الثغر
، وجد الحصون فيما بين أنطاكية ، وطرسوس خالية ، فوقف عندها جماعة من أهل الشام والجزيرة ، وقنسرين حتى انصرف من غزواته ، ثم أغزى بعد ذلك بسنة أو سنتين يزيد بن الحر العبسي الصائفة ، وأمره معاوية أن يفعل مثل فعله ، قال : وغزا معاوية سنة 31 من ناحية المصيصة ، فبلغ درولية ، فلما رجع جعل لا يمر بحصن فيما بينه وبين أنطاكية إلا هدمه .
قال المؤلف ، رحمه الله : ثم لم يزل هذا الثغر ، وهو طرسوس وأذنة والمصيصة وما ينضاف إليها ، بأيدي المسلمين ، والخلفاء مهتمون بأمرها لا يولونها إلا شجعان القواد ، والراغبين منهم في الجهاد والحروب بين أهلها والروم مستمرة ، والأمور على مثل هذه الحال مستقرة ، حتى ولي العواصم والثغور الأمير سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء بن حمدان ، فصمد للغزو ، وأمعن في بلادهم ، واتفق أن قابله من الروم ملوك أجلاد ورجال أولو بأس وجلاد ، وبصيرة بالحرب والدين شداد ، فكانت الحرب بينهم سجالا إلى أن كان من وقعة مغارة الكحل في سنة 349 . ومن ظفر الروم بعسكر سيف الدولة ، ورجوعه إلى حلب في خمسة فرسان على ما قيل ، ثم تلا ذلك هجوم الروم على حلب في سنة 351 ، وقتل كل من قدروا عليه من أهلها ، وكان أن عجز سيف الدولة ، وضعف ، فترك الشام شاغرا ، ورجع إلى ميافارقين ، والثغر من الحماة فارغا ، فجاءهم نقفور الدمستق ، فحاصر المصيصة ففتحها ، ثم طرسوس ، ثم سائر الثغور ، وذلك في سنة 354 ، كما ذكرناه في طرسوس ، فهو في أيديهم إلى هذه الغاية ، وتولاها لاون الأرمني ملك الأرمن يومئذ ، فهي في عقبه إلى الآن ، وقد نسبوا إلى هذا الثغر جماعة كثيرة من الرواة والزهاد والعباد ، منهم : أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سالم الطرسوسي الثغري ، كذا نسبه غير واحد من المحدثين ، وهو بغدادي المولد ، سكن طرسوس ، وسمع يوسف بن عمر اليمامي ، وعمر بن حبيب القاضي ، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي ، وأبا عاصم النبيل ، ومكي بن إبراهيم ، والفضل بن دكين ، وقبيصة بن عقبة ، وإسحاق بن منصور السلولي ، وأسود بن عامر شاذان وغيرهم ، روى عنه أبو حاتم الرازي ، ومحمد بن خلف وكيع ، ويحيى بن صاعد ، والحسين بن إبراهيم المحاملي وغيرهم ، وسئل عنه أبو داود سليمان بن الأشعث ، فقال : ثقة . وأما ثغر أسفيجاب فلم يزل ثغرا من جهته ، وقد ذكر أسفيجاب في موضعه ، نسب إليه هكذا : طالب بن القاسم الفقيه الثغري الأسفيجابي ، كان من فقهاء ما وراء النهر ، وثغر فراوة قرب بلاد الديلم ، ينسب إليه محمد بن أحمد بن الحسين الغطريفي الجرجاني الثغري ، وكان الإسماعيلي يدلس به في الرواية عنه ، هكذا يقول : حدثنا محمد بن أحمد الثغري .
وأما ثغر الأندلس فينسب إليه أبو محمد عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم بن خلف الثغري من أهل قلعة أيوب ، سمع بتطيلة من ابن شبل ، وأحمد بن يوسف بن عباس ، وبمدينة الفرج من وهب بن مسرة ، ورحل إلى المشرق سنة 350 ، فسمع ببغداد من أبي علي الصواف ، وأبي بكر بن حمدان ، سمع منه مسند أحمد بن حنبل ، والتاريخ ، دخل البصرة والكوفة وسمع بها ، وسمع بالشام ومصر وغيرهما من جماعة يكثر تعدادهم ، وانصرف إلى الأندلس ، ولزم العبادة والجهاد ، واستقضاه الحكم المنتصر بموضعه ، ثم استعفاه منه فأعفاه ، وقدم قرطبة في سنة 375 . وقرأ عليه الناس ، قال ابن الفرضي : وقرأت عليه علما كثيرا ، فعاد إلى الثغر فأقام به إلى أن مات ، وكان يعد من الفرسان ، وتوفي سنة 383 بالثغر من مشرق الأندلس .