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا عبيدة -يعني ابن حميد - عن منصور - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - قال : حدثنا شعبة وسفيان ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن وهب بن الأجدع ، عن علي - عليه السلام - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . 6214 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عبدة بن عبد الله ، عن يحيى -وهو ابن آدم - عن شريك ، عن منصور ، عن سالم -وهو ابن أبي الجعد - عن وهب بن الأجدع ، عن علي -عليه السلام - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا صلاة بعد العصر إلا أن تصلي والشمس مرتفعة . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس الصلاة بعد العصر والشمس مرتفعة ، وهي الحال التي تكون فيها بيضاء لم يدخلها صفرة ، ونهيه عن الصلاة بعد العصر في غير تلك الحال ، وهي تدلي الشمس للغروب ، وهي الحال التي يكون معها فيها اصفرارها وتوردها . فقال قائل : فقد رويتم عن عمر - رضي الله عنه - بما كان خاطب به عليا - عليه السلام -ما قد دل أن الأمر كان عند علي - عليه السلام - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلاف ما رويتموه عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر في ذلك . 6215 - ما قد حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ، قال : حدثنا سلامة بن روح ، عن عقيل ، عن ابن شهاب أنه أخبره ، قال : أخبرني حزام بن دراج : أن علي بن أبي طالب -عليه السلام - سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة ، فدعاه عمر -رضي الله عنه - فتغيظ عليه ، ثم قال : والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنها . 6216 - وما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبد الغفار بن عبيد الله القرشي ، قال : حدثنا صالح -يعني ابن أبي الأخضر - عن الزهري ، عن ربيعة بن دراج : أن عليا -عليه السلام - سبح بعد العصر ركعتين فرآه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتغيظ ، وقال : لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنهما . قال أبو جعفر : هكذا هذا الحديث فيما حدثناه ابن عزيز وأبو أمية جميعا بالإسنادين اللذين في حديثيهما عن عقيل وصالح ، وقد خالفهما في ذلك يزيد بن أبي حبيب ، فأدخل فيه بين ابن شهاب وبين ربيعة بن دراج ابن محيريز . 6217 - كما حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث بن سعد . وكما حدثنا عبيد بن رجال ، قال : حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب : أن ابن شهاب كتب يذكر أن ابن محيريز ، أخبره عن ربيعة بن دراج ، أخبره : أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - سافر ، فصلى العصر ركعتين بطريق مكة ، ثم التفت فرأى علي بن أبي طالب -عليه السلام - سبح بعدها ، فتغيظ عليه ، ثم قال : والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنها . وقد وافقهما فيما رويا هذا الحديث عليه يونس بن يزيد ، وخالف يزيد بن أبي حبيب 6218 - كما حدثنا هارون بن كامل ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني ابن دراج : أن عليا - عليه السلام - سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة ، فدعاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتغيظ عليه ، ثم قال : أما والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنها . قال : ففي هذا الحديث ما قد خاطب به عمر عليا مما قد ذكر خطابه به فيه ، ومما فيه : أن عليا قد كان علم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد العصر وعمر لم يقل له ذلك إلا وقد علم أنه قد علم نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، لا سيما ولم ينكر عليه علي ما قاله له من ذلك ، فهل في ذلك ما يخالف حديث وهب بن الأجدع عنه أم لا ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - أنه ليس في واحد من حديث وهب ، ومن حديث ابن دراج خلاف للآخر عندنا - والله أعلم - إذ قد كان يحتمل أن يكون علي - عليه السلام - صلى والشمس عنده مرتفعة الارتفاع الذي معه إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ، وكانت عند عمر - رضي الله عنه - على خلاف ذلك ، فكانا مختلفين في الارتفاع للشمس الذي يبيح الصلاة ، ولم يكن ذلك بموجب اختلافهما فيما علمه علي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهما ، إذ الارتفاع قد يراد به معنى يقع في قلوب بعض السامعين من ذلك المعنى خلاف ما يقع في قلوب بعض السامعين إياه . وكان الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث وهب بن الأجدع فيه النهي عن الصلاة بعد تدلي الشمس ، لا فيما قبل ذلك بعد صلاة العصر ، ثم كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، فدخل في ذلك ما في حديث وهب عن علي ، وزاد على حديث وهب النهي عن الصلاة بعد العصر ، وإن كانت الشمس مرتفعة حين تغيب . فوقف على ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فصار إليه ، وحمل الناس عليه ، ولم يقف عليه علي - عليه السلام - ولم يعلمه ، فكان على ما في حديث وهب الذي رواه عنه والحديث الذي روي عن عمر في ذلك 5277 - هو ما قد حدثنا عبد العزيز بن معاوية العتابي ، قال : حدثنا يحيى بن حماد . 