بلغار
ثم ذكر ما مر له في الطريق إلى خوارزم ، ثم منها إلى بلاد الصقالبة ما يطول شرحه ، ثم قال : فلما كنا من ملك الصقالبة ، وهو الذي قصدنا له على مسيرة يوم وليلة وجه لاستقبالنا الملوك الأربعة الذين تحت يديه وإخوته وأولاده ، فاستقبلونا ومعهم الخبز واللحم والجاورس ، وساروا معنا ، فلما صرنا منه على فرسخين تلقانا هو بنفسه ، فلما رآنا نزل فخر ساجدا شكرا لله ، وكان في كمه دراهم فنثرها علينا ، ونصب لنا قبابا فنزلناها ، وكان وصولنا إليه يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 310 . وكانت المسافة من الجرجانية ، وهي مدينة خوارزم سبعين يوما ، فأقمنا إلى يوم الأربعاء في القباب التي ضربت لنا ، حتى اجتمع ملوك أرضه وخواصه ؛ ليسمعوا قراءة الكتاب ، فلما كان يوم الخميس نشرنا المطردين الذين كانوا معنا ، وأسرجنا الدابة بالسرج الموجه إليه ، وألبسناه السواد ، وعممناه ، وأخرجت كتاب الخليفة فقرأته وهو قائم على قدميه ، ثم قرأت كتاب الوزير حامد بن العباس وهو قائم أيضا ، وكان بدينا ، فنثر أصحابه علينا الدراهم ، وأخرجنا الهدايا وعرضناها عليه ، ثم خلعنا على امرأته ، وكانت جالسة إلى جانبه ، وهذه سنتهم ودأبهم . ثم وجه إلينا ، فحضرنا قبته وعنده الملوك عن يمينه ، وأمرنا أن نجلس عن يساره وأولاده جلوس بين يديه ، وهو وحده على سرير مُغشًّى بالديباج الرومي ، فدعا بالمائدة ، فقدمت إليه وعليها لحم مشوي ، فابتدأ الملك وأخذ سكينا ، وقطع لقمة فأكلها وثانية وثالثة ، ثم قطع قطعة فدفعها إلى سوسن الرسول ، فلما تناولها جاءته مائدة صغيرة ، فجعلت بين يديه ، وكذلك رسمهم : لا يمد أحد يده إلى أكل حتى يناوله الملك ، فإذا تناولها جاءته مائدة ، ثم قطع قطعة وناولها الملك الذي عن يمينه ، فجاءته مائدة ، ثم ناول الملك الثاني ، فجاءته مائدة .
وكذلك حتى قدم إلى كل واحد من الذين بين يديه مائدة ، وأكل كل واحد منا من مائدة لا يشاركه فيها أحد ، ولا يتناول من مائدة غيره شيئا ، فإذا فرغ من الأكل حمل كل واحد منا ما بقي على مائدته إلى منزله ، فلما فرغنا دعا بشراب العسل ، وهم يسمونه السجو فشرب وشربنا . وقد كان يخطب له قبل قدومنا : اللهم أصلح الملك بلطوار ملك بلغار ، فقلت له : إن الله هو الملك ، ولا يجوز أن يخطب بهذا لأحد سيما على المنابر ، وهذا مولاك أمير المؤمنين قد وصى لنفسه أن يقال على منابره في الشرق والغرب : اللهم أصلح عبدك وخليفتك جعفرا الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين ، فقال : كيف يجوز أن يقال ؟ فقلت : يذكر اسمك واسم أبيك ، فقال : إن أبي كان كافرا وأنا أيضا ما أحب أن يذكر اسمي إذ كان الذي سماني به كافرا ، ولكن ما اسم مولاي أمير المؤمنين ؟ فقلت : جعفر ، قال : فيجوز أن أتسمى باسمه ؟ قلت : نعم ، فقال : قد جعلت اسمي جعفرا ، واسم أبي : عبد الله ، وتقدم إلى الخطيب بذلك ، فكان يخطب : اللهم أصلح عبدك جعفر بن عبد الله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين . قال : ورأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها كثرة ، من ذلك أن أول ليلة بتناها في بلده رأيت قبل مغيب الشمس بساعة أفق السماء ، وقد احمر احمرارا شديدا ، وسمعت في الجو أصواتا عالية وهمهمة ، فرفعت رأسي ، فإذا غيم أحمر مثل النار قريب مني ، فإذا تلك الهمهمة والأصوات منه ، وإذا فيه أمثال الناس والدواب ، وإذا في أيدي الأشباح التي فيه قسي ورماح وسيوف ، وأتبينها وأتخيلها ، وإذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها رجالا أيضا وسلاحا ودواب ، فأقبلت هذه القطعة على هذه كما تحمل الكتيبة على الكتيبة ، ففزعنا من هذه ، وأقبلنا على التضرع والدعاء ، وأهل البلد يضحكون منا ويتعجبون من فعلنا .
