والحريرة
والحريرة : أن تنصب القدر بلحم يقطع صغارا على ماء كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن لحم فهو عصيدة وقيل غير ذلك، وفضائل قريش كثيرة وليس كتابي بصددها، ولقد بلغ من تعظيم العرب لمكة أنهم كانوا يحجون البيت ويعتمرون ويطوفون، فإذا أرادوا الانصراف أخذ الرجل منهم حجرا من حجارة الحرم فنحته على صورة أصنام البيت، فيحفى به في طريقه، ويجعله قبلة ويطوفون حوله ويتمسحون به ويصلون له تشبيها له بأصنام البيت، وأفضى بهم الأمر بعد طول المدة أنهم كانوا يأخذون الحجر من الحرم فيعبدونه، فذلك كان أصل عبادة العرب للحجارة في منازلهم شغفا منهم بأصنام الحرم، وقد ذكرت كثيرا من فضائلها في ترجمة الحرم والكعبة، فأغنى عن الإعادة ، وأما رؤساء مكة فقد ذكرناهم في كتابنا المبدأ والمآل وأعيد ذكرهم هاهنا ؛ لأن هذا الموضع مفتقر إلى ذلك، قال أهل الإتقان من أهل السير : إن إبراهيم الخليل لما حمل ابنه إسماعيل، عليهما السلام، إلى مكة، كما ذكرنا في باب الكعبة من هذا الكتاب، جاءت جرهم وقطوراء وهما قبيلتان من اليمن، وهما ابنا عم وهما جرهم بن عامر بن سبأ بن يقطن بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وقطوراء، فرأيا بلدا ذا ماء وشجر فنزلا ونكح إسماعيل في جرهم، فلما توفي ولي البيت بعده نابت بن إسماعيل وهو أكبر ولده ثم ولي بعده مضاض بن عمرو الجرهمي خال ولد إسماعيل ما شاء الله أن يليه، ثم تنافست جرهم وقطوراء في الملك وتداعوا للحرب فخرجت جرهم من قعيقعان، وهي أعلى مكة وعليهم مضاض بن عمرو، وخرجت قطوراء من أجياد وهي أسفل مكة وعليهم السميدع، فالتقوا بفاضح واقتتلوا قتالا شديدا فقتل السميدع وانهزمت قطوراء، فسمي الموضع فاضحا ؛ لأن قطوراء افتضحت فيه، وسميت أجياد أجيادا لما كان معهم من جياد الخيل، وسميت قعيقعان لقعقعة السلاح، ثم تداعوا إلى الصلح واجتمعوا في الشعب وطبخوا القدور فسمي المطابخ، قالوا : ونشر الله ولد إسماعيل فكثروا وربلوا، ثم انتشروا في البلاد لا يناوئون قوما إلا ظهروا عليهم بدينهم، ثم إن جرهما بغوا بمكة فاستحلوا حراما من الحرمة فظلموا من دخلها وأكلوا مال الكعبة، وكانت مكة تسمى النساسة لا تقر ظلما ولا بغيا ولا يبغي فيها أحد على أحد إلا أخرجته فكان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة بن غسان وخزاعة حلولا حول مكة فآذنوهم بالقتال، فاقتتلوا فجعل الحارث بن عمرو بن مضاض الأصغر يقول : لاهم إن جرهما عبادك الناس طرف وهم تلادك فغلبتهم خزاعة على مكة ونفتهم عنها، ففي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن عمرو بن مضاض الأصغر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولم يتربع واسطا فجنوبه إلى السر من وادي الأراكة حاضر بلى، نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر وأبدلنا ربي بها دار غربة بها الجوع باد والعدو المحاصر وكنا ولاة البيت من بعد نابت نطوف بباب البيت والخير ظاهر فأخرجنا منها المليك بقدرة كذلك ما بالناس تجري المقادر فصرنا أحاديثا وكنا بغبطة كذلك عضتنا السنون الغوابر وبدلنا كعب بها دار غربة بها الذئب يعوي والعدو المكاثر فسحت دموع العين تجري لبلدة بها حرم أمن وفيها المشاعر ثم وليت خزاعة البيت ثلاثمائة سنة يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو خزاعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء الخزاعي وقريش إذ ذاك هم صريح ولد إسماعيل حلول وصرم وبيوتات متفرقة حوالي الحرم إلى أن أدرك قصي بن كلاب بن مرة وتزوج حبى بنت حليل بن حبشية وولدت بنيه الأربعة وكثر ولده وعظم شرفه ثم هلك حليل بن حبشية، وأوصى إلى ابنه المحترش أن يكون خازنا للبيت، وأشرك معه غبشان الملكاني، وكان إذا غاب أحجب هذا حتى هلك الملكاني، فيقال : إن قصيا سقى المحترش الخمر وخدعه حتى اشترى البيت منه بدن خمر ، وأشهد عليه وأخرجه من البيت وتملك حجابته وصار رب الحكم فيه، فقصي أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل، وذلك في أيام المنذر بن النعمان على الحيرة، والملك لبهرام جور في الفرس، فجعل قصي مكة أرباعا وبنى بها دار الندوة فلا تزوج امرأة إلا في دار الندوة ولا يعقد لواء ولا يعذر غلام، ولا تدرع جارية إلا فيها، وسميت الندوة ؛ لأنهم كانوا ينتدون فيها للخير والشر فكانت قريش تؤدي الرفادة إلى قصي وهو خرج يخرجونه من أموالهم يترافدون فيه فيصنع طعاما وشرابا للحاج