6219 - وما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، وفهد بن سليمان ، ويوسف بن يزيد ، قالوا : حدثنا سعيد بن منصور ، ثم قالوا جميعا : قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم : عمر بن الخطاب ، وكان عمر من أحبهم إلي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس . إلا أن عبد العزيز قال في حديثه : شهد عندي رجال مرضيون منهم : عمر ، وأرضاهم عندي عمر . . 6220 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، قال : سمعت أبا العالية يحدث ، عن ابن عباس ، قال : حدثني نفر أعجبهم إلي عمر ، ثم ذكر مثله . 6221 - وما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، قال : حدثنا سعيد - يعني ابن أبي عروبة - عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6222 - وما قد حدثنا أحمد ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن عبد الله بن عباس ، قال : شهد عندي رجال مرضيون ، فيهم عمر ، وأرضاهم عندي عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6223 - وما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبان - يعني ابن يزيد - عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس قال : شهد عندي رجال مرضيون منهم : عمر ، وكان أرضاهم عندي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما في هذا الحديث يوجب النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، فحمل عمر - رضي الله عنه - الناس عليه ، ودخل فيه ما قد كان علي - عليه السلام - علمه من نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ما كان قد نهى عنه مما قد ذكرناه عنه في حديث وهب بن الأجدع ، والله نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 285 تأويل مختلف الحديثالصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ · ص 193 قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ وَالْخَبَرُ . 20 - الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . قَالُوا : رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَلَا تُصَلُّوا لِطُلُوعِهَا قَالُوا : فَجَعَلْتُمْ لِلشَّيْطَانِ قُرُونًا تَبْلُغُ السَّمَاءَ ، وَجَعَلْتُمُ الشَّمْسَ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الْأَرْضِ مَرَّاتٍ تَجْرِي بَيْنَ قَرْنَيْهِ ، وَأَنْتُمْ مَعَ هَذَا تَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ، فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَلْطَفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَجَعَلْتُمْ عِلَّةَ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ طُلُوعَهَا مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْهِ ، وَمَا عَلَى الْمُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا جَرَتِ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ؟ وَمَا فِي هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ إِنْكَارَهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِخَلْقِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ ، وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي تَرْكِيبِهَا أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، فَتَتَمَثَّلَ مَرَّةً فِي صُورَةِ شَيْخٍ وَمَرَّةً فِي صُورَةِ شَابٍّ ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ نَارٍ ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ كَلْبٍ ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ جَانٍّ ، وَمَرَّةً تَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَمَرَّةً تَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ ، وَمَرَّةً تَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ ، فَهَؤُلَاءِ مُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ وَبِمَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَكُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ . لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَقْعُدُونَ مِنَ السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ، وَأَنَّهُمْ يَرْمُونَ بِالنُّجُومِ. وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الشَّيَاطِينِ أَنَّهُ قَالَ : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ لَنَا . فَكَيْفَ يَأْمُرُنَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَوْلَا أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْقُلُوبِ بِالسُّلْطَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، فَيُوَسْوِسُ بِذَلِكَ وَيُزَيِّنُ وَيُمَنِّي ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَزَّ - ؟ وَكَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ رُئِيَ مَرَّةً فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ ضُفْدَعٍ ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ جَانٍّ . وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْجِنَّ رِجَالًا ، كَمَا سَمَّانَا رِجَالًا فَقَالَ تَعَالَى : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ وَقَالَ فِي الْحُورِ الْعِينِ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ تَطْمِثُ كَمَا يَطْمِثُ الْإِنْسُ ، وَالطَّمْثُ الْوَطْءُ بِالتَّدْمِيَةِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ لَمْ نُرِدْ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَلَا الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَرُسُلِهِ. وَإِنَّمَا كَانَ غَرَضُنَا الرَّدَّ عَلَى مَنِ ادَّعَى عَلَى الْحَدِيثِ التَّنَاقُضَ وَالِاخْتِلَافَ ، وَاسْتِحَالَةَ الْمَعْنَى مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ رَآهُ لَا يَقُومُ فِي وَهْمِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، فَنَحْنُ نُرِيهِ الْمَعْنَى ، حَتَّى يَتَصَوَّرَ فِي وَهْمِهِ لَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحْسِنَ عِنْدَهُ ، وَلَا يَمْتَنِعَ عَلَى نَظَرِهِ . وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ عَبَدَةُ الشَّمْسِ يَسْجُدُونَ فِيهِ لِلشَّمْسِ ، وَقَدْ دَرَجَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ عَلَى عِبَادَةِ الشَّمْسِ وَالسُّجُودِ لَهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْنَا فِي نَبَأِ مَلِكَةِ سَبَأٍ ، أَنَّ الْهُدْهُدَ قَالَ لِسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ فِي الْعَرَبِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَيُعَظِّمُونَهَا وَيُسَمُّونَهَا الْإِلَاهَةَ ، قَالَ الْأَعْشَى : فَلَمْ أَذْكُرِ الرُّهْبَ حَتَّى انْفَتَلْتُ قُبَيْلَ الْإِلَاهَةِ مِنْهَا قَرِيبَا يَعْنِي الشَّمْسَ ، وَكَانَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ يَقْرَأُ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يُرِيدُ : وَيَذَرُكَ وَالشَّمْسَ الَّتِي تَعْبُدُ ، فَكَرِهَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسْجُدُ فِيهِ عَبَدَةُ الشَّمْسِ لِلشَّمْسِ . وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ حِينَئِذٍ أَوْ أَنَّ إِبْلِيسَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي جِهَةِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ، فَهُمْ يَسْجُدُونَ لَهُ بِسُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ ، وَيَؤُمُّونَهُ . وَلَمْ يُرِدْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ – بِالْقَرْنِ: مَا تَصَوَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ قُرُونِ الْبَقَرِ وَقُرُونِ الشَّاءِ ، وَإِنَّمَا الْقَرْنُ هَاهُنَا حَرْفُ الرَّأْسِ وَلِلرَّأْسِ قَرْنَانِ: أَيْ حَرْفَانِ وَجَانِبَانِ ، وَلَا أَرَى الْقَرْنَ الَّذِي يَطْلُعُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُمِّيَ قَرْنًا إِلَّا بِاسْمِ مَوْضِعِهِ ، كَمَا تُسَمِّي الْعَرَبُ الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا كَانَ لَهُ مَوْضِعًا أَوْ سَبَبًا فَيَقُولُونَ : رَفَعَ عَقِيرَتَهُ ، يُرِيدُونَ: صَوْتَهُ ؛ لِأَنَّ رَجُلًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ فَرَفَعَهَا وَاسْتَغَاثَ مِنْ أَجْلِهَا ، فَقِيلَ لِمَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ: رَفَعَ عَقِيرَتَهُ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَشْرِقِ : مِنْ هَاهُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ . لَا يُرِيدُ بِهِ مَا يَسْبِقُ إِلَى وَهْمِ السَّامِعِ مِنْ قُرُونِ الْبَقَرِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ مِنْ هَاهُنَا يَطْلُعُ رَأْسُ الشَّيْطَانِ . وَكَانَ وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَقُولُ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ : إِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَاسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُوسُ ، وَأَنَّهُ كَانَ حَلَمَ حُلْمًا ، رَأَى فِيهِ أَنَّهُ دَنَا مِنَ الشَّمْسِ ، حَتَّى أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا فِي شَرْقِهَا وَغَرْبِهَا. فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى قَوْمِهِ فَسَمَّوْهُ : ذَا الْقَرْنَيْنِ . وَأَرَادَ بِأَخْذِهِ بِقَرْنَيْهَا أَنَّهُ أَخَذَ بِجَانِبَيْهَا ، وَالْقُرُونُ أَيْضًا خُصَلُ الشَّعْرِ ، كُلُّ خُصْلَةٍ قَرْنٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلرُّومِ : ذَاتُ الْقُرُونِ ، يُرَادُ أَنَّهُمْ يُطَوِّلُونَ الشُّعُورَ. فَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَلِّمَنَا