نهروان
في ذي القعدة أصعد بجكم التركي إلى بغداد ليدفع عنها محمد بن رائق مولى محمد الخليفة ، فبعث أحمد بن علي بن سعيد الكوفي من يبثق نهر النهروان إلى درب ديالى، فلما أشرف عليه بجكم قال : يا قوم لقد أحسنوا إلينا، وأمر بسفينتين فنصبتا عليه جسرا فعبر هنيئا مريئا ولو ركبه ما كان يصعب ركوبه، قال : فحدثني أحمد الكاتب بن محمد بن سهل وكان على ديوان فارس في ديوان الخراج وقد تجاذبنا خبر خطاب السواد ومنه النهروانان وعليهما يومئذ للسلطان ألف ألف ومائتا ألف دينار فأخرجها الكوفي، قال : حضرت مجلس الكوفي وقت لي بجكم وقد كتب إلى عامله عليها جواب كتابه في أمر أعجزه : ويلك ولو في قبلك يعني ماء النهروان إلى درب ديالي ، ففعل وعظم أمره المستحفل وبقي البلد خرابا مدة أربع عشرة سنة حتى فني أهله بالغربة والموت إلى أن قبض الله معز الدولة أبا الحسين أحمد بن بويه الديلمي فسده بعد أن سد مرارا فانقلع ووقع الناس منه في شدة، فلما قضى الله سده عاش اليسير فمن بقي من أهله تراجعوا إليه، ثم ذكر ابن الجراح أيضا : في سنة 31 لما ورد ناصر الدولة الحسن بن حمدان إلى بغداد مستوليا على تدبير الأمور بها أطلق عشرين ألف دينار للنفقة على بثق النهروان بالسهلية، قال : وكنا في هذا الموضع بحضرة ناصر الدولة وجرى ذكر هذا البثق بمحضر من يواخي وكان عبيد الله بن محمد الكلواذاني صاحب الديوان حاضرا وخاضوا فيه وفيما يرتفع بإصلاحه من نواحيه وهي النهروانات الثلاثة وجاذر والمدينة العتيقة وشرقي كلواذي والأهواز فقال الكلواذاني وهو في الديوان من أربعين سنة : هذه بلدان يرتفع منها للسلطان ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقلت : يا هذا ما تفعل؟ ووقع لي أن الحال يصلح والأيام بناصر الدولة تستمر وتدوم ، ويطالب بهذا المال عند تمام المصلحة هذه النواحي ترتفع على السعر الوافي أصلا دون هذا المقدار كثيرا ، فكيف ما يخص السلطان وأكثر ما عرف من ارتفاع هذه النواحي على توسط الأسعار ، وغلبة المدار ألف ألف دينار ونحو مائتي دينار للسلطان أربعمائة ألف دينار وفي الإقطاعات والتسويغات والإيغارات والمنقولات أربعمائة ألف دينار للسلطان وللتنأة والمزراعين والأكرة نحو أربعمائة ألف دينار، فرجع عن هذا القول، وقال : سهوت، هذا الذي قلته هو ارتفاع جميع الأصل ثم بطل ما أراده ناصر الدولة بانزعاجه من بغداد ورجوعه إلى الموصل ورجوع الأمر إلى ترون التركي، والله المستعان، قلت : وينسب إلى هذه الناحية المعافى بن زكرياء بن يحيى بن حميد بن حماد النهرواني أبو الفرج القاضي، كان من أعلم أهل زمانه، روى عن أبي القاسم البغوي ويحيى بن صاعد وغيرهما، روى عنه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري وأبو القاسم الأزهري وغيرهما، ومات سنة 390 ، ومولده سنة 305 ، قال أبو عبد الله الحميدي : قرأت بخط أبي الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني القاضي ، قال : حججت سنة فكنت بمنى أيام التشريق إذ سمعت مناديا ينادي : يا أبا الفرج! فقلت في نفسي : لعله يريدني، ثم قلت : في الناس خلق كثير ممن يكنى أبا الفرج ، فلعله يريد غيري، فلم أجبه، فلما رأى أنه لا يجيبه أحد نادى : يا أبا الفرج المعافى! فهممت أن أجيبه ، ثم قلت : يتفق من يكون اسمه المعافى وكنيته أبا الفرج، فلم أجبه، فرجع ونادى : يا أبا الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني! فقلت : لم يبق شك في مناداته إياي إذ ذكر اسمي وكنيتي واسم أبي وما أنسب إليه، فقلت له : ها أنا ذا ما تريد؟ فقال : ومن أنت؟ فقلت : أبو الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني، قال : فلعلك من نهروان الشرق؟ قلت : نعم، قال : نحن نريد نهروان الغرب فعحبت من اتفاق الاسم والكنية واسم الأب وما أنسب إليه وعلمت أن بالمغرب موضعا يعرف بالنهروان غير نهروان العراق، وأبو حكيم إبراهيم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد بن إبراهيم النهرواني البغدادي الفقيه الحنبلي، شيخ صالح نزل باب الأزج وله هناك مدرسة منسوبة إليه، تفقه على أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلواذاني، وكان حسن المعرفة بالفقه والمناظرة، تخرج به جماعة وانتفعوا به لخيره وصلاحه، سمع أبا الحسن علي بن محمد العلاف وأبا القاسم علي بن محمد بن بيان وغيرهما، وحدث ودرس وأفتى، وروى عنه أبو الفرج ابن الجوزي وقال : مات في جمادى الآخرة سنة 556 ، ومولده سنة 480 .