أيام الموسم، وكانت قبيلة من جرهم اسمها صوفة بقيت بمكة تلي الإجازة بالناس من عرفة مدة، وفيهم يقول الشاعر : ولا يريمون في التعريف موقعهم حتى يقال أجيزوا آل صوفانا ثم أخذتها منهم خزاعة وأجازوا مدة ثم غلبهم عليها بنو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان وصارت إلى رجل منهم يقال له : أبو سيارة أحد بني سعد بن وابش بن زيد بن عدوان، وله يقول الراجز : خلوا السبيل عن أبي سياره وعن مواليه بني فزاره حتى يجيز سالما حماره مستقبل الكعبة يدعو جاره وكانت صورة الإجازة أن يتقدمهم أبو سيارة على حماره ثم يخطبهم فيقول : اللهم أصلح بين نسائنا وعاد بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا، وأوفوا بعهدكم وأكرموا جاركم واقروا ضيفكم، ثم يقول : أشرق ثبير كيما نغير، ثم ينفذ ويتبعه الناس، فلما قوي أمر قصي أتى أبا سيارة وقومه فمنعه من الإجازة وقاتلهم عليها فهزمهم فصار إلى قصي البيت والرفادة والسقاية والندوة واللواء، فلما كبر قصي ورق عظمه جعل الأمر في ذلك كله إلى ابنه عبد الدار ؛ لأنه أكبر ولده، وهلك قصي وبقيت قريش على ذلك زمانا، ثم إن عبد مناف رأى في نفسه وولده من النباهة والفضل ما دلهم على أنهم أحق من عبد الدار بالأمر، فأجمعوا على أخذ ما بأيديهم وهموا بالقتال فمشى الأكابر بينهم وتداعوا إلى الصلح على أن يكون لعبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، وتعاقدوا على ذلك حلفا مؤكدا لا ينقضونه ما بل بحر صوفه، فأخرجت بنو عبد مناف ومن تابعهم من قريش وهم بنو الحارث بن فهر، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة جفنة مملوءة طيبا، وغمسوا فيها أيديهم ومسحوا بها الكعبة توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين، وأخرجت بنو عبد الدار ومن تابعهم وهم مخزوم بن يقظة وجمح وسهم وعدي بن كعب جفنة مملوءة دما وغمسوا فيها أيديهم ومسحوا بها الكعبة فسموا الأحلاف ولعقة الدم ولم يل الخلافة منهم غير عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، والباقون من المطيبين فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام وقريش على ذلك حتى فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في سنة ثمان للهجرة فأقر المفتاح في يد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ المفاتيح منه عام الفتح فأنزلت : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ، فاستدعاه ورد المفاتيح إليه وأقر السقاية في يد العباس، فهي في أيديهم إلى الآن، وهذا هو كاف من هذا البحث، وأما صفتها، يعني مكة، فهي مدينة في واد والجبال مشرفة عليها من جميع النواحي محيطة حول الكعبة، وبناؤها من حجارة سود وبيض ملس ، وعلوها آجر كثيرة الأجنحة من خشب الساج ، وهي طبقات لطيفة مبيضة، حارة في الصيف إلا أن ليلها طيب، وقد رفع الله عن أهلها مؤونة الاستدفاء وأراحهم من كلف الاصطلاء، وكل ما نزل عن المسجد الحرام يسمونه المسفلة، وما ارتفع عنه يسمونه المعلاة، وعرضها سعة الوادي، والمسجد في ثلثي البلد إلى المسفلة، والكعبة في وسط المسجد، وليس بمكة ماء جار ، ومياهها من السماء، وليست لهم آبار يشربون منها وأطيبها بئر زمزم، ولا يمكن الإدمان على شربها، وليس بجميع مكة شجر مثمر إلا شجر البادية، فإذا جزت الحرم، فهناك عيون وآبار وحوائط كثيرة، وأودية ذات خضر، ومزارع ونخيل، وأما الحرم فليس به شجر مثمر إلا نخيل يسيرة متفرقة، وأما المسافات فمن الكوفة إلى مكة سبع وعشرون مرحلة، وكذلك من البصرة إليها ونقصان يومين، ومن دمشق إلى مكة شهر، ومن عدن إلى مكة شهر، وله طريقان أحدهما على ساحل البحر وهو أبعد والآخر يأخذ على طريق صنعاء وصعدة ونجران والطائف حتى ينتهي إلى مكة، ولها طريق آخر على البوادي وتهامة، وهو أقرب من الطريقين المذكورين أولا على أنها على أحياء العرب في بواديها ومخالفها لا يسلكها إلا الخواص منهم، وأما أهل حضرموت ومهرة فإنهم يقطعون عرض بلادهم حتى يتصلوا بالجادة التي بين عدن ومكة، والمسافة بينهم إلى الأمصار بهذه الجادة من نحو الشهر إلى الخمسين يوما، وأما طريق عمان إلى مكة فهو مثل طريق دمشق صعب السلوك من البوادي والبراري القفر القليلة السكان، وإنما طريقهم في البحر إلى جدة، فإن سلكوا على السواحل من مهرة وحضرموت إلى عدن بعد عليهم وقل ما يسلكونه، وكذلك ما بين عمان والبحرين فطريق شاق يصعب سلوكه لتمانع العرب فيما بينهم فيه.