فأما الزوراء
للهجرة، فهذا خبر بغداد قبل أن يمصرها المنصور، لم يبلغني غير ذلك .
فصل في بدء عمارة بغداد، كان أول من مصرها وجعلها مدينة المنصور بالله أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء، وانتقل إليها من الهاشمية، وهي مدينة كان قد اختطها أخوه أبو العباس السفاح قرب الكوفة وشرع في عمارتها سنة 145 ونزلها سنة 149 ، وكان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده فبلغه ذلك من فعلهم، فانتقل عنهم يرتاد موضعا، وقال ابن عياش : بعث المنصور روادا وهو بالهاشمية يرتادون له موضعا يبني فيه مدينة ، ويكون الموضع واسطا رافقا بالعامة والجند، فنعت له موضع قريب من بارما، وذكر له غذاؤه وطيب هوائه، فخرج إليه بنفسه حتى نظر إليه وبات فيه، فرأى موضعا طيبا فقال لجماعة - منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب المرزباني وعبد الملك بن حميد الكاتب : ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا : طيب موافق، فقال : صدقتم ، ولكن لا مرفق فيه للرعية، وقد مررت في طريقي بموضع تجلب إليه الميرة والأمتعة في البر والبحر ، وأنا راجع إليه وبائت فيه، فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي وللناس، قال : فأتى موضع بغداد وعبر موضع قصر السلام ثم صلى العصر، وذلك في صيف وحر شديد، وكان في ذلك الموضع بيعة فبات أطيب مبيت ، وأقام يومه فلم ير إلا خيرا ، فقال : هذا موضع صالح للبناء، فإن المادة تأتيه من الفرات ودجلة وجماعة الأنهار ، ولا يحمل الجند والرعية إلا مثله، فخط البناء وقدر المدينة ووضع أول لبنة بيده فقال : بسم الله والحمد لله ، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . ثم قال : ابنوا على بركة الله . وذكر سليمان بن مختار أن المنصور استشار دهقان بغداد، وكانت قرية في المربعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي، وما زالت داره قائمة على بنائها إلى أن خرب كثير مما يجاورها في البناء، فقال : الذي أراه يا أمير المؤمنين أن تنزل في نفس بغداد، فإنك تصير بين أربعة طساسيج؛ طسوجان في الجانب الغربي وطسوجان في الجانب الشرقي، فاللذان في الغربي قطربل وبادوريا، واللذان في الشرقي نهر بوق وكلواذى ، فإن تأخرت عمارة طسوج منها كان الآخر عامرا، وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة ودجلة، تجيئك بالميرة من القرب وفي الفرات من الشام والجزيرة ومصر وتلك البلدان، وتحمل إليك طرائف الهند والسند والصين والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك ميرة أرمينية وأذربيجان وما يتصل بها في تامرا، وتجيئك ميرة الموصل وديار بكر وربيعة وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر والقنطرة لم يصل إليك عدوك، وأنت قريب من البر والبحر والجبل .
فأعجب المنصور هذا القول وشرع في البناء، ووجه المنصور في حشر الصناع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط فأحضروا، وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فجمعهم وتقدم إليهم أن يشرفوا على البناء، وكان ممن حضر الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة الإمام ، وكان أول العمل في سنة 145 ، وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا، وأن يجعل في البناء جرز القصب مكان الخشب، فلما بلغ السور مقدار قامة اتصل به خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فقطع البناء حتى فرغ من أمره وأمر أخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن . وعن علي بن يقطين قال : كنت في عسكر أبي جعفر المنصور حين سار إلى الصراة يلتمس موضعا لبناء مدينة، قال : فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة ، فما زال على دابته ذاهبا جائيا منفردا عن الناس يفكر، قال : وكان في الدير راهب عالم فقال لي : لِمَ يذهب الملك ويجيء ؟ قلت : إنه يريد أن يبني مدينة، قال : فما اسمه؟ قلت : عبد الله بن محمد، قال : أبو من ؟ قلت : أبو جعفر، قال : هل يلقب بشيء ؟ قلت : المنصور، قال : ليس هذا الذي يبنيها، قلت : ولم؟ قال : لأنا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرنا عن قرن أن الذي يبني هذا المكان رجل يقال له مقلاص، قال : فركبت من وقتي حتى دخلت على المنصور ودنوت منه، فقال لي : ما وراءك؟ قلت : خير ألقيه إلى أمير المؤمنين وأريحه من هذا العناء، فقال : قل ، قلت : أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء معهم علم، وقد أخبرني راهب هذا الدير بكذا وكذا، فلما ذكرت له مقلاص ضحك واستبشر ونزل عن دابته فسجد ، وأخذ سوطه وأقبل يذرع به، فقلت في نفسي : لحقه اللجاج، ثم دعا المهندسين من وقته وأمرهم بخط الرماد، فقلت له : أظنك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب وتكذيبه، فقال : لا والله ولكني كنت ملقبا بمقلاص وما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري، وذاك أننا كنا بناحية السراة في زمان بني أمية على الحال التي تعلم، فكنت أنا ومن كان في مقدار سني من عمومتي وإخوتي نتداعى ونتعاشر ، فبلغت النوبة إلي يوما من الأيام وما أملك درهما واحدا ، فلم أزل أفكر وأعمل الحيلة إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لهم، فسرقته ثم وجهت به فبيع لي واشتري لي بثمنه ما احتجت إليه، وجئت إلى الداية وقلت لها : افعلي كذا واصنعي كذا، قالت : من أين لك ما أرى؟ قلت : اقترضت دراهم من بعض أهلي، ففعلت ما أمرتها به، فلما فرغنا من الأكل وجلسنا للحديث طلبت الداية الغزل فلم تجده فعلمت أني صاحبه، وكان في تلك الناحية لص يقال له مقلاص مشهور بالسرقة، فجاءت إلى باب البيت الذي كنا فيه فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها وقفت على ما صنعت، فلما ألحت وأنا لا أخرج قالت : اخرج يا مقلاص، الناس يتحذرون من مقلاصهم وأنا مقلاصي معي في البيت، فمزح معي إخوتي وعمومتي بهذا اللقب ساعة ثم لم أسمع به ألا منك الساعة ، فعلمت أن أمر هذه المدينة يتم على يدي لصحة ما وقفت عليه، ثم وضع أساس المدينة مدورا وجعل قصره في وسطها وجعل لها أربعة أبواب وأحكم سورها وفصيلها، فكان القاصد إليها من الشرق يدخل من باب خراسان والقاصد من الحجاز يدخل من باب الكوفة والقاصد من المغرب يدخل من باب الشام والقاصد من فارس والأهواز وواسط والبصرة واليمامة والبحرين يدخل من باب البصرة . قالوا : فأنفق المنصور على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف ألف دينار، وقال الخطيب في رواية : إنه أنفق على مدينته وجامعها وقصر الذهب فيها والأبواب والأسواق إلى أن فرغ من بنائها أربعة آلاف ألف وثمان مائة وثلاثة وثمانين ألف درهم، وذاك أن الأستاذ من الصناع كان يعمل في كل يوم بقيراط إلى خمس حبات والروزجاري بحبتين إلى ثلاث حبات، وكان الكبش بدرهم والحمل بأربعة دوانيق والتمر ستون رطلا بدرهم .
قال الفضل بن دكين : كان ينادي على لحم البقر في جبانة كندة تسعون رطلا بدرهم، ولحم الغنم ستون رطلا بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم، قال : وكان بين كل باب من أبواب المدينة والباب الآخر ميل، وفي كل ساف من أسواف البناء مائة ألف لبنة واثنان وستون ألف لبنة من اللبن الجعفري، وعن ابن الشروي قال : هدمنا من السور الذي يلي باب المحول قطعة فوجدنا فيها لبنة مكتوبا عليها بمغرة : وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، فوزناها فوجدناها كذلك . وكان المنصور كما ذكرنا بنى مدينته مدورة وجعل داره وجامعها في وسطها، وبنى القبة الخضراء فوق إيوان، وكان علوها ثمانين ذراعا، وعلى رأس القبة صنم على صورة فارس في يده رمح، وكان السلطان إذا رأى أن ذلك الصنم قد استقبل بعض الجهات ومد الرمح نحوها علم أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة، فلا يطول عليه الوقت حتى ترد عليه الأخبار بأن خارجيا قد هجم من تلك الناحية، قلت أنا : هكذا ذكر الخطيب وهو من المستحيل والكذب الفاحش، وإنما يحكى مثل هذا عن سحرة مصر وطلسمات بليناس التي أوهم الأغمار صحتها تطاول الأزمان والتخيل أن المتقدمين ما كانوا بني آدم، فأما الملة الإسلامية فإنها تجل عن مثل هذه الخرافات، فإن من المعلوم أن الحيوان الناطق مكلف الصنائع لهذا التمثال لا يعلم شيئا مما ينسب إلى هذا الجماد ولو كان نبيا مرسلا، وأيضا لو كان كلما توجهت إلى جهة خرج منها خارجي لوجب أن لا يزال خارجي يخرج في كل وقت لأنها لا بد أن تتوجه إلى وجه من الوجوه، والله أعلم . قال : وسقط رأس هذه القبة سنة 329 وكان يوم مطر عظيم ورعد هائل، وكانت هذه القبة تاج البلد وعلم بغداد ومأثرة من مآثر بني العباس، وكان بين بنائها وسقوطها مائة ونيف وثمانون سنة ، ونقل المنصور أبوابها من واسط، وهي أبواب الحجاج، وكان الحجاج أخذها من مدينة بإزاء واسط تعرف بزندورد يزعمون أنها من بناء سليمان بن داود، عليه السلام، وأقام على باب خراسان بابا جيء به من الشام من عمل الفراعنة ، وعلى باب الكوفة بابا جيء به من الكوفة من عمل خالد القسري ، وعمل هو بابا لباب الشام، وهو أضعفها، وكان لا يدخل أحد من عمومة المنصور ولا غيرهم من شيء من الأبواب ألا راجلا إلا داود بن علي عمه فأنه كان متفرسا وكان يحمل في محفة وكذلك محمد المهدي ابنه ، وكانت تكنس الرحاب في كل يوم ويحمل التراب إلى خارج، فقال له عمه عبد الصمد : يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب فلم يأذن له، فقال : يا أمير المؤمنين عدني بعض بغال الروايا التي تصل الرحاب، فقال : يا ربيع بغال الروايا تصل إلى رحابي تتخذ الساعة قني بالساج من باب خراسان حتى تصل إلى قصري، ففعل ومد المنصور قناة من نهر دجيل الآخذ من دجلة وقناة من نهر كرخايا الآخذ من الفرات وجرهما إلى مدينته في عقود وثيقة، من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فكانت كل قناة منها تدخل المدينة وتنفذ في الشوارع والدروب والأرباض تجري صيفا وشتاء لا ينقطع ماؤها في شيء من الأوقات ثم أقطع المنصور أصحابه القطائع فعمروها وسميت بأسمائهم، وقد ذكرت من ذلك ما بلغني في مواضعه حسب ما قضى به ترتيب الحروف، وقد صنف في بغداد وسعتها وعظم رفعتها وسعة بقعتها ، وذكر أبو بكر الخطيب في صدر كتابه من ذلك ما فيه كفاية لطالبه .
فلنذكر الآن ما ورد في مدح بغداد ومن عجيب ذلك ما ذكره أبو سهل بن نوبخت قال : أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع، ففعلت فإذا الطالع في الشمس وهي في القوس، فخبرته بما تدل النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها ثم قلت : وأخبرك خلة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين، قال : وما هي؟ قلت : نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت بها خليفة أبدا حتف أنفه، قال : فتبسم وقال : الحمد لله على ذلك، هذا من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولذلك يقول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى : أعاينت في طول من الأرض أو عرض كبغداد من دار بها مسكن الخفض صفا العيش في بغداد واخضر عوده وعيش سواها غير خفض ولا غض تطول بها الأعمار إن غذاءها مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض قضى ربها أن لا يموت خليفة بها إنه ما شاء في خلقه يقضي تنام بها عين الغريب ولا ترى غريبا بأرض الشام يطمع في الغمض فإن جزيت بغداد منهم بقرضها فما أسلفت إلا الجميل من القرض وإن رميت بالهجر منهم وبالقلى فما أصبحت أهلا لهجر ولا بغض وكان من أعجب العجب أن المنصور مات وهو حاج، والمهدي ابنه خرج إلى نواحي الجبل فمات بماسبذان بموضع يقال له الرذ ، والهادي ابنه مات بعيساباد ، قرية أو محلة بالجانب الشرقي من بغداد، والرشيد مات بطوس والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي، والمأمون مات بالبذندون من نواحي المصيصة بالشام، والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر وباقي الخلفاء ماتوا بسامرا ، ثم انتقل الخلفاء إلى التاج من شرقي بغداد كما ذكرناه في التاج، وتعطلت مدينة المنصور منهم . وفي مدح بغداد قال بعض الفضلاء : بغداد جنة الأرض ، ومدينة السلام ، وقبة الإسلام ، ومجمع الرافدين ، وغرة البلاد ، وعين العراق ، ودار الخلافة ، ومجمع المحاسن والطيبات ، ومعدن الظرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كل فن، وآحاد الدهر في كل نوع، وكان أبو إسحاق الزجاج يقول : بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية . وكان أبو الفرج الببغا يقول : هي مدينة السلام بل مدينة الإسلام ، فإن الدولة النبوية والخلافة الإسلامية بها عششتا وفرختا وضربتا بعروقهما وبسقتا بفروعهما، وإن هواءها أغذى من كل هواء وماءها أعذب من كل ماء، وإن نسيمها أرق من كل نسيم، وهي من الإقليم الاعتدالي بمنزلة المركز من الدائرة، ولم تزل بغداد موطن الأكاسرة في سالف الأزمان ومنزل الخلفاء في دولة الإسلام .
وكان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن بخواصها وتنبه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدمة فضله وعنوان عقله، ثم سأله عن الجاحظ، فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه والاقتباس من نوره والاغتراف من بحره وبعض القيام بمسائله قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم والآداب، وإن وجده ذامًا لبغداد غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ ، لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن . ولما رجع الصاحب عن بغداد سأله ابن العميد عنها، فقال : بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، فجعلها مثلا في الغاية في الفضل، وقال ابن زريق الكاتب الكوفي : سافرت أبغي لبغداد وساكنها مثلا قد اخترت شيئا دونه الياس هيهات بغداد والدنيا بأجمعها عندي وسكان بغداد هم الناس وقال آخر : بغداد يا دار الملوك ومجتنى صنوف المنى يا مستقر المنابر ويا جنة الدنيا ويا مجتنى الغنى ومنبسط الآمال عند المتاجر وقال أبو يعلى محمد بن الهبارية : سمعت الشيخ الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي ، يقول : من دخل بغداد وهو ذو عقل صحيح وطبع معتدل مات بها أو بحسرتها، وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير : ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين على تقلبها في كل ما حين ما بين قطربل فالكرخ نرجسة تندى ومنبت خيري ونسرين تحيا النفوس برياها إذا نفحت وخرشت بين أوراق الرياحين سقيا لتلك القصور الشاهقات وما تخفي من البقر الإنسية العين تستن دجلة فيما بينها فترى دهم السفين تعالى كالبراذين مناظر ذات أبواب مفتحة أنيقة بزخاريف وتزيين فيها القصور التي تهوي بأجنحة بالزائرين إلى القوم المزورين من كل حراقة تعلو فقارتها قصر من الساج عال ذو أساطين وقدم عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس إلى بغداد فرأى كثرة الناس بها ، فقال : ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلا ظننت أن الناس قد نودي فيهم، ووجد على بعض الأميال بطريق مكة مكتوبا : أيا بغداد يا أسفي عليك متى يقضى الرجوع لنا إليك قنعنا سالمين بكل خير وينعم عيشنا في جانبيك ووجد على حائط بجزيرة قبرص مكتوبا : فهل نحو بغداد مزار فيلتقي مشوق ويحظى بالزيارة زائر إلى الله أشكو لا إلى الناس إنه على كشف ما ألقى من الهم قادر وكان القاضي أبو محمد الوهاب بن علي بن نصر المالكي قد نبا به المقام ببغداد فرحل إلى مصر، فخرج البغداديون يودعونه، وجعلوا يتوجعون لفراقه، فقال : والله لو وجدت عندكم في كل يوم مدا من الباقلي ما فارقتكم، ثم قال : سلام على بغداد من كل منزل وحق لها مني السلام المضاعف فوالله ما فارقتها عن قلى لها وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي برحبها ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخل كنت أهوى دنوه وأخلاقه تنأى به وتخالف ولما حج الرشيد وبلغ زرود التفت إلى ناحية العراق وقال : أقول وقد جزنا زرود عشية وكادت مطايانا تجوز بنا نجدا على أهل بغداد السلام فإنني أزيد بسيري عن ديارهم بعدا وقال ابن مجاهد المقري : رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت له : ما فعل الله بك؟ فقال : دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة . وعن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه : أيا يونس دخلت بغداد؟ فقلت : لا، فقال : أيا يونس ما رأيت الدنيا ولا الناس .
وقال طاهر بن المظفر بن طاهر الخازن : سقى الله صوب الغاديات محلة ببغداد بين الخلد والكرخ والجسر هي البلدة الحسناء خصت لأهلها بأشياء لم يجمعن مذ كن في مصر هواء رقيق في اعتدال وصحة وماء له طعم ألذ من الخمر ودجلتها شطان قد نظما لنا بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر ثراها كمسك والمياه كفضة وحصباؤها مثل اليواقيت والدر قال أبو بكر الخطيب : أنشدني أبو محمد الباقي قول الشاعر : دخلنا كارهين لها فلما ألفناها خرجنا مكرهينا فقال : يوشك هذا أن يكون في بغداد، قيل : وأنشد لنفسه في المعنى وضمنه البيت : على بغداد معدن كل طيب ومغنى نزهة المتنزهينا سلام كلما جرحت بلحظ عيون المشتهين المشتهينا دخلنا كارهين لها فلما ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب الديار بنا ولكن أمر العيش فرقة من هوينا قال محمد بن علي بن حبيب الماوردي : كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد : طيب الهواء ببغداد يشوقني قدما إليها وإن عاقت معاذير وكيف صبري عنها بعدما جمعت طيب الهواءين ممدود ومقصور وقلد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر اليمن فلما أراد الخروج قال : أيرحل آلف ويقيم إلف وتحيا لوعة ويموت قصف على بغداد دار اللهو مني سلام ما سجا للعين طرف وما فارقتها لقلى ولكن تناولني من الحدثان صرف ألا روح ألا فرج قريب ألا جار من الحدثان كهف لعل زماننا سيعود يوما فيرجع آلف ويسر إلف فبلغ الوزير هذا الشعر فأعفاه، وقال شاعر يتشوق بغداد : ولما تجاوزت المدائن سائرا وأيقنت يا بغداد أني على بعد علمت بأن الله بالغ أمره وأن قضاء الله ينفذ في العبد وقلت وقلبي فيه ما فيه من جوى ودمعي جار كالجمان على خدي ترى الله يا بغداد يجمع بيننا فألقى الذي خلفت فيك على العهد وقال محمد بن علي بن خلف النيرماني : فدى لك يا بغداد كل مدينة من الأرض حتى خطتي ودياريا فقد طفت في شرق البلاد وغربها وسيرت خيلي بينها وركابيا فلم أر فيها مثل بغداد منزلا ولم أر فيها مثل دجلة واديا ولا مثل أهليها أرق شمائلا وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا وقائلة لو كان ودك صادقا لبغداد لم ترحل فقلت جوابيا يقيم الرجال الموسرون بأرضهم وترمي النوى بالمقترين المراميا في ذم بغداد قد ذكره جماعة من أهل الورع والصلاح والزهاد والعباد، ووردت فيها أحاديث خبيثة، وعلتهم في الكراهية ما عاينوه بها من الفجور والظلم والعسف، وكان الناس وقت كراهيتهم للمقام ببغداد غير ناس زماننا، فأما أهل عصرنا فأجلس خيارهم في الحش وأعطهم فلسا فما يبالون بعد تحصيل الحطام أين كان المقام، وقد ذكر الحافظ أبو بكر أحمد بن علي من ذلك قدرا كافيا، وكان بعض الصالحين إذا ذكرت عنده بغداد يتمثل : قل لمن أظهر التنسك في النا س وأمسى يعد في الزهاد إلزم الثغر والتواضع فيه ليس بغداد منزل العباد إن بغداد للملوك محل ومناخ للقارئ الصياد من شائع الشعر في ذلك : بغداد أرض لأهل المال طيبة وللمفاليس دار الضنك والضيق أصبحت فيها مضافا بين أظهرهم كأنني مصحف في بيت زنديق ويروى للطاهر بن الحسين قال : زعم الناس أن ليلك يا بغـ ـداد ليل يطيب فيه النسيم ولعمري ما ذاك إلا لأن خا لفها بالنهار منك السموم وقليل الرخاء يتبع الشـ ـدة عند الأنام خطب عظيم وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له يمدح سر من رأى ويصف خرابها ويذم بغداد : كتبت من بلدة قد أنهض الله سكانها وأقعد حيطانها، فشاهد اليأس فيها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، وقد تمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حق جوار، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، على أنها وإن جفيت معشوقة السكنى، وحبيبة المثوى كوكبها يقظان، وجوها عريان، وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطر، وترابها أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنيء وشرابها مريء ، لا كبلدتكم الوسخة السماء، الومدة الماء والهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، وماؤها طين، وترابها سرجين، وحيطانها نزور ، وتشرينها تموز، فكم من شمسها من محترق، وفي ظلها من عرق، صيقة الديار، وسيئة الجوار، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، ومالهم مكتوم ولا يجوز إنفاقه ولا يحل خناقه، حشوشهم مسايل، وطرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص، وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم، وله من قصيدة : كيف نومي وقد