أَنَّ الشَّيْطَانَ فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ سُجُودِ عَبَدَتِهَا لَهَا مَائِلٌ مَعَ الشَّمْسِ ، فَالشَّمْسُ تَجْرِي مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُصَلِّيَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي يَكْفُرُ فِيهِ هَؤُلَاءِ ، وَيُصَلُّونَ لِلشَّمْسِ وَلِلشَّيْطَانِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَهَذَا أَمْرٌ مُغَيَّبٌ عَنَّا ، لَا نَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا مَا عَلِمْنَا . وَالَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ شَيْءٌ يَحْتَمِلُهُ التَّأْوِيلُ ، وَيُبَاعِدُهُ عَنِ الشَّنَاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمْ يَأْتِ أَهْلُ التَّكْذِيبِ بِهَذَا وَأَشْبَاهِهِ إِلَّا بِرَدِّهِمُ الْغَائِبَ عَنْهُمْ إِلَى الْحَاضِرِ عِنْدَهُمْ ، وَحَمْلِهِمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِنَ الْحَيَوَانِ وَالْمَوَاتِ ، وَاسْتِعْمَالِهِمْ حُكْمَ ذَوِي الْجُثَثِ فِي الرُّوحَانِيِّينَ ، فَإِذَا سَمِعُوا بِمَلَائِكَةٍ عَلَى كَوَاهِلِهَا الْعَرْشُ ، وَأَقْدَامُهَا فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى اسْتَوْحَشُوا مِنْ ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ مَا شَاهَدُوا ، وَقَالُوا : كَيْفَ تَخْرِقُ جُثَثُ هَؤُلَاءِ السَّمَاوَاتِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا وَالْأَرْضِينَ وَمَا فَوْقَهَا ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرَى لِذَلِكَ أَثَرًا ؟ . وَكَيْفَ يَكُونُ خَلْقٌ لَهُ هَذِهِ الْعَظَمَةُ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ أَرْوَاحًا وَلَهَا كَوَاهِلُ وَأَقْدَامٌ . وَإِذَا سَمِعُوا بِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّةً أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَمَرَّةً فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ شَابٍّ ، وَمَرَّةً سَدَّ بِجَنَاحَيْهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، قَالُوا: كَيْفَ يَتَحَوَّلُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مَرَّةً فِي غَايَةِ الصِّغَرِ؟ وَمَرَّةً فِي غَايَةِ الْكِبَرِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُزَادَ فِي جِسْمِهِ وَلَا جُثَّتِهِ وَأَعْرَاضِهِ ؟ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَايِنُونَ إِلَّا مَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَإِذَا سَمِعُوا بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَصِلُ إِلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ حَتَّى يُوَسْوِسَ لَهُ وَيَخْنِسَ . قَالُوا : مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ ؟ وَهَلْ يَجْتَمِعُ رُوحَانِ فِي جِسْمٍ ؟ وَكَيْفَ يَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَوِ اعْتَبَرُوا مَا غَابَ عَنْهُمْ بِمَا رَأَوْهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - لَعَلِمُوا أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يُفَجِّرَ مِيَاهَ الْأَرْضِ كُلَّهَا إِلَى الْبَحْرِ ، مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا ، فَهِيَ تُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ . وَلَوْ جُعِلَ لِنَهْرٍ مِنْهَا مِثْلِ دِجْلَةَ أَوِ الْفُرَاتِ أَوِ النِّيلِ سَبِيلٌ إِلَى مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى وَالْعِمَارَاتِ وَالْخَرَابِ شَهْرًا ، لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْءٌ إِلَّا هَلَكَ ، هُوَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى مَا أَنْكَرُوا وَأَنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُحَرِّكَ هَذِهِ الْأَرْضَ عَلَى عِظَمِهَا وَكَثَافَتِهَا وَبِحَارِهَا ، وَأَطْوَادِهَا وَأَنْهَارِهَا حَتَّى تَتَصَدَّعَ الْجِبَالُ ، وَحَتَّى تَغِيضَ الْمِيَاهُ ، وَحَتَّى يَنْتَقِلَ جَبَلٌ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ ، هُوَ الَّذِي لَطَفَ لِمَا قَدَّرَ . وَأَنَّ الَّذِي وَسَّعَ إِنْسَانَ الْعَيْنِ مَعَ صِغَرِهِ وَضَعْفِهِ لِإِدْرَاكِ نِصْفِ الْفَلَكِ عَلَى عِظَمِهِ ، حَتَّى رَأَى النَّجْمَ مِنَ الْمَشْرِقِ وَرَقِيبَهُ مِنَ الْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَحَتَّى خَرَقَ مِنَ الْجَوِّ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ مَلَكًا مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ ، مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ . فَهَلْ مَا أَنْكَرَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مَا عَرَفَ ؟ وَهَلْ مَا رَأَى إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَرَهُ ؟ فَتَعَالَى اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ .