حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
معجم البلدان

الباب الثالث في تفسير الألفاظ التي يتكرر ذكرها في هذا الكتاب

الباب الثالث في تفسير الألفاظ التي يتكرر ذكرها في هذا الكتاب فإن فسرناها في كل موضع تجيء فيه أطلنا ، وإن ذكرناها في موضع دون الآخر بخسنا أحدهما حقه ، ويبهم على المستفيد موضعها ، وإن ألقيناها جملة أحوجنا الناظر في هذا الكتاب إلى غيره ، فجئنا بها هاهنا مفسرة ، مبينة ، مسهلا على الطالب أمرها ، وهي البريد ، والفرسخ ، والميل ، والكورة ، والإقليم ، والمخلاف ، والإستان ، والطسوج ، والجند ، والسكة ، والمصر ، وأباذ ، والطول ، والعرض ، والدرجة ، والدقيقة ، والصلح ، والسلم ، والعنوة ، والخراج ، والفيء ، والغنيمة ، والقطيعة . فأما البريد : ففيه خلاف ، وذهب قوم إلى أنه بالبادية اثنا عشر ميلا ، وبالشام وخراسان ستة أميال . وقال أبو منصور : البريد الرسول ، وإبراده إرساله .

وقال بعض العرب : الحمى بريد الموت ، أي إنها رسول الموت تنذر به ، والسفر - الذي يجوز فيه قصر الصلاة - أربعة برد ، ثمانية وأربعون ميلا بالأميال الهاشمية التي في طريق مكة ، وقيل لدابة البريد بريد ، لسيرها في البريد ، قال الشاعر : وإني أنص العيش حتى كأنني عليها بأجواز الفـلاة بـريد وقال ابن الأعرابي : كل ما بين المنزلين بريد . وحكى بعضهم ما خالف به من تقدم ذكره ، فقال : من بغداد إلى مكة مائتان وخمسة وسبعون فرسخا وميلان ، ويكون أميالا ثمانمائة وسبعة وعشرين ميلا . وهذه عدة ثمانية وخمسين بريدا وأربعة أميال .

ومن البريد عشرون ميلا . هذه حكاية قوله ، والله أعلم . وخبرني بعض من لا يوثق به ، لكنه صحيح النظر والقياس ، أنه إنما سميت خيل البريد بهذا الاسم ، لأن بعض ملوك الفرس اعتاق عنه رسل بعض جهات مملكته ، فلما جاءته الرسل سألها عن سبب بطئها ، فشكوا من مروا به من الولاة ، وأنهم لم يحسنوا معونتهم .

فأحضرهم الملك وأراد عقوبتهم ، فاحتجوا بأنهم لم يعلموا أنهم رسل الملك ، فأمر أن تكون أذناب خيل الرسل وأعرافها مقطوعة لتكون علامة لمن يمرون به ، ليزيحوا عللهم في سيرهم فقيل : بريد ، أي قطع ، فعرب ، فقيل خيل البريد . والله أعلم . وأما الفرسخ : فقد اختلف فيه أيضا .

فقال قوم : هو فارسي معرب وأصله فرسنك . وقال اللغويون : الفرسخ عربي محض . يقال : انتظرتك فرسخا من النهار ، أي طويلا .

وقال الأزهري : أرى أن الفرسخ أخذ من هذا . وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال : سمي الفرسخ فرسخا لأنه إذا مشى صاحبه استراح وجلس . قلت : كذا .

قال : وهذا كلام لا معنى له . والله أعلم . وقد روي في حديث حذيفة : ما بينكم وبين أن يصب عليكم الشر فراسخ ، إلا موت رجل ، فلو قيل قد مات صب عليكم الشر فراسخ .

قال ابن شميل في تفسيره : وكل شيء دائم كثير فرسخ . قلت : أنا أرى أن الفرسخ من هذا أخذ ؛ لأن الماشي يستطيله ويستديمه ، ويجوز في رأيي أن يكون تأويل حديث حذيفة أنه يصب عليكم الشر طويلا بطول الفراسخ ، ولم يرد به نفس الطول ، وإنما يراد به مقدار طول الفرسخ الذي هو علم لهذه المسافة المحدودة . والله أعلم .

