حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
معجم البلدان

صقلية

في أيام المأمون في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل فوصل إلى الجزيرة وجمع الروم جمعا عظيما ، فأمر أسد بن الفرات فيمي وأصحابه أن يعتزلوهم ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى الانتصار بالكفار، ثم كبر المسلمون وحملوا على الروم حملة صادقة فانهزم الروم وقتل منهم قتلا ذريعا ، وملك أسد بن الفرات بالتنقل جميع الجزيرة، ثم توفي في سنة 213 ، وكان رجلا صالحا فقيها عالما، أدرك حياة مالك بن أنس، رضي الله عنه، ورحل إلى الشرق، وبقيت بأيدي المسلمين مدة وصار أكثر أهلها مسلمين وبنوا بها الجوامع والمساجد ، ثم ظهر عليها الكفار فملكوها ، فهي اليوم في أيديهم، قال بطليموس في كتاب الملحمة : مدينة صقلية طولها أربعون درجة، وعرضها خمس وثلاثون درجة، طالعها السنبلة، عاشرها ذراع الكلب ولها شركة في الفرع المؤخر تحت عشر درجات من السرطان، يقابلها مثلها من الجدي، رابعها مثلها من الميزان، بيت ملكها مثلها من الحمل، ومن فضل جزيرة صقلية أن ليس بها سبع ضار ولا نمر ولا ضبع ولا عقرب ولا أفاع ولا ثعابين، وفيها معادن الذهب موجودة في كل مكان ومعادن الشب والكحل والفضة ومعدن الزاج والحديد والرصاص وجبال تنعش، وكثيرا ما يوجد النوشادر في جبل النار ، ويحمل منه إلى الأندلس وغيرها كثير، وقال أبو علي الحسن بن يحيى الفقيه مصنف تاريخ صقلية : وأما جبل النار الذي في جزيرة صقلية فهو جبل مطل على البحر المتصل بالمجاز، وهو فيما بين قطانية ومصقلة وبقرب طبرمين، ودوره ثلاثة أيام، وفيه أشجار وشعارى عظيمة أكثرها القسطل ، وهو البندق والصنوبر والأرزن ، وحوله أبنية كثيرة وآثار عظيمة للماضين ، ومقاسم تدل على كثرة ساكنيه، وقيل : إنه يبلغ من كان يسكنه من المقاتلة في زمن الطورة ملك طبرمين ستين ألف مقاتل، وفيه أصناف الثمار، وفي أعلاه منافس يخرج منها النار والدخان ، وربما سالت النار منه إلى بعض جهاته فتحرق كل ما تمر به ، ويصير كخبث الحديد ولم ينبت ذلك المحترق شيئا، ولا تمشي اليوم فيه دابة، وهو اليوم ظاهر يسميه الناس الأخباث ، وفي أعلى هذا الجبل السحاب والثلوج والأمطار دائمة لا تكاد تنقطع عنه في صيف ولا شتاء، وفي أعلاه الثلج لا يفارقه في الصيف ، فأما في الشتاء فيعم أوله وآخره، وزعمت الروم أن كثيرا من الحكماء الأولين كانوا يرحلون إلى جزيرة صقلية ينظرون إلى عجائب هذا الجبل واجتماع هذه النار والثلج فيه، وقيل : إنه كان في هذا الجبل معدن الذهب ، ولذلك سمته الروم جبل الذهب، وفي بعض السنين سالت النار من هذا الجبل إلى البحر ، وأقام أهل طبرمين وغيرهم أياما كثيرة يستضيئون بضوئه، وقرأت لابن حوقل التاجر فصلا في صفة صقلية ذكرته على وجهه ، ففيه مستمتع للناظر في هذا الكتاب، قال : جزيرة صقلية على شكل مثلث متساوي الساقين زاويته الحادة من غربي الجزيرة طولها سبعة أيام في أربعة أيام، وفي شرقي الأندلس في لج البحر وتحاذيها من بلاد الغرب بلاد إفريقية وباجة وطبرقة إلى مرسى الخزر، وغربيها في البحر جزيرة قرشف وجزيرة سردانية من جهة جنوب قرشف، ومن جنوب صقلية جزيرة قوصرة، وعلى ساحل البحر شرقيها من البر الأعظم الذي عليه قسطنطينية مدينة ريو ثم نواحي قلورية، والغالب على صقلية الجبال والحصون، وأكثر أرضها مزرعة، ومدينتها المشهورة بلرم وهي قصبة صقلية على نحر البحر، والمدينة خمس نواح محدودة غير متباينة ببعد مسافة، وحدود كل واحدة ظاهرة، وهي : بلرم ، وقد ذكرت في بابها، وخالصة وهي دونها وقد ذكرت أيضا، وحارة الصقالبة وهي عامرة وأعمر من المدينتين المذكورتين وأجل ، ومرسى البحر بها، وبها عيون جارية وهي فاصلة بينها وبين بلرم ولا سور لها، والمدينة الرابعة حارة المسجد وتعرف بابن صقلاب، وهي مدينة كبيرة أيضا ، وشرب أهلها من الآبار ليس لهم مياه جارية، وعلى طريقها الوادي المعروف بوادي العباس، وهو واد عظيم وعليه مطاحنهم ولا انتفاع لبساتينهم به ولا للمدينة، والخامسة ، يقال لها : الحارة الجديدة، وهي تقارب حارة ابن صقلاب في العظم والشبه ، وليس عليها سور، وأكثر الأسواق فيها بين مسجد بن صقلاب ، والحارة الجديدة، وفي بلرم والخالصة والحارات المحيطة بها ومن ورائها من المساجد نيف وثلاثمائة مسجد، وفي محال تلاصقها وتتصل بوادي العباس مجاورة المكان المعروف بالعسكر ، وهو في ضمن البلد إلى البلد المعروف بالبيضاء ، قرية تشرف على المدينة من نحو فرسخ مائتا مسجد، قال : ولقد رأيت في بعض الشوارع في بلرم على مقدار رمية سهم عشرة مساجد، وقد ذكرتها في بلرم، قال : وأهل صقلية أقل الناس عقلا وأكثرهم حمقا ، وأقلهم رغبة في الفضائل ، وأحرصهم على اقتناء الرذائل، قال : وحدثني غير إنسان منهم أن عثمان بن الخزاز ولي قضاءهم ، وكان ورعا ، فلما جربهم لم يقبل شهادة واحد منهم ، لا في قليل ولا في كثير، وكان يفصل بين الناس بالمصالحات، إلى أن حضرته الوفاة فطلب منه الخليفة بعده فقال : ليس في جميع البلد من يوصى إليه، فلما توفي تولى قضاءهم رجل من أهلها يعرف بأبي إبراهيم إسحاق بن الماحلي، ثم ذكر شيئا من سخيف عقله، قال : والغالب على أهل المدينة المعلمون ، فكان في بلرم ثلاثمائة معلم، فسألت عن ذلك فقالوا : إن المعلم لا يكلف الخروج إلى الجهاد عند صدمة العدو، وقال ابن حوقل : وكنت بها في سنة 362 ، ووصف شيئا من تخلقهم ، ثم قال : وقد استوفيت وصف هؤلاء وحكاياتهم ، ووصف صقلية وأهلها بما هم عليه من هذا الجنس من الفضائل في كتاب وسمته بمحاسن أهل صقلية ، ثم ذكرت ما هم عليه من سوء الخلق والمأكل والمطعم المنتن والأعراض القذرة وطول المراء ، مع أنهم لا يتطهرون ولا يصلون ولا يحجون ولا يزكون، وربما صاموا رمضان واغتسلوا من الجنابة ، ومع هذا فالقمح لا يحول عندهم وربما ساس في البيدر لفساد هوائها، وليس يشبه وسخهم وقذرهم وسخ اليهود، ولا ظلمة بيوتهم سواد الأتاتين ، وأجلهم منزلة تسرح الدجاج على موضعه ، وتذرق على مخدته وهو لا يتأثر، ثم قال : ولقد عررت كتابي بذكرهم، والله أعلم.

موقع حَـدِيث