قال : وكنا ننظر إلى القطعة تحمل على القطعة فتختلطان جميعا ساعة ، ثم تفترقان ، فما زال الأمر كذلك إلى قطعة من الليل ثم غابتا ، فسألنا الملك عن ذلك فزعم أن أجداده كانوا يقولون : هؤلاء من مؤمني الجن وكفارهم يقتتلون كل عشية ، وأنهم ما عدموا هذا منذ كانوا في كل ليلة . قال : ودخلت أنا وخياط كان للملك من أهل بغداد قبتي لنتحدث ، فتحدثنا بمقدار ما يقر الإنسان نصف ساعة ، ونحن ننتظر أذان العشاء ، فإذا بالأذان فخرجنا من القبة وقد طلع الفجر ، فقلت للمؤذن : أي شيء أذنت ؟ قال : الفجر ، قلت : فعشاء الأخيرة ؟ قال : نصليها مع المغرب ، قلت : فالليل ؟ قال : كما ترى ، وقد كان أقصر من هذا ، وقد أخذ الآن في الطول ، وذكر أنه منذ شهر ما نام الليل خوفا من أن تفوته صلاة الصبح ، وذلك أن الإنسان يجعل القدر على النار وقت المغرب ، ثم يصلي الغداة وما آن لها أن تنضج . قال : ورأيت النهار عندهم طويلا جدا ، وإذا أنه يطول عندهم مدة من السنة ويقصر الليل ، ثم يطول الليل ويقصر النهار ، فلما كانت الليلة الثانية جلست فلم أر فيها من الكواكب إلا عددا يسيرا ، ظننت أنها فوق الخمسة عشر كوكبا متفرقة ، وإذا الشفق الأحمر الذي قبل المغرب لا يغيب بتة ، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل الرجلَ فيه من أكثر من غلوة سهم .
قال : والقمر إنما يطلع في أرجاء السماء ساعة ، ثم يطلع الفجر فيغيب القمر ، قال : وحدثني الملك أن وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوما يقال لهم : وِيسُو ، الليل عندهم أقل من ساعة ، قال : ورأيت البلد عند طلوع الشمس يحمر كل شيء فيه من الأرض والجبال ، وكل شيء ينظر الإنسان إليه حين تطلع الشمس كأنها غمامة كبرى ، فلا تزال الحمرة كذلك حتى تتكبد السماء . وعرفني أهل البلد أنه إذا كان الشتاء عاد الليل في طول النهار ، وعاد النهار في قصر الليل ، حتى إن الرجل منا ليخرج إلى نهر يقال له : إتل ، بيننا وبينه أقل من مسافة فرسخ وقت الفجر ، فلا يبلغه إلى العتمة إلى وقت طلوع الكواكب كلها ، حتى تطبق السماء ، ورأيتهم يتبركون بعواء الكلب جدا ، ويقولون : تأتي عليهم سنة خصب وبركة وسلامة . ورأيت الحيات عندهم كثيرة ، حتى إن الغصن من الشجر ليلتف عليه عشر منها وأكثر ، ولا يقتلونها ولا تؤذيهم ، ولهم تفاح أخضر شديد الحموضة جدا ، تأكله الجواري فيسمن ، وليس في بلدهم أكثر من شجر البندق ، ورأيت منه غياضا تكون أربعين فرسخا في مثلها ، قال : ورأيت لهم شجرا لا أدري ما هو ، مفرط الطول ، وساقه أجرد من الورق ورؤوسه كرؤوس النخل ، له خوص دقاق إلا أنه مجتمع ، يعمدون إلى موضع من ساق هذه الشجرة يعرفونه فيثقبونه ، ويجعلون تحته إناء يجري إليه من ذلك الثقب ماء أطيب من العسل ، وإن أكثر الإنسان من شربه أسكره كما تسكر الخمر ، وأكثر أكلهم الجاورس ، ولحم الخيل على أن الحنطة والشعير كثير في بلادهم .
وكل من زرع شيئا أخذه لنفسه ليس للملك فيه حق غير أنهم يؤدون إليه من كل بيت جلد ثور ، وإذا أمر سرية على بعض البلدان بالغارة كان له معهم حصة . وليس عندهم شيء من الأدهان غير دهن السمك ، فإنهم يقيمونه مقام الزيت والشيرج ، فهم كانوا لذلك زفرين ، وكلهم يلبسون القلانس ، وإذا ركب الملك ركب وحده بغير غلام ولا أحد معه ، فإذا اجتاز في السوق لم يبق أحد إلا قام وأخذ قلنسوته عن رأسه وجعلها تحت إبطه ، فإذا جاوزهم ردوا قلانسهم فوق رؤوسهم . وكذلك كل من يدخل على الملك من صغير وكبير حتى أولاده وإخوته ساعة يقع نظرهم عليه يأخذون قلانسهم فيجعلونها تحت آباطهم ، ثم يومئون إليه برؤوسهم ويجلسون ، ثم يقومون حتى يأمرهم بالجلوس .
وكل من جلس بين يديه فإنما يجلس باركا ، ولا يخرج قلنسوته ، ولا يظهرها حتى يخرج من بين يديه فيلبسها عند ذلك . والصواعق في بلادهم كثيرة جدا ، وإذا وقعت الصاعقة في دار أحدهم لم يقربوه ، ويتركونه حتى يتلفه الزمان ، ويقولون : هذا موضع مغضوب عليه ، وإذا رأوا رجلا له حركة ومعرفة بالأشياء قالوا : هذا حقه أن يخدم ربنا ، فأخذوه وجعلوا في عنقه حبلا وعلقوه في شجرة حتى يتقطع . وإذا كانوا يسيرون في طريق ، وأراد أحدهم البول فبال وعليه سلاحه انتهبوه ، وأخذوا سلاحه وجميع ما معه ، ومن حط عنه سلاحه ، وجعله ناحية لم يتعرضوا له ، وهذه سنتهم .
وينزل الرجال والنساء النهر فيغتسلون جميعا عراة لا يستتر بعضهم من بعض ، ولا يزنون بوجه ولا سبب ، ومن زنى منهم كائنا من كان ضربوا له أربع سكك وشدوا يديه ورجليه إليها ، وقطعوا بالفأس من رقبته إلى فخذه ، وكذلك يفعلون بالمرأة ، ثم يعلق كل قطعة منه ، ومنها على شجرة . قال : ولقد اجتهدت أن تستتر النساء من الرجال في السباحة فما استوى لي ذلك ، ويقتلون السارق كما يقتلون الزاني ، ولهم أخبار اقتصرنا منها على هذا.