وقالت الكلابية : فراسخ الليل والنهار ساعاتهما وأوقاتهما ، ولعله من الأول ، وإن كان هذا هو الأصل ، فالفرسخ مشتق منه كأنه يراد سير ساعة أو ساعات ، هذا إن كان عربيا . وأما حده ومعناه فلا بد من بسط يتحقق به معناه ومعنى الميل معا . قالت الحكماء : استدارة الأرض في موضع خط الاستواء ثلاثمائة وستون درجة ، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل أربعة آلاف ذراع .

فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع ، والذراع أربع وعشرون إصبعا ، والإصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض . وقيل : الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة ، تكون بذراع المساحة ، وهي الذراع الهاشمية ، وهي ذراع وربع بالمرسل تسعة آلاف ذراع وستمائة ذراع . وقال قوم : الفرسخ سبعة آلاف خطوة ، ولم أر لهم خلافا في أن الفرسخ ثلاثة أميال .

وأما الميل : فقال بطليموس في المجسطِيّ : الميل ثلاثة آلاف ذراع بذراع الملك ، والذراع ثلاثة أشبار ، والشبر ست وثلاثون إصبعا ، والإصبع خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض . قال : والميل جزء من ثلاثة أجزاء من الفرسخ . وقيل : الميل ألفا خطوة وثلاثمائة وثلاث وثلاثون خطوة .

وأما أهل اللغة فالميل عندهم مدى البصر ومنتهاه . قال ابن السكيت : وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل ، ولا نعني بمدى البصر كل مرئي ، فإنا نرى الجبل من مسيرة أيام ، إنما نعني أن ينظر الصحيح البصر ما مقداره ميل ، وهي بنية ارتفاعها عشر أذرع أو قريبا من ذلك ، وغلظها مناسب لطولها ، وهذا عندي أحسن ما قيل فيه . وأما الإقليم : فقد تقدم من القول فيه اشتقاقا واحدا واختلافا في الباب الثاني ما أغنانا عن إعادة ذكره ، وإنما ترجمناه هاهنا لأنه حري بأن يكون فيه ، فلما تقدم ما تقدم من أمره دللنا على موضعه ليطلب .

وأما الكورة فقد ذكر حمزة الأصفهاني : الكورة اسم فارسي بحت ، يقع على قسم من أقسام الأُستان ، وقد استعارتها العرب وجعلتها اسما للأستان ، كما استعارت الإقليم من اليونانيين فجعلته اسما للكشخر ، فالكورة والأستان واحد . قلت أنا : الكورة كل صقع يشتمل على عدة قرى ، ولا بد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة كقولهم : دارا بجرد ، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دارا بجرد ، ونحو نهر الملك فإنه نهر عظيم مخرجه من الفرات ، ويصب في دجلة ، عليه نحو ثلاثمائة قرية . ويقال لذلك جميعه نهر الملك ، وكذلك ما أشبه ذلك .

وأما المخلاف : فأكثر ما يقع في كلام أهل اليمن . وقد يقع في كلام غيرهم على جهة التبع لهم والانتقال لهم ، وهو واحد مخاليف اليمن ، وهي كورها . ولكل مخلاف منها اسم يعرف به ، وهو قبيلة من قبائل اليمن أقامت به وعمرته ، فغلب عليه اسمها .

وفي حديث معاذ : من تحول من مخلاف إلى مخلاف فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته الأول ، إذا حال عليه الحول . وقال أبو عمرو : يقال استعمل فلان على مخاليف الطائف وعلى الأطراف والنواحي . وقال خالد بن جنبة : في كل بلد مخلاف ، بمكة مخلاف ، والمدينة ، والبصرة ، والكوفة .

قلت : وهذا كما ذكرنا بالعادة والألف ، إذا انتقل اليماني إلى هذه النواحي سمى الكورة بما ألفه من لغة قومه ، وفي الحقيقة إنما هي لغة أهل اليمن خاصة . وقال بعضهم : مخلاف البلد سلطانه . وحكي عن بعض العرب قال : كنا نلقى بني نمير ونحن في مخلاف المدينة وهم في مخلاف اليمامة .

