794- باب بيان مشكل ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من احتجاجه فيما احتج به من صدقته ببئر رومة ، ومن منعهم إياه من الشرب منها ، ومن زيادته في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما زاده فيه ، ومن منعهم إياه من الصلاة فيه . 5938 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا صالح بن حاتم بن وردان ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي يحدث ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري ، قال : بلغ عثمان - رضي الله عنه - أن الوفد من أهل مصر قد أقبلوا ، فخرج يستقبلهم ، فذكر حديثه بطوله إلى أن بلغ إلى خروجه على الناس ، فقال : أنشدكم بالله ، أتعلمون أني اشتريت رومة من مالي بكذا وكذا ليستعذب بها ، فجعلت رشائي فيها كرشاء رجل من المسلمين ؟ فقالوا : اللهم نعم . قال : فأنشدكم بالله - عز وجل - أتعلمون أن أحدا من الناس منع من الشرب منها غيري ، حتى ما أفطر إلا على ماء البحر ؟ قال : فسكتوا ، قال : ثم أشرف عليهم ذات يوم ، فقال : أنشدكم بالله - عز وجل- أتعلمون أني اشتريت من الأرض من مالي بكذا وكذا ، فزدتها في المسجد ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : فأنشدكم بالله - عز وجل - أتعلمون أن أحدا من الناس منع من الصلاة فيه غيري ؟ قال : فسكتوا . 5939 - وحدثناإبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سعيد بن عامر ، عن يحيى بن أبي الحجاج ، عن أبي مسعود الجريري ، عن ثمامة بن حزن القشيري ، قال : شهدت الدار وأشرف عليهم عثمان - رضي الله عنه - فقال : ائتوني بصاحبيكم هذين اللذين ألباكم علي . قال : فجيء بهما ، كأنهما جملان أو كأنهما حماران ، فأشرف عليهم عثمان ، فقال : أنشدكم الله والإسلام ، هل تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة ، وليس فيها ما يستعذب غير بئر رومة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يشتري بئر رومة ، ويكون دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من صلب مالي ؟ وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر ، قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن المسجد كان ضاق بأهله ، فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يشتري بقعة آل فلان بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من مالي ، أو قال : من صلب مالي ، فزدتها في المسجد ؟ وأنتم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين . قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله والإسلام ، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله والإسلام ، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على ثبير مكة هو وأبو بكر وعمر وأنا ، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض ، فركض برجله ، وقال : اسكن ثبير ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : الله أكبر ، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد الله أكبر ، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ، قالها ثلاثا . فقال قائل : ففي هذين الحديثين أن عثمان - رضي الله عنه - قد كان في أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأمره جعل رومة للمسلمين على أن رشاءه فيها كرشاء أحدهم ، وزاد في المسجد ما زاد على أن يكون في الصلاة فيه كأحدهم ، فكيف تقبلون هذا وقد رويتم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الصدقة التي كان تصدق بها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أراد أن يشتريها ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن ذلك ، وقال له فيه : لا تعد في صدقتك ، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه ؟ ورويتم في ذلك أيضا عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - في دابة كان تصدق بها ، فولدت فلوا ، أنه منع من شرائه ؟ وذكر في ذلك آثارا ، سنذكرها فيما بعد من كتابنا هذا في موضع هو أولى بها من هذا الموضع - إن شاء الله - . قال : فكيف تقبلون ما رويتموه من حديثي عثمان اللذين رويتموهما ، وفيهما شربه من الماء الذي تصدق به ، وصلاته في المكان الذي زاده في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة فيه ، وذلك انتفاع منه بما قد كان تصدق به مما يمنع مما في حديث عمر - رضي الله عنه - وما في حديث الزبير اللذين رويتموهما - يعني اللذين ذكرناهما في هذا الباب - وفي ذلك تضاد شديد ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز وعونه - : أنه لا تضاد في شيء من ذلك كما توهم ؛ لأن الذي في حديث عمر مما أراد ابتياعه ، هو الفرس الذي كان تصدق به ، فكان ذلك طلبا منه في عود ما تصدق به إلى ملكه ، فنهي عن ذلك ، وكذلك ما في حديث الزبير فيما نهي عنه من ابتياع شيء من نتاج ما قد تصدق به ، وفي حديث عمر مثل ذلك أيضا مما سنجيء به في ذلك الباب - إن شاء الله - فكان النهي عن ما قد نهي عنه عمر والزبير هو العود في نفس الصدقة حتى تعود مملوكة إلى المتصدق بها بعدما قد أزال ملكه عنها إلى الله - عز وجل - فلم يصلح