الجعفري
فعاد الناس إلى سامراء ، وكانت النفقة عليه عشرة آلاف درهم ، كذا ذكر بعضهم في كتاب أبي عبد الله بن عبدوس ، وفي سنة 245 بنى المتوكل الجعفري وأنفق عليه ألفي ألف دينار ، وكان المتولي لذلك دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا الشرابي ، قلت : وهذا الذي ذكره ابن عبدوس أضعاف ما تقدم لأن الدراهم كانت في أيام المتوكل كل خمسة وعشرين درهما بدينار فيكون عن ألفي ألف دينار خمسون ألف ألف درهم ، قال : ولما عزم المتوكل على بناء الجعفري تقدم إلى أحمد بن إسرائيل باختيار رجل يتقلد المستغلات بالجعفري من قبل أن يبنى ، وإخراج فضول ما بناه الناس من المنازل ، فسمى له أبا الخطاب الحسن بن محمد الكاتب ، فكتب الحسن بن محمد إلى أبي عون لما دعي إلى هذا العمل : إني خرجت إليك من أعجوبة مما سمعت به ، ولما تسمع سميت للأسواق قبل بنائها ، ووليت فضل قطائع لم تقطع ولما انتقل المتوكل من سامراء إلى الجعفري انتقل معه عامة أهل سامراء حتى كادت تخلو ، فقال في ذلك أبو علي البصير هذه الأبيات : إن الحقيقة غير ما يتوهم ، فاختر لنفسك أي أمر تعزم أتكون في القوم الذين تأخروا عن خطهم أم في الذين تقدموا لا تقعدن تلوم نفسك ، حين لا يجدي عليك تلوم وتندم أضحت قفارا سر من را ما بها إلا لمنقطع به متلوم تبكي بظاهر وحشة ، وكأنها إن لم تكن تبكي بعين تسجم كانت تظلم كل أرض مرة منهم ، فصارت بعدهن تظلم رحل الإمام فأصبحت ، وكأنها عرصات مكة حين يمضي الموسم وكأنما تلك الشوارع بعض ما أخلت إياد ، من البلاد ، وجرهم كانت معادا للعيون ، فأصبحت عظة ومعتبرا لمن يتوسم وكأن مسجدها ، المشيد بناؤه ، ربع أحال ومنزل مترسم وإذا مررت بسوقها لم تثن عن سنن الطريق ، ولم تجد من يزحم وترى الذراري والنساء ، كأنهم خلق أقام وغاب عنه القيم فارحل إلى الأرض التي يحتلها خير البرية ، إن ذاك الأحزم وانزل مجاوره بأكرم منزل ، وتيمم الجهة التي يتيمم أرض تسالم صيفها وشتاؤها ، فالجسم بينهما يصح ويسلم وصفت مشاربها وراق هواؤها ، والتذ برد نسيمها المتنسم سهلية جبلية ، لا تحتوي حرا ولا قرا ، ولا تستوخم وللشعراء في ذكر الجعفري أشعار كثيرة ، ومن أحسن ما قيل فيه قول البحتري : قد تم حسن الجعفري ، ولم يكن ليتم إلا بالخليفة جعفر في رأس مشرفة حصاها لؤلؤ وترابها مسك يشاب بعنبر مخضرة ، والغيث ليس بساكب ، ومضيئة ، والليل ليس بمقمر ملأت جوانبه الفضاء ، وعانقت شرفاته قطع السحاب الممطر أزرى على همم الملوك ، وغض عن بنيان كسرى في الزمان وقيصر عال على لحظ العيون ، كأنما ينظرن منه إلى بياض المشتري وتسير دجلة تحته ، ففناؤه من لجة غمر وروض أخضر شجر تلاعبه الرياح ، فتنثني أعطافه في سائح متفجر أعطيته محض الهوى ، وخصصته بصفاء ود منك غير مكدر واسم شققت له من اسمك ، فاكتسى شرف العلو به وفضل المفخر