أصبهان
للهجرة المباركة بعد فتح نهاوند بعث عبد الله بن عبد الله بن عتبان وعلى مقدمته عبد الله بن ورقاء الرياحي وعلى مجنبته عبد الله بن ورقاء الأسدي ، قال سيف : الذين لا يعلمون يرون أن أحدهما عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي لذكر ورقاء فظنوا أنه نسب إلى جده ، وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء قتل بصفين وهو ابن أربع وعشرين سنة فهو أيم صبي ، وسار عبد الله بن عتبان إلى جي والملك يومئذ بأصبهان القاذوسقان ، ونزل بالناس على جي فخرجوا إليه بعد ما شاء الله من زحف ، فلما التقوا قال القاذوسقان لعبد الله : لا تقتل أصحابي ولا أصحابك ولكن ابرز لي فإن قتلتك رجع أصحابك وإن قتلتني سالمتك أصحابي ، فبرز له عبد الله ، فقال له : إما أن تحمل علي وإما أن أحمل عليك ، فقال : أنا أحمل عليك فاثبت لي ، فوقف له عبد الله وحمل عليه القاذوسقان فطعنه فأصاب قربوس السرج فكسره وقطع اللبب والحزام فأزال اللبب والسرج ، فوقف عبد الله قائما ثم استوى على فرسه عريانا ، فقال له : اثبت ، فحاجزه وقال له : ما أحب أن أقاتلك فإني قد رأيتك رجلا كاملا ، ولكني أرجع معك إلى عسكرك فأصالحك وأدفع المدينة إليك على أن من شاء أقام وأدى الجزية وأقام على ماله وعلى أن يجري من أخذتم أرضه مجراهم ، ومن أبى أن يدخل في ذلك ذهب حيث شاء ولكم أرضه ، قال : ذلك لك . وقدم عليه أبو موسى الأشعري من ناحية الأهواز ، وكان عبد الله قد صالح القاذوسقان ، فخرج القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أصبهان لحقوا بكرمان ، ودخل عبد الله وأبو موسى جيا ، وجي مدينة أصبهان ، وكتب عبد الله بالفتح إلى عمر رضي الله عنه ، فرجع إليه الجواب يأمره أن يلحق بكرمان مددا للسهيل بن عدي لقتال أهلها ، فاستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع ومضى ، وكان نسخة كتاب صلح أصبهان : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، هذا كتاب من عبد الله للقاذوسقان وأهل أصبهان وحواليها ، إنكم آمنون ما أديتم الجزية ، وعليكم من الجزية على قدر طاقتكم كل سنة تؤدونها إلى من يلي بلدكم من كل حاكم ، ودلالة المسلم ، وإصلاح طريقه ، وقراه يومه وليلته ، وحملان الراجل إلى رحله ، لا تسلطوا على مسلم ، وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليهم ، ولكم الأمان بما فعلتم ، فإن غيرتم شيئا أو غيره منكم مغير ولم تسلموه فلا أمان لكم ، ومن سب مسلما بلغ منه ، فإن ضربه قتلناه ، وكتب : وشهد عبد الله بن قيس وعبد الله بن ورقاء وعصمة بن عبد الله ، وقال عبد الله بن عتبان في ذلك : ألم تسمع وقد أودى ذميما بمنعرج السراة من أصبهان عميد القوم إذ ساروا إلينا بشيخ غير مسترخي العنان وقال أيضا : من مبلغ الأحياء عني فإنني نزلت على جي وفيها تفاقم حصرناهم حتى سروا ثمت انتزوا فصدهم عنا القنا والصوارم وجاد لها القاذوسقان بنفسه وقد دهدهت بين الصفوف الجماجم فثاورته حتى إذا ما علوته تفادى وقد صارت إليه الخزائم وعادت لقوحا أصبهان بأسرها يذر لنا منها القرى والدراهم وإني على عمد قبلت جزاءهم غداة تفادوا والعجاج فواقم ليزكوا لنا عند الحروب جهادنا إذا انتطحت في المأزمين الهماهم هذا قول أهل الكوفة يرون أن فتح أصبهان كان لهم ، وأما أهل البصرة وكثير من أهل السير فيرون أن أبا موسى الأشعري لما انصرف من وقعة نهاوند إلى الأهواز فاستقراها ثم أتى قم فأقام عليها أياما ثم افتتحها ، ووجه الأحنف بن قيس إلى قاشان ففتحها عنوة ، ويقال : بل كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري يأمره بتوجيه عبد الله بن بديل الرياحي إلى أصبهان في جيش فوجهه ، ففتح عبد الله بن بديل جيا صلحا على أن يؤدي أهلها الخراج والجزية ، وعلى أن يؤمنوا على أنفسهم وأموالهم خلا ما في أيديهم من السلاح . ونزل الأحنف بن قيس على اليهودية فصالحه أهلها على مثل صلح أهل جي ، قال البلاذري : وكان فتح أصبهان ورساتيقها في بعض سنة 23 وبعض 24 في خلافة عمر رضي الله عنه ، ومن نسب إلى أصبهان من العلماء لا يحصون ، إلا أنني أذكر من أعيان أئمتهم جماعة غلبت على نسبهم فلا يعرفون إلا بالأصبهاني ، منهم : الحافظ الإمام أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران سبط محمد بن موسى البناء الحافظ المشهور صاحب التصانيف ، منها حلية الأولياء وغير ذلك ، مات يوم الاثنين العشرين من محرم سنة 430 ودفن بمردبان ، ومولده في رجب سنة 330 ، قاله ابن منده يحيى .