وقال أبو معاذ : المخلاف البنكرد ، وهو أن يكون لكل قوم صدقة على حدة ، فذاك بنكرده ، يؤدى إلى عشيرته التي كان يؤدى إليها . وفي كتاب العين ، يقال فلان من مخلاف كذا وكذا ، وهو عند أهل اليمن كالرستاق ، والجمع مخاليف . قلت : هذا الذي بلغني فيه ، ولم أسمع في اشتقاقه شيئا ، وعندي فيه ما أذكره ، وهو أن ولد قحطان لما اتخذوا أرض اليمن مسكنا وكثروا فيها لم يسعهم المقام في موضع واحد ، فجمعوا رأيهم على أن يسيروا في نواحي اليمن ليختار كل بني أب موضعا يعمرونه ويسكنونه .

وكانوا إذا ساروا إلى ناحية واختارها بعضهم تخلف بها عن سائر القبائل وسماها باسم أبي تلك القبيلة المتخلفة فيها ، فسموها مخلافا لتخلف بعضهم عن بعض فيها ، ألا تراهم سموها مخلاف زبيد ، ومخلاف سنحان ، ومخلاف همدان ، لا بد من إضافته إلى قبيلة . والله أعلم . وأما الإستان : فقد ذكرنا عن حمزة أنه قال : إن الإستان والكورة واحد .

ثم قال : شهرستان وطبرستان وخوزستان مأخوذ من الإستان ، فخفف بحذف الألف . ومثال ذلك أن رقعة فارس خمسة أساتين ، أحدها إستان دارا بجرد ، ثم ينقسم الإستان إلى الرساتيق ، وينقسم الرستاق إلى الطساسيج ، وينقسم كل طسوج إلى عدة من القرى ، مثال ذلك : إصطخراستان من أساتين فارس ، ويزد رستاق من رساتيق إصطخر ، ونائين وقرى معها طسوج من طساسيج رستاق يزد ، ونياستانه قرية من قرى طسوج نائين . وزعم مؤيد الري أن معنى الإستان المأوى ، ومنه يقال : وهما إستان كرفت إذا أصاب موضعا يأوي إليه .

وأما الرستاق : فهو فيما ذكره حمزة بن الحسن مشتق من روذه فستا . وروذه اسم للسطر والصف والسماط ، وفستا : اسم للحال ، والمعنى أنه على التسطير والنظام ، قلت : الذي عرفناه وشاهدناه في زماننا في بلاد الفرس أنهم يعنون بالرستاق كل موضع فيه مزارع وقرى ، ولا يقال ذلك للمدن كالبصرة وبغداد ، فهو عند الفرس بمنزلة السواد عند أهل بغداد وهو أخص من الكورة والإستان . وأما الطسوج : بوزن سبوح وقدوس ، فهو أخص وأقل من الكورة والرستاق والإستان ، كأنه جزء من أجزاء الكورة .

كما أن الطسوج جزء من أربعة وعشرين جزءا من الدينار ، لأن الكورة قد تشتمل على عدة طساسيج ، وهي لفظة فارسية أصلها تسو ، فعربت بقلب التاء طاء وزيادة الجيم في آخرها ، وزيد في تعريبها بجمعها على طساسيج . وأكثر ما تستعمل هذه اللفظة في سواد العراق ، وقد قسموا سواد العراق على ستين طسوجا ، أضيف كل طسوج إلى اسم . وقد ذكرت في مواضعها من كتابنا بإسقاط طسوج .