ذلك له ، ومنع من ذلك ، وكان ما في حديثي عثمان ليس فيه رجوع شيء مما كان تصدق به ، فخرج من ملكه إلى الله - عز وجل - فرجع إلى ملكه بعد ذلك ، إنما فيه انتفاعه بذلك ، وما وقعت عليه صدقته ، فلله - عز وجل - على ما كان عليه ، غير راجع إلى ملكه . وكان تصحيح كل واحد من هذين المعنيين ، على أن ما يرجع به ما وقعت عليه الصدقة ، أو شيء منه إلى ملك المتصدق بما وقعت عليه الصدقة حتى يعود ملكا له ، مكروه له ، ممنوع منه ، وأن ما كان من منافع ذلك كشرب مائه ، والمرور فيه ، والصلاة فيه ، غير ممنوع من ذلك ؛ لأنه لا يرجع ملكا للمتصدق بما تصدق به مما ذلك الجنس من منافعه ، ومما يدل على ذلك : أن الله قد حرم الصدقة على الأغنياء ، فلم يدخل في تحريمه لها شرب ماء الصدقة ، وأبيح ذلك للأغنياء ممن تصدق به ، وممن لم يتصدق به ؛ لأن ذلك لم يعد إلى ملكه ، إنما عاد إلى المنفعة به ، وهو لله - عز وجل - حينئذ ، لا لمن سواه من خلقه ممن يتصدق به ، ومن سواه ، فمثل ذلك ما كان مباحا لعثمان - رضي الله عنه - من صدقتيه اللتين ذكرنا ، فقد بان بحمد الله ونعمته أن لا تضاد في شيء من هذه الآثار ، ولا اختلاف وأن كل وجه منها يرجع إلى معنى غير المعنى الذي يرجع إليه سواه منها ، وأن المميزين بين ذلك ، هم الذين اختصهم الله - عز وجل - بعلم ذلك ، لا من سواهم ممن منعه ذلك ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 13 شرح مشكل الآثارص 19 795- باب بيان مشكل ما روي في منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب عن العود في صدقته ، هل ذلك بكل الوجوه حتى لا تصلح له بوجه منها ، أو على خاص من الوجوه ؟ . 5940 - حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي ، قال : حدثنا خلف بن هشام المقرئ ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : حملت على فرس في سبيل الله - عز وجل - وكنا إذا حملنا في سبيل الله أتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعناه إليه ، فيضعه حيث أراه الله - عز وجل - فجئت بفرسي ، فدفعتها إليه ، فحمل عليها رجلا من أصحابه فوافقته يبيعها في السوق ، فأردت أن أشتريها منه ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال : لا تشتريها ، ولا تعد في شيء من صدقتك . 5941 - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله ، فوجده يباع ، فأراد أن يبتاعه ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : لا تبتعه ولا تعد في صدقتك . 5942 - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر - رضي الله عنه - : أنه أبصر فرسا تباع في السوق ، وكان تصدق بها ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشتريه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تشتريه ولا شيئا من نتاجه . 5943 - حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : أخبرني نافع ، عن ابن عمر : أن عمر تصدق بفرس له في زمن رسول الله ، وأنه وجده يباع ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا تشتريه ، ولا تقربنه . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر عن ابتياع صدقته ، وأن ذلك عود منه فيها فاحتمل أن يكون ذلك يوقع الكراهة لملكها من الوجوه كلها ، واحتمل أن يكون على الكراهة لملكها من بعض الوجوه دون بعض ، فنظرنا في ذلك . 5944 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر : أن ابن عمر كان يحدث أن عمر - رضي الله عنه - تصدق بفرس في سبيل الله ، فوجده يباع بعد ذلك ، فأراد أن يشتريه ، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأمره في ذلك ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تعد في صدقتك . فبذلك كان ابن عمر يترك أن يبتاع شيئا تصدق به ، أو يرثه ، إلا جعله صدقة ، ففي هذا ما قد دل أن ابن عمر كان يرى أن رجوع الصدقة إلى المتصدق بها بالميراث ، مكروه له احتباسها في ملك ، حتى يردها إلى الصدقة . ثم نظرنا : هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدفع هذا القول أم لا ؟ . 5945 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ، إني أعطيت أمي حديقة ، وإنها ماتت ، ولم تترك وارثا غيري ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وجبت صدقتك ، ورجعت إليك حديقتك . فكان في هذا إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتصدق ملك صدقته بالميراث ، وإباحته ذلك له ، وفيما روينا قبله منعه عمر من ابتياع صدقته ، فوجب بتصحيح هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكون إعادة المتصدق صدقته بالابتياع ، وبما أشبهه من الأشياء التي تكون منه ، كالقبول لها في هبة له ، أو في صدقة عليه ، أو فيما سوى ذلك من وجوه التمليكات ، مكروها له ، وأن إعادة الله - عز وجل - إياها إلى ملكه بتوريث له إياها عن من تصدق بها عليه ، غير مكروه له ، إذ لم يكن ذلك بارتجاعه إياها ، وإنما كان ذلك بإعادة الله - عز وجل - إياها إليه . وقد روي أيضا في الرجوع في الصدقة بالابتياع لها نهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير عمر عن مثل ذلك أيضا . 