تَحَيُّرُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِيمَا يَصِفُ بِهِ الْقُرْآنَ
تَحَيُّرُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِيمَا يَصِفُ بِهِ الْقُرْآنَ [ اجْتِمَاعُهُ بِنَفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَبِيتُوا ضِدَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّفَاقُ قُرَيْشٍ أَنْ يَصِفُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّاحِرِ ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ]
ثُمَّ إنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ فَقَالَ لَهُمْ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا ، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا ، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَيَرُدَّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا ؛ قَالُوا : فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ ؛ قَالُوا : نَقُولُ كَاهِنٌ ، قَالَ : لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنِ ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعِهِ ؛ قَالُوا : فَنَقُولُ : مَجْنُونٌ ، قَالَ : مَا هُوَ بِمَجْنُونِ لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ ، فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ ، وَلَا تَخَالُجِهِ ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ ، قَالُوا : فَنَقُولُ : شَاعِرٌ ؛ قَالَ : مَا هُوَ بِشَاعِرِ ، لَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ وَهَزَجَهُ وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ ؛ قَالُوا : فَنَقُولُ : سَاحِرٌ ؛ قَالَ : مَا هُوَ بِسَاحِرِ ، لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِمْ وَلَا عَقْدِهِمْ ؛ قَالُوا : فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ قَالَ : وَاَللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً ، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَعَذِقٌ ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجُنَاةٌ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ لَغَدِقٌ - وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ ، جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ
وَزَوْجَتِهِ ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ . فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ ، لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا حَذَّرُوهُ إيَّاهُ ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَهُ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ١١ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴾وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ١٤ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ١٥ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴾أَيْ خَصِيمًا .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : عَنِيدٌ : مُعَانِدٌ مُخَالِفٌ . قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ :
وَنَحْنُ ضَرَّابُونَ رَأْسَ الْعُنَّدِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ . سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : بَسَرَ : كَرَّهَ وَجْهَهُ . قَالَ الْعَجَّاجُ :
مُضَبَّرُ اللَّحْيَيْنِ بَسْرًا مِنْهَسَا يَصِفُ كَرَاهِيَةَ وَجْهِهِ . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ : ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ٢٣ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