وأما الجند : فيجيء في قولهم : جند قنسرين ، وجند فلسطين ، وجند حمص ، وجند دمشق ، وجند الأردن ، فهي خمسة أجناد ، وكلها بالشام . ولم يبلغني أنهم استعملوا ذلك في غير أرض الشام ، قال الفرزدق : فقلت ما هو إلا الشام تركبه كأنما الموت في أجناده البغر قال أحمد بن يحيى بن جابر : اختلفوا في الأجناد ، فقيل : سمى المسلمون كل واحد من أجناد الشام جندا ، لأنه جمع كورا ، والتجند على هذا التجمع ، وجندت جندا أي جمعت جمعا . وقيل : سمى المسلمون لكل صقع جندا بجند عينوا له يقبضون أعطياتهم فيه منه ، فكانوا يقولون : هؤلاء جند كذا حتى غلب عليهم وعلى الناحية .

وأما أباذ : فيكثر مجيئه في أسماء بلدان وقرى ورساتيق في هذا الكتاب ، كقولهم : أسد أباذ ، ورستماباذ ، وحصناباذ ، فأسد اسم رجل ، وأباذ اسم العمارة بالفارسية ، فمعناه عمارة أسد . وكذلك كل ما يجيء في معناه ، وهو كثير جدا . وأما السكة : فهي الطريق المسكوكة التي تمر فيها القوافل من بلد إلى آخر .

فإذا قيل في الكتب : من بلد كذا إلى بلد كذا كذا سكة - فإنما يعنون الطريق . مثال ذلك أن يقال : من بغداد إلى الموصل خمس سكك ، يعنون أن القاصد من بغداد إلى الموصل يمكنه أن يأتيها من خمس طرق . وحكي عن بعضهم أن قولهم سكك البريد ، يريدون منازل البريد في كل يوم ، والأول أظهر وأصح .

والله أعلم . وأما المصر : فيجيء في قولهم : مصرت مدينة كذا في زمن كذا ، وفي قولهم مدينة كذا مصر من الأمصار . والمصر في الأصل : الحد بين الشيئين ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم : اشترى فلان من فلان هذه الدار بمصورها أي بحدودها .

قال عدي بن زيد : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء لها بين النهار وبين الليل قد فصـلا وأما الطول : فيجيء في قولنا عرض البلد كذا وطوله كذا ، وهو من ألفاظ المنجمين . فسروه فقالوا : معنى قولنا طوله أي بعده عن أقصى العمارة ، سوي آخذه في معدل النهار أو في خط الاستواء الموازي لهما ، وذلك لتشابه بينهما يقيم أحدهما مقام الآخر ، ولأن ما يستعمل من هذه الصناعة إنما هو مستنبط من آراء اليونانيين وهم ابتدأوا العمارة من أقرب نهاية العمارة إليهم وهي الغربية . فطول البلد - على ذا - هو بعده عن المغرب ، إلا أن في هذه النهاية بينهم اختلافا ، فإن بعضهم يبتدئ بالطول من ساحل بحر أوقيانوس الغربي ، وهو البحر المحيط ، وبعضهم يبتدئ به من سمت الجزائر الواغلة في البحر المحيط قريبا من مائتي فرسخ ، تسمى جزائر السعادات ، والجزائر الخالدات ، وهي بحيال بلاد المغرب .

ولهذا ربما يوجد للبلد الواحد في الكتب نوعان من الطول بينهما عشر درج ، فيحتاج في تمييز ذلك إلى فطنة ودربة - هذا كله عن أبي الريحان . وأما العرض : فإن عرض البلد مقابل لطوله الذي ذكر قبل . ومعناه عند المنجمين هو بعده الأقصى عن خط الاستواء نحو الشمال ، لأن البلد والعمارة في هذه الناحية ، وتحاذيه من السماء قوس عظيمة شبيهة به واقفة بين سمت الرأس وبين معدل النهار ، ويساويه ارتفاع القطب الشمالي .

فلذلك يعبر عنه به ، وانحطاط القطب الجنوبي وإن ساواه أيضا فإنه خفي لا يشعر به . وهذا كلام صاحب التفهيم . وأما الدرجة والدقيقة : فهي أيضا من نصيب المنجمين يجيء ذكرها في هذا الكتاب في تحديد الطول والعرض .