5946 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن عامر ، عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - : أنه حمل على فرس في سبيل الله - عز وجل - فنزا فرسا أو مهرا ، فأراد شراءها ، فنهي عنها . 5947 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سريج بن النعمان ، قال : حدثنا حماد ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن عباس : أن الزبير حمل على فرس في سبيل الله فوجد فرسا يباع من ضئضئها - يعني ولد ولدها - فنهي أن يشتريها . قال أبو جعفر : فاختلف سليمان وعاصم في الرجل الذي حدث أبو عثمان بهذا الحديث عنه كما ذكرنا في اختلافهما فيه ، وقد روي عن أسامة بن زيد مثل ذلك أيضا . 5948 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الله بن معقل ، عن أسامة أو زيد : أنه حمل على فرس في سبيل الله - عز وجل - فأراد أن يشتري فلوها ، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - . 5949 - وكما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا ليث بن داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن يحيى بن الجزار ، عن عبد الله بن معقل ، عن أسامة بن زيد أو زيد بن حارثة ، ثم ذكر مثله . فزاد ليث بن داود ، عن شعبة على وهب بن جرير في إسناد هذا الحديث بين الحكم وبين عبد الله بن معقل يحيى بن الجزار ، ففي حديثي الزبير وأسامة كراهة ما ولد الفرس المتصدق به ككراهة الفرس بعينه ، فقد بان بحمد الله - عز وجل - ونعمته أن لا تضاد في شيء مما رويناه في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن لكل معنى مذكور فيه وجه ، يتوجه فيه غير الوجه الذي يتوجه فيه ما يظن من لا علم له أنه يخالفه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 19 795- باب بيان مشكل ما روي في منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب عن العود في صدقته ، هل ذلك بكل الوجوه حتى لا تصلح له بوجه منها ، أو على خاص من الوجوه ؟ . 5940 - حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي ، قال : حدثنا خلف بن هشام المقرئ ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : حملت على فرس في سبيل الله - عز وجل - وكنا إذا حملنا في سبيل الله أتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعناه إليه ، فيضعه حيث أراه الله - عز وجل - فجئت بفرسي ، فدفعتها إليه ، فحمل عليها رجلا من أصحابه فوافقته يبيعها في السوق ، فأردت أن أشتريها منه ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال : لا تشتريها ، ولا تعد في شيء من صدقتك . 5941 - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله ، فوجده يباع ، فأراد أن يبتاعه ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : لا تبتعه ولا تعد في صدقتك . 5942 - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر - رضي الله عنه - : أنه أبصر فرسا تباع في السوق ، وكان تصدق بها ، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشتريه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تشتريه ولا شيئا من نتاجه . 5943 - حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : أخبرني نافع ، عن ابن عمر : أن عمر تصدق بفرس له في زمن رسول الله ، وأنه وجده يباع ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا تشتريه ، ولا تقربنه . قال أبو جعفر : ففي هذه الآثار نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر عن ابتياع صدقته ، وأن ذلك عود منه فيها فاحتمل أن يكون ذلك يوقع الكراهة لملكها من الوجوه كلها ، واحتمل أن يكون على الكراهة لملكها من بعض الوجوه دون بعض ، فنظرنا في ذلك . 5944 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر : أن ابن عمر كان يحدث أن عمر - رضي الله عنه - تصدق بفرس في سبيل الله ، فوجده يباع بعد ذلك ، فأراد أن يشتريه ، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأمره في ذلك ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تعد في صدقتك . فبذلك كان ابن عمر يترك أن يبتاع شيئا تصدق به ، أو يرثه ، إلا جعله صدقة ، ففي هذا ما قد دل أن ابن عمر كان يرى أن رجوع الصدقة إلى المتصدق بها بالميراث ، مكروه له احتباسها في ملك ، حتى يردها إلى الصدقة . ثم نظرنا : هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدفع هذا القول أم لا ؟ . 5945 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ، إني أعطيت أمي حديقة ، وإنها ماتت ، ولم تترك وارثا غيري ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وجبت صدقتك ، ورجعت إليك حديقتك . فكان في هذا إباحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتصدق ملك صدقته بالميراث ، وإباحته ذلك له ، وفيما روينا قبله منعه عمر من ابتياع صدقته ، فوجب بتصحيح هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكون إعادة المتصدق صدقته بالابتياع ، وبما أشبهه من الأشياء التي تكون منه ، كالقبول لها في هبة له ، أو في صدقة عليه ، أو فيما سوى ذلك من وجوه التمليكات ، مكروها له ، وأن إعادة الله - عز وجل - إياها إلى ملكه بتوريث له إياها عن من تصدق بها عليه ، غير مكروه له ، إذ لم يكن ذلك بارتجاعه إياها ، وإنما كان ذلك بإعادة الله - عز وجل - إياها إليه . وقد روي أيضا في الرجوع في الصدقة بالابتياع لها نهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير عمر عن مثل ذلك أيضا . 