أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ
[ رِوَايَةُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ ، عَنْ أَصْحَابِهِ : عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، أَوْ عَمَّنْ رَوَى ذَلِكَ : أَنَّ إسْلَامَ عُمَرَ فِيمَا تَحَدَّثُوا بِهِ عَنْهُ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُبَاعِدًا ، وَكُنْتُ صَاحِبَ خَمْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أُحِبُّهَا وَأُسِرُّ بِهَا ، وَكَانَ لَنَا مَجْلِسٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْحَزْوَرَةِ ، عِنْدَ دُورَ آلِ عُمَرَ ج١ / ص٣٤٧بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيِّ ، قَالَ : فَخَرَجْتُ لَيْلَةً أُرِيدُ جُلَسَائِي أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَجِئْتهمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدًا . قَالَ : فَقُلْتُ : لَوْ أَنِّي جِئْتُ فُلَانًا الْخَمَّارَ ، وَكَانَ بِمَكَّةَ يَبِيعُ الْخَمْرَ ، لَعَلِّي أَجِدُ عِنْدَهُ خَمْرًا فَأَشْرَبَ مِنْهَا . قَالَ : فَخَرَجْتُ فَجِئْتُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ .
قَالَ : فَقُلْتُ : فَلَوْ أَنِّي جِئْتُ الْكَعْبَةَ فَطُفْتُ بِهَا سَبْعًا أَوْ سَبْعِينَ . قَالَ : فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ أُرِيدُ أَنْ أَطُوِّفَ بِالْكَعْبَةِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي ، وَكَانَ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الشَّامَ ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ ، وَكَانَ مُصَلَّاهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ : الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ . قَالَ : فَقُلْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ ، وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي اسْتَمَعْتُ لِمُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَسْمَعَ مَا يَقُولُ ( قَالَ ) فَقُلْتُ : لَئِنْ دَنَوْتُ مِنْهُ أَسْتَمِعُ مِنْهُ لَأُرَوِّعَنَّهُ ؛ فَجِئْتُ مِنْ قِبَلِ الْحِجْرِ ، فَدَخَلْتُ تَحْتَ ثِيَابِهَا ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي رُوَيْدًا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، حَتَّى قُمْتُ فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ ، مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إلَّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ .
قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ رَقَّ لَهُ قَلْبِي ، فَبَكَيْتُ وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ ، فَلَمْ أَزَلْ قَائِمًا فِي مَكَانِي ذَلِكَ ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ خَرَجَ عَلَى دَارِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، وَكَانَتْ طَرِيقَهُ ، حَتَّى يَجْزَعَ الْمَسْعَى ، ثُمَّ يَسْلُكُ بَيْنَ دَارِ عَبَّاسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ، وَبَيْنَ دَارِ ابْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ ، ثُمَّ عَلَى دَارِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ ، حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ . وَكَانَ مَسْكَنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّارِ الرَّقْطَاءِ ، الَّتِي كَانَتْ بِيَدَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَتَبِعْتُهُ حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْنَ دَارِ عَبَّاسٍ ، وَدَارِ بْنِ أَزْهَرَ ، أَدْرَكْتُهُ ؛ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِسِّي عَرَفَنِي ، فَظَنَّ ج١ / ص٣٤٨رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي إنَّمَا تَبِعْتُهُ لِأُوذِيَهُ فَنَهَمَنِي ، ثُمَّ قَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : ( جِئْتُ ) لِأُومِنَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ يَا عُمَرُ ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي ، وَدَعَا لِي بِالثَّبَاتِ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ .