كأنه من
، فقال : وأعظم مدينة بالأندلس قرطبة ، وليس لها في المغرب شبيه في كثرة الأهل وسعة الرقعة ، ويقال : إنها كأحد جانبي بغداد ، وإن لم تكن كذلك فهي قريبة منها ، وهي حصينة بسور من حجارة ، ولها بابان مشرعان في نفس السور إلى طريق الوادي من الرصافة ، والرصافة مساكن أعالي البلد متصلة بأسافله من ربضها ، وأبنيتها مشتبكة محيطة من شرقيها وشماليها ، وغربها وجنوبها فهو إلى واديها وعليه الرصيف المعروف بالأسواق والبيوع ، ومساكن العامة بربضها ، وأهلها متمولون متخصصون وأكثر ركوبهم البغلات من خورهم وجبنهم أجنادهم وعامتهم ، ويبلغ ثمن البغلة عندهم خمسمائة دينار ، وأما المائة والمائتان فكثير لحسن شكلها وألوانها وقدودها وعلوها وصحة قوائمها ، قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف هذا الكتاب : كانت صفتها هكذا إلى حدود سنة 440 ، فإنه انقضت مدة الأمويين وابن أبي عامر ، وظهر المتغلبون بالأندلس وقويت شوكة بني عباد وغيرهم ، واستولى كل أمير على ناحية وخلت قرطبة من سلطان يرجع إلى أمره وصار كل من قويت يده عمرت مدينته ، وخربت قرطبة بالجور عليها فعمرت إشبيلية ببني عباد عمارة صارت بها سرير ملك الأندلس فهي إلى الآن على ذلك من العمارة ، وخربت قرطبة وصارت كإحدى المدن المتوسطة ، وقد رثوها فأكثروا فيها ، وممن تشوق إليها القاضي محمد بن أبي عيسى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة ، فقال فيها : ويل ام ذكراي من ورق مغردة على قضيب بذات الجزع مياس رددن شجوا شجا قلبي الخلي فقل في شجو ذي غربة ناء عن الناس ذكرنه الزمن الماضي بقرطبة بين الأحبة في لهو وإيناس هجن الصبابة لولا همة شرفت فصيرت قلبه كالجندل القاسي وينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم ، منهم : أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي القرطبي ، قرأ عليه كثير من شيوخنا ، وكان أديبا فاضلا مقرئا عارفا بالنحو واللغة ، سمع كثيرا من كتب الأدب ، وورد الموصل فأقام بها يفيد أهلها ويقرؤون عليه فنون العلم إلى أن مات بها في سنة 567 ، وممن ينسب إليها أحمد بن محمد بن عبد البر أبو عبد الملك من موالي بني أمية ، سمع محمد بن أحمد بن الزراد وابن لبابة وأسلم بن عبد العزيز وغيرهم ، وله كتاب مؤلف في الفقهاء بقرطبة ، ومات في السجن لليلتين بقيتا من رمضان سنة 338 ، قال ابن الفرضي : وأحمد بن محمد بن موسى بن بشير بن حناذ بن لقيط الرازي الكناني من أنفسهم من أهل قرطبة يكنى أبا بكر ، وفد أبوه على الإمام محمد وكان أبوه من أهل اللسانة والخطابة ، وولد أحمد بالأندلس وسمع من أحمد ابن خالد وقاسم بن أصبغ وغيرهما ، وكان كثير الرواية حافظا للأخبار وله مؤلفات كثيرة في أخبار الأندلس وتواريخ دول الملوك منها ، توفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة 344 ، ومولده في عاشر ذي الحجة سنة 274 ، قاله ابن الفرضي وحباب بن عبادة الفرضي أبو غالب القرطبي له تآليف في الفرائض ، وحسن بن الوليد بن نصر أبو بكر يعرف بابن الوليد ، وكان فقيها عالما بالمسائل نحويا ، خرج إلى الشرق في سنة 362 ، وخالد بن سعد القرطبي أحد أئمة الأندلس ، كان المستنصر يقول : إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن مروان أتيناهم بخالد بن سعد ، وصنف كتابا في رجال الأندلس ومات فجأة سنة 352 عن ابن الفرضي ، وقد نيف على الستين ، وخلف بن القاسم بن سهل بن محمد بن يونس بن الأسود أبو القاسم المعروف بابن الدباغ الأزدي القرطبي ، ذكره الحافظ في تاريخ دمشق ، وقد سمع بدمشق أبا الميمون بن راشد وأبا القاسم بن أبي العقب ، وبمكة أبا بكر أحمد بن محمد بن سهل بن رزق الله المعروف ببكير الحداد وأبا بكر بن أبي الموت ، وبمصر عبد الله بن محمد المفسر الدمشقي والحسن بن رشيق ، روى عنه أبو عمر يوسف بن محمد بن عبد البر الحافظ ، وأبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي ، وأبو عمرو الداني . كان حافظا للحديث عالما بطرقه ، ألف كتبا حسانا في الزهد ، ومولده سنة 325 ، ومات سنة 393 في ربيع الآخر .