5946 - كما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن عامر ، عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - : أنه حمل على فرس في سبيل الله - عز وجل - فنزا فرسا أو مهرا ، فأراد شراءها ، فنهي عنها . 5947 - وكما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا سريج بن النعمان ، قال : حدثنا حماد ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن عباس : أن الزبير حمل على فرس في سبيل الله فوجد فرسا يباع من ضئضئها - يعني ولد ولدها - فنهي أن يشتريها . قال أبو جعفر : فاختلف سليمان وعاصم في الرجل الذي حدث أبو عثمان بهذا الحديث عنه كما ذكرنا في اختلافهما فيه ، وقد روي عن أسامة بن زيد مثل ذلك أيضا . 5948 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الله بن معقل ، عن أسامة أو زيد : أنه حمل على فرس في سبيل الله - عز وجل - فأراد أن يشتري فلوها ، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - . 5949 - وكما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا ليث بن داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن يحيى بن الجزار ، عن عبد الله بن معقل ، عن أسامة بن زيد أو زيد بن حارثة ، ثم ذكر مثله . فزاد ليث بن داود ، عن شعبة على وهب بن جرير في إسناد هذا الحديث بين الحكم وبين عبد الله بن معقل يحيى بن الجزار ، ففي حديثي الزبير وأسامة كراهة ما ولد الفرس المتصدق به ككراهة الفرس بعينه ، فقد بان بحمد الله - عز وجل - ونعمته أن لا تضاد في شيء مما رويناه في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن لكل معنى مذكور فيه وجه ، يتوجه فيه غير الوجه الذي يتوجه فيه ما يظن من لا علم له أنه يخالفه ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 8 933 - باب بيان مشكل ما اختلف فيه أهل العلم من البيع الذي يقع بين الناس بالأثمان التي لا يتغابنون فيها ؛ هل يكون ذلك بيعا منعقدا ، أو لا يكون كذلك . 6870 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : حملت على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده ، فأردت أن أبتاعه منه ، وطلبت ابتياعه برخص ، فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تشتره ، وإن أعطاكه بدرهم واحد ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه . 6871 - وحدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : سمعت عمر . . . ثم ذكر مثله . 6872 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري ، أخبرني زيد بن أسلم ، أخبرني أبي ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : حملت على فرس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان منع عمر من شراء تلك الفرس ، وإن أعطيها بدرهم واحد الذي كان يحاول بيعها عليه ، فدل ذلك أنه لو لم يكن حمله عليها لم يحل له ابتياعه بالدرهم الذي نهاه أن يبتاعها ، وإن أعطيها به ، وهذا قول فقهاء الأمصار من أهل الحجاز ، ومن أهل العراق ، وممن سواهم ، وإنما خرج عنهم في ذلك بعض المتأخرين ، وذهب إلى أن من أوقع البيع كذلك لم يكن بيعا ، وكان معقولا أن من كان له تمليك شيء ، فلا بد له من تمليك الشيء بقليل البدل ، وبالله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 8 933 - باب بيان مشكل ما اختلف فيه أهل العلم من البيع الذي يقع بين الناس بالأثمان التي لا يتغابنون فيها ؛ هل يكون ذلك بيعا منعقدا ، أو لا يكون كذلك . 6870 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : حملت على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده ، فأردت أن أبتاعه منه ، وطلبت ابتياعه برخص ، فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تشتره ، وإن أعطاكه بدرهم واحد ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه . 6871 - وحدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : سمعت عمر . . . ثم ذكر مثله . 6872 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري ، أخبرني زيد بن أسلم ، أخبرني أبي ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : حملت على فرس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر مثله . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان منع عمر من شراء تلك الفرس ، وإن أعطيها بدرهم واحد الذي كان يحاول بيعها عليه ، فدل ذلك أنه لو لم يكن حمله عليها لم يحل له ابتياعه بالدرهم الذي نهاه أن يبتاعها ، وإن أعطيها به ، وهذا قول فقهاء الأمصار من أهل الحجاز ، ومن أهل العراق ، وممن سواهم ، وإنما خرج عنهم في ذلك بعض المتأخرين ، وذهب إلى أن من أوقع البيع كذلك لم يكن بيعا ، وكان معقولا أن من كان له تمليك شيء ، فلا بد له من تمليك الشيء بقليل البدل ، وبالله التوفيق .