حللت ببغـ ـداد مقيما في أرضها لا أريم ببلاد فيها الركايا عليـ ـهن أكاليل من بعوض تحوم جوها في الشتاء والصيف دخا ن كثيف وماؤها محموم ويح دار الملك التي تنفح المسـ ـك إذا ما جرى عليه النسيم كيف قد أقفرت وحاربها الدهـ ر وعين الحياة فيها البوم نحن كنا سكانها فانقضى ذا لك عنا وأي شيء يدوم وقال أيضا : أطال الهم في بغداد ليلي وقد يشقى المسافر أو يفوز ظللت بها على رغمي مقيما كعنين تعانقه عجوز وقال محمد بن أحمد بن شميعة البغدادي ، شاعر عصري ، فيها : ود أهل الزوراء زور فلا تغترر بالوداد من ساكنيها هي دار السلام حسب فلا يطـ مع منها إلا بما قيل فيها وكان المعتصم قد سأل أبا العيناء عن بغداد وكان سيء الرأي فيها، فقال : هي يا أمير المؤمنين كما قال عمارة بن عقيل : ما أنت يا بغداد إلا سلح إذا اعتراك مطر أو نفح وإن جففت فتراب برح وكما قال آخر : هل الله من بغداد يا صاح مخرجي فأصبح لا تبدو لعيني قصورها وميدانها المذري علينا ترابها إذا شحجت أبغالها وحميرها وقال آخر : أذم بغداد والمقام بها من بعدما خبرة وتجريب ما عند سكانها لمختبط خير ولا فرجة لمكروب يحتاج باغي المقام بينهم إلى ثلاث من بعد تثريب كنوز قارون أن تكون له وعمر نوح وصبر أيوب قوم مواعيدهم مزخرفة بزخرف القول والأكاذيب خلوا سبيل العلى لغيرهم ونافسوا في الفسوق والحوب وقال بعض الأعراب : لقد طال في بغداد ليلي ومن يبت ببغداد يصبح ليله غير راقد بلاد إذا ولى النهار تنافرت براغيثها من بين مثنى وواحد ديازجة شهب البطون كأنها بغال بريد أرسلت في مذاود وقرأت بخط عبيد الله بن أحمد جخجخ ، قال أبو العالية : ترحل فما بغداد دار إقامة ولا عند من يرجى ببغداد طائل محل ملوك سمتهم في أديمهم فكلهم من حلية المجد عاطل سوى معشر جلوا وجل قليلهم يضاف إلى بذل الندى وهو باخل ولا غرو أن شلت يد الجود والندى وقل سماح من رجال ونائل إذا غطمط البحر الغطامط ماؤه فليس عجيبا أن تفيض الجداول وقال آخر : كفى حزنا والحمد لله أنني ببغداد قد أعيت علي مذاهبي أصاحب قوما لا ألذ صحابهم وآلف قوما لست فيهم براغب ولم أثو في بغداد حبا لأهلها ولا أن فيها مستفادا لطالب سأرحل عنها قاليا لسراتها وأتركها ترك الملول المجانب فإن ألجأتني الحادثات إليهم فأير حمار في حر أم النوائب وقال بعضهم يمدح بغداد ويذم أهلها : سقيا لبغداد ورعيا لها ولا سقى صوب الحيا أهلها يا عجبا من سفل مثلهم كيف أبيحوا جنة مثلها وقال آخر : اخلع ببغداد العذارا ودع التنسك والوقارا فلقد بليت بعصبة ما إن يرون العار عارا لا مسلمين ولا يهو د ولا مجوس ولا نصارى وقدم بعض الهجريين بغداد فاستوبأها وقال : أرى الريف يدنو كل يوم وليلة وأزداد من نجد وساكنه بعدا ألا إن بغدادا بلاد بغيضة إلي وإن أمست معيشتها رغدا بلاد ترى الأرواح فيها مريضة وتزداد نتنا حين تمطر أو تندى وقال أعرابي مثل ذلك : ألا يا غراب البين ما لك ثاويا ببغداد لا تمضي وأنت صحيح ألا إنما بغداد دار بلية هل الله من سجن البلاد مريح وقال أبو يعلى بن الهبارية : أنشدني جدي أبو الفضل محمد بن محمد لنفسه : إذا سقى الله أرضا صوب غادية فلا سقى الله غيثا أرض بغداد أرض بها الحر معدوم كأن لها قد قيل في مثل لا حر بالوادي بل كل ما شئت من علق وزانية ومستحد وصفعان وقواد وقال أيضا أبو يعلى بن الهبارية : أنشدني معدان التغلبي لنفسه : بغداد دار طيبها آخذ نسيمه مني بأنفاسي تصلح للموسر لا لامرئ يبيت في فقر وإفلاس لو حلها قارون رب الغنى أصبح ذا هم ووسواس هي التي توعد لكنها عاجلة للطاعم الكاسي حور وولدان ومن كل ما تطلبه فيها سوى الناس