أَوَّلُ جُمُعَةٍ أَقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ
[ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَإِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَاسْمُ ظَفَرٍ : كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو ج١ / ص٤٣٦بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ - قَالَا : عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا : بِئْرُ مَرَقٍ فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ : لَا أَبَا لَكَ ، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا ، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا ، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي ، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا ، قَالَ : فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ . ثُمَّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا ، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ : هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ ، فَاصْدُقْ اللَّهَ فِيهِ ، قَالَ مُصْعَبٌ : إنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ .
قَالَ : فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا . مُتَشَتِّمًا ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا ؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ : أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ قَالَ : أَنْصَفْتَ ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا ، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَقَالَا : فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا : وَاَللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ . ثُمَّ قَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ ؟ قَالَا لَهُ : تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، ثُمَّ تُصَلِّي .
فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا : إنَّ وَرَائِي رَجُلًا إنْ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ ، وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا ، قَالَ : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا فَعَلْتَ ؟ قَالَ : كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا ، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا ، فَقَالَا : نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ ، لِيُخْفِرُوكَ قَالَ : فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا ، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ ج١ / ص٤٣٧مِنْ يَدِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمَا ، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ ، عَرَفَ سَعْدٌ أَنَّ أُسَيْدًا إنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا ، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ : يَا أَبَا أُمَامَةَ ، ( أَمَا وَاَللَّهِ ) لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي ، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ - وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ : أَيْ مُصْعَبُ ، جَاءَكَ وَاَللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ ، إنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنْهُمْ اثْنَانِ - قَالَ : فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ : أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ ؟ قَالَ سَعْدٌ : أَنْصَفْتَ . ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، قَالَا : فَعَرَفْنَا وَاَللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا : كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ ؟ قَالَا : تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، قَالَ : فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ .
قَالَ : فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا ، قَالُوا : نَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا : سَيِّدُنَا ( وَأَوْصَلُنَا ) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا ، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً ، قَالَ : فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ قَالَا : فَوَاَللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً . وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٍ ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ ، وَهُمْ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ ، وَهُوَ صَيْفِيٌّ ، وَكَانَ شَاعِرًا لَهُمْ قَائِدًا يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنْ ج١ / ص٤٣٨الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ ، وَقَالَ فِيمَا رَأَى مِنْ الْإِسْلَامِ ، وَمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ : :