فصل وكان من هَدِْيه الشُّربُ قاعدا ، هذا كان هديَه المعتادَ ، وصحَّ عنه أنه نهى عن الشُّرب قائما ، وصحَّ عنه أنه أمر الذي شرب قائما أن يَسْتَقيء ، وصَحَّ عنه أنه شرب قائما . قالت طائفةٌ : هذا ناسخٌ للنهي ، وقالت طائفةٌ : بل مبيِّنٌ أنَّ النهي ليس للتحريم ، بل للإرشاد وتركِ الأوْلى ، وقالت طائفةٌ : لا تعارُضَ بينهما أصلا ، فإنه إنما شَرِبَ قائما للحاجة ، فإنه جاء إلى زمزمَ ، وهم يَستَقُون منها ، فاستَقَى فناولُوه الدَّلوَ ، فشرب وهو قائم ، وهذا كان موضعَ حاجة . وللشرب قائما آفاتٌ عديدة منها : أنه لا يحصل به الرِّي التام ، ولا يستَقِرُّ في المَعِدَة حتى يَقْسِمَه الكبدُ على الأعضاء ، وينزل بسرعة وَحِدَّة إلى المَعِدَة ، فيُخشى منه أن يُبردَ حرارتَها ، ويُشوشها ، ويُسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج ، وكلُّ هذا يَضُرُّ بالشارب ، وأمَّا إذا فعله نادرا أو لحاجة ، لم يَضره ، ولا يُعترض بالعوائد على هذا ، فإنَّ العوائد طبائعُ ثوانٍ ، ولها أحكامٌ أُخرى ، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء .
الطب النبوي
الطب النبويفصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الشُّربُ قاعدا · ص 168 الطب النبويفصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغطية الآنية · ص 171 فصل وقد روى مسلم في ( صحيحه ) من حديث جابر بن عبد الله ، قال : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : غطُّوا الإناءَ ، وأَوْكُوا السِّقاءَ ، فإنَّ في السَّنَةِ لَيْلَةً ينزِلُ فِيهَا وباءٌ لا يَمُرُّ بإناءٍ ليس عليه غِطَاءٌ ، أو سِقاءٍ ليس عليه وِكاءٌ إلا وَقَعَ فيه من ذلك الدَّاء . وهذا مما لا تنالُه علوم الأطباء ومعارفُهم ، وقد عرفه مَن عرفه من عقلاء الناس بالتجربة . قال اللَّيث بن سعد أحدُ رواة الحديث : الأعاجمُ عندنا يتَّقون تلك الليلة في السنة ، في كانُونَ الأول منها . وصَحَّ عنه أنه أمرَ بتخمير الإناء ولو أن يَعرِضَ عليه عُودا . وفي عرض العود عليه من الحكمة ، أنه لا ينسى تخميرَه ، بل يعتادُه حتى بالعود ، وفيه : أنه ربما أراد الدُّبَيِّب أن يسقط فيه ، فيمرُّ على العود ، فيكون العودُ جسرا له يمنعه من السقوط فيه . وصَحَّ عنه أنه أمرَ عند إيكاءِ الإناء بذكر اسم الله ، فإنَّ ذِكْر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان ، وإيكاؤُه يطرد عنه الهَوامَّ ، ولذلك أمر بذكر اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين . وروى البخاري في ( صحيحه ) من حديث ابن عباس ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشُّرب مِنْ في السِّقاء . وفي هذا آدابٌ عديدة ، منها : أنَّ تردُّدَ أنفاس الشارب فيه يُكسبه زُهومة ورائحة كريهة يُعاف لأجلها . ومنها : أنه ربما غلب الداخِلُ إلى جوفه من الماء ، فتضرَّر به . ومنها : أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به ، فيؤذيه . ومنها : أنَّ الماء ربما كان فيه قَذاةٌ أو غيرُها لا يراها عند الشرب ، فتَلِج جوفه . ومنها : أنَّ الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء ، فيضيقُ عن أخذ حظَّه من الماء ، أو يُزاحمه ، أو يؤذيه ، ولغير ذلك من الحِكَم . فإن قيل : فما تصنعون بما في ( جامع الترمذي ) : أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بإداوة يومَ أُحُد ، فقال : اخْنُثْ فَمَ الإدَاوَة ، ثُمَّ شَرِبَ منها مِن فيها ؟ قلنا : نكتفي فيه بقول الترمذي : هذا حديثٌ ليس إسناده بصحيح ، وعبد الله بن عمر العُمري يُضعَّفُ من قِبلِ حفظه ، ولا أدري سمع من عيسى أو لا . انتهى . يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه ، عن رجل من الأنصار .