قالوا : الدرجة قدر ما تقطعه الشمس في يوم وليلة من الفلك ، وفي مساحة الأرض خمسة وعشرون فرسخا . وتنقسم الدرجة إلى ستين دقيقة ، والدقيقة إلى ستين ثانية ، والثانية إلى ستين ثالثة ، وترقى كذلك . وأما الصلح : فيجيء في قولنا : فتح بلد كذا صلحا أو عنوة ، ومعنى الصلح من الصلاح وهو ضد الفساد ، والصلح في هذه المواضع ضد الخلف ، ومعناه أن المسلمين كانوا إذا نزلوا على حصن أو مدينة خافهم أهله فخرجوا إلى المسلمين وبذلوا لهم عن ناحيتهم مالا ، أو خراجا ، أو وظيفة يوظفونها عليهم ويؤدونها في كل عام على رؤوسهم وأرضهم ، أو مالا يعجلونه لهم ، أي إنها لم تفتح عن غلبة ، كما كانت العنوة بمعنى الغلبة .

وأما السلم : في قوله تعالى : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ، فقالوا : أعني به الإسلام وشرائعه . والسلم الصلح . والسلم ، بالتحريك ، الاستسلام وإلقاء المقادة إلى إرادة المسلمين ، فكأنه والصلح متقاربان .

وعندي أنه من السلامة ، أي إنه إذا اتفق الفريقان واصطلحا ، سلم بعضهم من بعض ، والله أعلم . وأما العنوة : فيجيء في قولنا : فتح بلد كذا عنوة ، وهو ضد الصلح ، قالوا : العنوة أخذ الشيء بالغلبة . قالوا : وقد يكون عن تسليم وطاعة مما يؤخذ منه الشيء .

وأنشد الفراء : فما أخذوها عنوة من مـودة ولكن بحد المشرفي استقالها قالوا : وهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال . قلت : وهذا تأويل في هذا البيت على أن العنوة بمعنى الطاعة ، ويمكن أن يؤول تأويلا يخرجه عن أن يكون بمعنى الغصب والغلبة ، فيقال : إن معناه : فما أخذوها غلبة ، وهناك مودة ، بل القتال أخذها عنوة ، كما تقول : ما أساء إليك زيد عن محبة ، أي بغضة ، كما تقول : ما صدر هذا الفعل عن قلب صاف وهناك قلب صاف ، أي كدر ، ويكون قريبا في المعنى من قوله تعالى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ . ويصلح أن يجعل قوله أخذوها دليلا على الغلبة والقهر ، ولولا ذلك لقال : فما سلموها ، فإن قائلا لو قال : أخذ الأمير حصن كذا ، لسبق الوهم ، وكان مفهومه أنه أخذه قهرا .

ولو قال : إن أهل حصن كذا سلموه ، لكان مفهومه أنهم أذعنوا به عن إرادة واختيار ، وهذا ظاهر . والإجماع أن العنوة الغلبة ، ومنه العاني وهو الأسير . يقال : أخذته عنوة ، أي قسرا وقهرا ، وفتحت هذه المدينة عنوة ، أي بالقتال : قوتل أهلها حتى غلبوا عليها أو عجزوا عن حفظها فتركوها وجلوا من غير أن يجري بينهم وبين المسلمين فيها عقد صلح .

وأما الخراج : فإن الخراج والخرج بمعنى واحد ، وهو أن يؤدي العبد إليك خراجه ، أي غلته . والرعية تؤدي الخراج إلى الولاة ، وأصله من قوله تعالى : أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا ، وقرئ خراجا ، معناه : أم تسألهم أجرا على ما جئت به ، فأجر ربك وثوابه خير . وأما الخراج الذي وظفه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على السواد ، فأراضي الفيء ، فإن معناه الغلة ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : الخراج بالضمان ، قالوا : هو غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانا ، ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ، ولم يطلعه عليه ، فله رد العبد على البائع والرجوع عليه بجميع الثمن ، والغلة التي استغلها المشتري من العبد طيبة له ، لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك من ماله ، وكان عمر - رضي الله عنه - أمر بمسح السواد ودفعه إلى الفلاحين الذين كانوا فيه على غلة كل سنة ، ولذلك سمي خراجا ، ثم بعد ذلك قيل للبلاد التي فتحت صلحا ووظف ما صولحوا عليه على أرضهم ، خراجية ، لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي لزم الفلاحين ، وهو الغلة ، لأن جملة معنى الخراج الغلة ، وفي الحديث أن أبا طيبة لما حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر له بصاعين من طعام وكلم أهله ، فوضعوا عنه من خراجه ، أي من غلته .

وأما الفيء والغنيمة : فإن أصل الفيء في اللغة : الرجوع ، ومنه الفيء ، وهو عقيب الظل الذي للشجرة وغيرها بالغداة ، والفيء بالعشي ، كما قال حميد بن ثور : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تـذوق وقال أبو عبيدة : كل ما كانت الشمس عليه وزالت ، فهو فيء وظل ، وما لم تكن الشمس عليه فهو ظل ، ومنه قوله تعالى ، في قتال أهل البغي : حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ، الآية ، أي ترجع ، وسمي هذا المال فيئا ، لأنه رجع إلى المسلمين من أملاك الكفار . وقال أبو منصور الأزهري في قوله تعالى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الآية ، أي ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل ملته بلا قتال ، إما أن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين ، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم ، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم ، فهذا المال هو الفيء في كتاب الله . قال الله تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، أي لم توجفوا عليه خيلا ولا ركابا .

أنزلت في أموال بني النضير حين نقضوا العهد وجلوا عن أوطانهم إلى الشام ، فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أموالهم من النخيل وغيرها في الوجوه التي أراد الله أن يقسمها فيها ، وقسمة الفيء غير قسمة الغنيمة التي أوجف عليها بالخيل والركاب . قلت : هذه حكاية قول الأزهري ، وهو مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وإذا كان الفيء - كما قلنا - الرجوع ، فلا فرق بين أن يرجع إلى المسلمين بالإيجاف أو غير الإيجاف ، ولا فرق أن يفيء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة أو على المسلمين عامة ، وأما الآية فإنما هي حكاية الحال الواقعة في قصة بني النضير ، لا دليل فيها على أن الفيء يكون بإيجاف أو بغير إيجاف ، لأن الحال هكذا وقعت ، ولو فاء هذا المال بالإيجاف وكان للمسلمين عامة ، لجاز أن يجيء في الآية : ما أفاء الله على المؤمنين من أهل القرى ، ففي رجوع الفيء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفي الإيجاف ، دليل على أنه يفيء على غيره بوجود الإيجاف ، ولولا أنهما واحد لاستغنى عن النفي واكتفى بقوله عز وجل : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ، إذ كان الكلام بدون نفيه مفهوما . وقد عكس قدامة قول الأزهري ، فقال : إن الفيء اسم لما غلب عليه المسلمون من بلاد العدو قسرا بالقتال والحرب ، ثم جعل موقوفا عليهم ، لأن الذي يجتبى منهم راجع إليهم في كل سنة .

قلت : فتخصيص قدامة لمال الفيء ، بأنه لا يكون إلا ما غلب عليه قسرا بالقتال ، غلط . فإن الله سماه فيئا في قوله تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ . والذي يعتمد عليه ، أن الفيء كل ما استقر للمسلمين وفاء إليهم من الكفار ، ثم رجعت إليهم أمواله في كل عام ، مثل مال الخراج وجزية الرؤوس ، كأموال بني النضير ، ووادي القرى ، وفدك التي فتحت صلحا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، وكأموال السواد التي فتحت عنوة ، ثم أقرت بأيدي أهلها يؤدون خراجها في كل عام .

ولا اختلاف بين أهل التحصيل ، أن الذي افتتح صلحا ، كأموال بني النضير وغيرهم ، يسمى فيئا ، وأن الذي افتتح من أراضي السواد وغيرها عنوة وأقر بأيدي أهله ، يسمى فيئا ، لكن الفرق بينهما أن ما فتح عنوة كان فيئا للمسلمين الذين شهدوا الفتح يقسم بينهم ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأموال خيبر ، ويسمى غنيمة أيضا ، وأما الذين رغبوا في الصلح مثل وادي القرى وفدك أو جلوا عن أوطانهم من غير أن يأتيهم أحد من المسلمين ، كأموال بني النضير ، فأمره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة من بعده يقسمون أمواله على من يريدون ، كما يرون فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأموال هؤلاء . وأما الغنيمة : فهو ما غنم من أموال المشركين من الأراضي كأرض خيبر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمها بين أصحابه بعد إفراد الخمس ، وصارت كل أرض لقوم مخصوصين ، وليست كأموال السواد التي فتحت أيضا عنوة ، لكن رأى عمر - رضي الله عنه - أن يجعلها لعامة المسلمين ، ولم تقسم فصارت فيئا يرجع إلى المسلمين في كل عام . ومن الغنيمة الأموال الصامتة التي يؤخذ خمسها ويقسم باقيها على من حضر القتال ، للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم ، فهذا شيء استنبطته أنا بالقياس ، من غير أن أقف على نص هذا حكايته ، ثم بعد وقفت على كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ، فوجدته مطابقا لما كنت قلته ومؤيدا له ، فإنه قال : الأموال التي تتولاها أئمة المسلمين ثلاثة ، وتأويلها من كتاب الله : الصدقة ، والفيء ، والخمس ، وهي أسماء مجملة يجمع كل واحد منها أنواعا من المال .

فأما الصدقة : فزكاة أموال المسلمين ، من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والحب والثمر ، فهذه هي الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى ، لا حق لأحد من الناس فيها سواهم . وقال عمر - رضي الله عنه : هذه لهؤلاء ، وأما مال الفيء ، فما اجتبي من أموال أهل الذمة من جزية رؤوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرمت أموالهم ، بما صولحوا عليه من جزية ، ومنه خراج الأرضين التي افتتحت عنوة ثم أقرها الإمام بأيدي أهل الذمة على قسط يؤدونه في كل عام ، ومنه وظيفة أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا عنها على خرج مسمى . ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها عليه في تجاراتهم ، ومنه ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات ، فكل هذا من الفيء ، وهذا الذي يعم المسلمين ، غنيهم وفقيرهم ، فيكون في أعطية المقاتلة ، وأرزاق الذرية ، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله .

وأما الخمس : فخمس غنائم أهل الحرب والركاز العادي ، وما كان من عرض ، أو معدن ، فهو الذي اختلف فيه أهل العلم ، فقال بعضهم : هو للأصناف الخمسة المسمين في الكتاب لما قال عمر - رضي الله عنه - وهذه لهؤلاء ، وقال بعضهم : سبيل الخمس سبيل الفيء ، يكون حكمه إلى الإمام ، إن رأى أن يجعله فيمن سمى الله جعله ، وإن رأى أن الأفضل للمسلمين والأوفر لحظهم أن يضعه في بيت مالهم لنائبة تنوبهم ومصلحة تعن لهم ، مثل سد ثغر ، وإعداد سلاح وخيل وأرزاق أهل الفيء من المقاتلين والقضاة وغيرهم ممن يجري مجراهم ، فعل . وأما القطيعة : فلها معنيان : أحدهما : أن يعمد الإمام الجائز الأمر والطاعة إلى قطعة من الأرض يفرزها عما يجاورها ، ويهبها ممن يرى ، ليعمرها وينتفع بها ، إما أن يجعلها منازل يسكنها ويسكنها من يشاء ، وإما أن يجعلها مزدرعا ينتفع بما يحصل من غلتها ، ولا خراج عليه فيها ، وربما جعل على مزدرعها خراج ، وهذه حال قطائع المنصور وولده بعده ببغداد في محالها ، فمن ذلك قطيعة الربيع ، وقطيعة أم جعفر ، وقطيعة فلان ، وقد ذكرت في مواضعها من الكتاب . وأما القطيعة الأخرى ، فهي أن يقطع السلطان من يشاء من قواده وغيرهم ، القرى والنواحي ، ويقطع عليهم عنها شيئا معلوما يؤدونه في كل عام ، قل أو كثر ، توفر محصولها أو نزر ، لا مدخل للسلطان معه في أكثر من ذلك .

موقع حَـدِيث